فصل: الغسل المسنون

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ***


الغسل المسنون

‏(‏قوله‏:‏ وسن للجمعة والعيدين والإحرام وعرفة‏)‏ أي وسن الغسل لأجل هذه الأشياء أما الجمعة فلما روى الترمذي وأبو داود والنسائي وأحمد في مسنده والبيهقي في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه وابن عبد البر في الاستذكار عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال‏:‏ «قال رسول الله‏:‏ صلى الله عليه وسلم من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل» قال الترمذي حديث حسن صحيح أي فبالسنة أخذ ونعمت هذه الخصلة وقيل فبالرخصة أخذ ونعمت الخصلة هذه والأول أولى فإنه قال‏:‏ وإذا اغتسل فالغسل أفضل فتبين أن الوضوء سنة لا رخصة كذا في الطلبة والضمير في فبها يعود إلى غير المذكور، وهو جائز إذا كان مشهورا، وهذا مذهب جمهور العلماء وفقهاء الأمصار، وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه وما وقع في الهداية من أنه واجب عند مالك فقال بعض الشارحين‏:‏ إنه غير صحيح، فإنه لم يقل أحد بالوجوب إلا أهل الظاهر وتمسكوا بما رواه البخاري ومسلم من حديث عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من جاء منكم الجمعة فليغتسل» والأمر للوجوب‏.‏ وروى البخاري ومسلم من حديث الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» وقد أجاب الجمهور عنه بثلاثة أجوبة أحدها أن الوجوب قد كان ونسخ ودفع بأن الناسخ، وإن صححه الترمذي لا يقوى قوة حديث الوجوب وليس فيه تاريخ أيضا فعند التعارض يقدم الموجب ثانيها أنه من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته كما يفيده ما أخرجه أبو داود عن عكرمة أن ناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا يا ابن عباس‏:‏ أترى الغسل يوم الجمعة واجبا فقال‏:‏ لا ولكنه طهور وخير لمن اغتسل ومن لم يغتسل فلا شيء عليه بواجب وسأخبركم كيف بدأ الغسل ‏[‏كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقا مقارب السقف إنما هو عريش فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منه رياح حتى أذى بعضهم بعضا فلما وجد عليه السلام تلك الرياح قال يا أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمس أحدكم أمثل ما يجد من دهنه وطيبه‏]‏ قال ابن عباس ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف وكفوا العمل ووسع مسجدهم وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق وثالثها أن المراد بالأمر النسب وبالوجوب الثبوت شرعا على وجه الندب كأنه قال‏:‏ واجب في الأخلاق الكريمة وحسن السنة بقرينة متصلة ومنفصلة أما المتصلة، فهي أنه قرنه بما لا يجب اتفاقا كما رواه مسلم من حديث الخدري أنه عليه السلام قال‏:‏ «غسل الجمعة على كل محتلم والسواك والطيب ما يقدر عليه» ومعلوم أن الطيب والسواك ليسا بواجبين، فكذلك الغسل وأما قول أبي هريرة كغسل الجنابة، فإنما أراد التشبيه في الهيئة والكيفية لا في كونه فرضا يدل عليه ما رواه الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا»، وهذا نص في الاكتفاء بالوضوء، وأما القرينة المنفصلة فهي قوله‏:‏ «ومن اغتسل فالغسل أفضل»، وأما كون الغسل سنة للعيدين وعرفة فيما رواه ابن ماجه في سننه عن الفاكه بن سعد‏:‏ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة» ورواه الطبراني في معجمه والبزار في مسنده وزاد فيه يوم الجمعة ورواه أحمد في مسنده أيضا وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال‏:‏ «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل يوم العيدين»، وأما كونه سنة للإحرام فبما أخرجه الترمذي في الحج وحسنه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد بن ثابت أنه‏:‏ ‏(‏رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل‏)‏ وذهب بعض مشايخنا إلى أن هذه الأغسال الأربعة مستحبة أخذا من قول محمد في الأصل إن غسل الجمعة حسن قال في فتح القدير‏:‏ وهو النظر؛ لأنا إن قلنا بأن الوجوب انتسخ لا يبقى حكم آخر بخصوصه إلا بدليل والدليل المذكور يفيد الاستحباب، وكذا إن قلنا بأنه من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته وإن حملنا الأمر على الندب فدليل الندب يفيد الاستحباب إذ لا سنة دون مواظبته صلى الله عليه وسلم وليس ذلك لازم الندب ثم يقاس عليه باقي الأغسال، وإنما يتعدى إلى الفرع حكم الأصل، وهو الاستحباب، وأما ما رواه ابن ماجه في العيدين وعرفة من حديثي الفاكه وابن عباس المتقدم ذكرهما فضعيفان قاله النووي وغيره، وأما ما رواه الترمذي في الإهلال فواقعة حال لا تستلزم المواظبة فاللازم الاستحباب إلا أن يقال إهلاله اسم جنس فيعم لفظا كل إهلال صدر منه فثبتت سنية هذا الغسل ا هـ‏.‏ لكن قال تلميذه ابن أمير حاج والذي يظهر استنان غسل الجمعة لما عن عائشة رضي الله عنها‏:‏ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من أربع من الجنابة ويوم الجمعة وغسل الميت ومن الحجامة» رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة والحاكم وقال على شرط الشيخين وقال البيهقي‏:‏ رواته كلهم ثقات مع ما تقدم، فإن هذا الحديث ظاهره يفيد المواظبة وما تقدم يفيد جواز الترك من غير لوم، وبهذا القدر تثبت السنة ثم اختلفوا فعند أبي يوسف الغسل في الجمعة والعيدين سنة للصلاة لا لليوم؛ لأنها أفضل من الوقت، وعند الحسن لليوم إظهارا لفضيلته هكذا في كثير من الكتب، وفي بعض الكتب كما نقله في المعراج ذكر محمد مكان الحسن وقالوا الصحيح قول أبي يوسف وتظهر ثمرة الاختلاف فيمن لا جمعة عليه هل يسن له الغسل أو لا وفيمن اغتسل ثم أحدث وتوضأ وصلى به الجمعة لا يكون له فضل غسل الجمعة عند أبي يوسف خلافا للحسن وفيمن اغتسل بعد الصلاة قبل الغروب فعند أبي يوسف لا وعند الحسن نعم كذا ذكر الشارحون والمنقول في فتاوى قاضي خان في باب صلاة الجمعة أنه لو اغتسل بعد الصلاة لا يعتبر بالإجماع، وهو الأولى فيما يظهر لي؛ لأن سبب مشروعية هذا الغسل لأجل إزالة الأوساخ في بدن الإنسان اللازم منها حصول الأذى عند الاجتماع، وهذا المعنى لا يحصل بالغسل بعد الصلاة والحسن رحمه الله وإن كان يقول هو لليوم لا للصلاة لكن بشرط أن يتقدم على الصلاة ولا يضر تخلل الحدث بين الغسل والصلاة عنده وعند أبي يوسف يضر وفي الكافي للمصنف وخلاصة الفتاوى تظهر فائدة الخلاف فيما لو اغتسل قبل الصبح وصلى به الجمعة نال فضل الغسل عند أبي يوسف وعند الحسن لا وتعقب الزيلعي الحسن بأنه مشكل جدا؛ لأنه لا يشترط وجود الاغتسال بما سن الاغتسال لأجله، وإنما يشترط أن يكون متطهرا بطهارة الاغتسال ألا ترى أن أبا يوسف لا يشترط الاغتسال في الصلاة، وإنما يشترط أن يصليها بطهارة الاغتسال، فكذا ينبغي أن يكون هنا متطهرا بطهارته في ساعة من اليوم عند الحسن لا أن ينشئ الغسل فيه ا هـ‏.‏ وأقره عليه في فتح القدير، وقد يقال إن ما استشهد به بقوله ألا ترى إلى آخره لا يصلح للاستشهاد؛ لأن ما سن الاغتسال لأجله عند الحسن، وهو اليوم يمكن إنشاء الغسل فيه فلو قيل باشتراطه أمكن بخلاف ما سن الاغتسال لأجله عند أبي يوسف، وهو الصلاة لا يمكن إنشاء الغسل فيها فافترقا لكن المنقول في فتاوى قاضي خان من باب صلاة الجمعة أنه إن اغتسل قبل الصبح وصلى بذلك الغسل كانت صلاة بغسل عند الحسن وفي معراج الدراية لو اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة استن بالسنة لحصول المقصود، وهو قطع الرائحة ا هـ‏.‏ ولم ينقل خلافا وينبغي أن لا تحصل السنة عند أبي يوسف لاشتراطه أن لا يتخلل بين الغسل والصلاة حدث والغالب في مثل هذا القدر من الزمان حصول حدث بينهما، ولا تحصل السنة أيضا عند الحسن على ما في الكافي وغيره أما على ما في الكافي فظاهر وأما على ما في غيره؛ فلأنه يشترط أن يكون متطهرا بطهارة الاغتسال في اليوم لا قبله، ولو اتفق يوم الجمعة ويوم العيد أو عرفة وجامع ثم اغتسل ينوب عن الكل كذا في معراج الدراية ثم في البدائع يجوز أن يكون غسل عرفة على هذا الاختلاف أيضا يعني أن يكون للوقوف أو لليوم كما في الجمعة قال ابن أمير حاج والظاهر أنه للوقوف، وما أظن أحدا ذهب إلى استنانه ليوم عرفة من غير حضور عرفات وفي المنبع شرح المجمع، فإن قلت هل يتأتى هذا الاختلاف في غسل العيد أيضا قلت يحتمل ذلك ولكني ما ظفرت به ا هـ‏.‏ قلت والظاهر أنه للصلاة أيضا، ويشهد له ما صح في موطإ مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو ا هـ‏.‏ وعبارة المجمع أولى من عبارة المصنف حيث قال‏:‏ وفي عرفة ليبين أنه لا ينال السنة إلا إذا اغتسل في نفس الجبل بخلاف عبارة المصنف، فإنها صادقة بما إذا اغتسل خارجه لأجله ثم دخله‏.‏

غسل الميت

‏(‏قوله‏:‏ ووجب للميت‏)‏ أي الغسل فرض على المسلمين على الكفاية لأجل الميت، وهذا هو مراد المصنف من الوجوب كما صرح به في الوافي في الجنائز وفي فتح القدير أنه بالإجماع إلا أن يكون الميت خنثى مشكلا، فإنه مختلف فيه قيل ييمم، وقيل يغسل في ثيابه، والأول أولى وسيأتي في الجنائز إن شاء الله تعالى دليله، وهل يشترط لهذا الغسل النية الظاهر أنه يشترط لإسقاط وجوبه عن المكلف لا لتحصيل طهارته، وهو وشرط صحة الصلاة عليه كذا في فتح القدير ولنا فيه نظر نذكره إن شاء الله تعالى في الجنائز وما نقله مسكين من قوله، وقيل غسل الميت سنة مؤكدة ففيه نظر بعد نقل الإجماع اللهم إلا أن يكون قولا غير معتد به فلا يقدح في انعقاد الإجماع‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ ولمن أسلم جنبا، وإلا ندب‏)‏ أي افترض الغسل على من أسلم حال كونه جنبا فاللام بمعنى على بقرينة قوله، وإلا ندب إذ لو كانت اللام على حقيقتها لاستوت الحالتان كما لا يخفى، وعبارة أصله الوافي أحسن ولفظه وندب لمن أسلم ولم يكن جنبا وإلا لزم وقد اختلف المشايخ في الكافر إذا أسلم، وهو جنب فقيل لا يجب؛ لأنهم غير مخاطبين بالفروع ولم يوجد بعد الإسلام جنابة، وهو رواية وفي رواية يجب، وهو الأصح لبقاء صفة الجنابة السابقة بعد الإسلام فلا يمكنه أداء المشروط بزوالها إلا به فيفترض، ولو حاضت الكافرة فطهرت ثم أسلمت قال شمس الأئمة لا غسل عليها بخلاف الجنب والفرق أن صفة الجنابة باقية بعد الإسلام، فكأنه أجنب بعده، والانقطاع في الحيض هو السبب، ولم يتحقق بعد؛ فلذلك لو أسلمت حائضا ثم طهرت وجب عليها الغسل ولو بلغ الصبي بالاحتلام أو هي بالحيض قيل يجب عليها لا عليه فهذه أربعة فصول قال قاضي خان‏:‏ والأحوط وجوب الغسل في الفصول كلها ا هـ‏.‏ وفي فتح القدير ولا نعلم خلافا في وجوب الوضوء للصلاة إذا أسلم محدثا ولا معنى للفرق بين هاتين، فإنه إن اعتبر حال البلوغ أو إن انعقاد أهلية التكليف، فهو كحال انعقاد العلة لا يجب عليهما، وإن اعتبر أو إن توجه الخطاب حتى اتحد زمانهما وجب عليهما والحيض إما حدث أو يوجب حدثا في رتبة حدث الجنابة كما سنحققه في بابه فوجب أن يتحد حكمه بالذي أسلم جنبا، وجوابه أن السبب في الحيض الانقطاع، وثبوته بعد البلوغ لتحقق البلوغ بابتداء الحيض كي لا يثبت الانقطاع إلا وهي بالغة‏.‏ ا هـ‏.‏ وهذا الجواب بعد تسليمه يصلح جوابا عما يرد على الفرق بين المرأة إذا بلغت بالحيض والصبي إذا بلغ بالاحتلام ولقائل أن يمنعه لما تقدم أن المختار أن السبب في وجوب الغسل على الحائض ليس الحيض ولا انقطاعه، وإنما هو وجوب الصلاة فحينئذ لا فرق بينهما والجواب الصحيح أن الصحيح وجوب الاغتسال على الصبي إذا بلغ بالاحتلام ذكره في معراج الدراية معزيا إلى أمالي قاضي خان، وأما ما يرد على الفرق بين المرأة الحائض إذا أسلمت بعد الانقطاع وبين المسلم إذا كان جنبا فلم يحصل الجواب عنه من المحقق فالأولى القول بالوجوب عليهما كما ذكره قاضي خان وإلى هنا تمت أنواع الاغتسال، وهي فرض وسنة ومندوب فالفرض ستة أنواع من إنزال المني بشهوة وتواري حشفة ولو كان كافرا ثم أسلم ومن انقطاع حيض أو نفاس ولو كانت كافرة ثم أسلمت والخامس غسل الميت والسادس الغسل عند إصابة جميع بدنه نجاسة أو بعضه وخفي مكانها وكثير من المشايخ قسموا أنواعه إلى فرض وواجب وسنة ومندوب وجعلوا الواجب غسل الميت وغسل الكافر إذا أسلم جنبا ولا يخفى ما فيه، فإن هذا الذي سموه واجبا يفوت الجواز بفوته والمنقول في باب الجنائز أن غسل الميت فرض فالأولى عدم إطلاق الواجب عليه؛ لأنه ربما يتوهم أنه غير الفرض بناء على اصطلاحنا المشهور والمسنون أربعة كما تقدم والمندوب غسل الكافر إذا أسلم غير جنب ولدخول مكة والوقوف بمزدلفة ودخول مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وللمجنون إذا أفاق والصبي إذا بلغ بالسن ومن غسل الميت وللحجامة لشبهة الخلاف وليلة القدر إذا رآها وللتائب من الذنب وللقادم من السفر ولمن يراد قتله وللمستحاضة إذا انقطع دمها ذكر هذه الأربعة في شرح منية المصلي معزيا لخزانة الأكمل، وفي شرح المهذب من الغسل المسنون غسل الكسوفين وغسل الاستسقاء ومنه ثلاثة أغسال رمي الجمار ومن المستحب الغسل لمن أراد حضور مجمع الناس ولم أجده لأئمتنا فيما عندي والله الموفق للصواب‏.‏

ما تجوز به الطهارة

‏(‏قوله‏:‏ ويتوضأ بماء السماء والعين والبحر‏)‏ يعني الطهارة جائزة بماء السماء كما صرح به القدوري وغيره والمشايخ تارة يطلقون الجواز بمعنى الحل وتارة بمعنى الصحة، وهي لازمة للأول من غير عكس والغالب إرادة الأول في الأفعال والثاني في العقود، والمراد هنا الأول، ومن قال بعموم المشترك استعمل الجواز هنا بالمعنيين والماء هو الجسم اللطيف السيال الذي به حياة كل نام وأصله موه بالتحريك، وهو أصل مرفوض فيما أبدل من الهاء إبدالا لازما، فإن الهمزة فيه مبدلة عن الهاء في موضع اللام ويجمع على مياه جمع كثرة وجمع قلة على أمواه والعين لفظ مشترك بين الشمس والينبوع والذهب والدينار والمال والنقد والجاسوس والمطر وولد البقر الوحشي وخيار الشيء ونفس الشيء والناس القليل وحرف من حروف المعجم وما عن يمين قبلة العراق وعين في الجلد وغير ذلك، والمراد به هنا الينبوع بقرينة السياق، وفي قوله والبحر عطفا على السماء أي وبماء البحر إشارة إلى رد قول من قال إن ماء البحر ليس بماء حتى حكي عن ابن عمر أنه قال في ماء البحر التيمم أحب إلي منه كما نقله عنه في السراج الوهاج وقسم هذه المياه باعتبار ما يشاهد عادة، وإلا فالكل من السماء لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض‏}‏ وقيل ليس في الآية أن جميع المياه تنزل من السماء؛ لأن ما نكرة في الإثبات ومعلوم أنها لا تعم قلنا بل تعم بقرينة الامتنان به، فإن الله ذكره في معرض الامتنان به فلو لم تدل على العموم لفات المطلوب والنكرة في الإثبات تفيد العموم بقرينة تدل عليه كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏علمت نفس ما أحضرت‏}‏ أي كل نفس‏.‏ واعلم أن الماء نوعان‏:‏ مطلق، ومقيد فالمطلق هو ما يسبق إلى الأفهام بمطلق قولنا ماء، ولم يقم به خبث ولا معنى يمنع جواز الصلاة فخرج الماء المقيد والماء المتنجس والماء المستعمل والمطلق في الأصول هو المتعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات كماء السماء والعين والبحر والإضافة فيه للتعريف بخلاف الماء المقيد، فإن القيد لازم له لا يجوز إطلاق الماء عليه بدون القيد كماء الورد، وقد أجمعوا على جواز الطهارة بماء السماء واستدلوا به بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به‏}‏ وقد استدل جماعة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنزلنا من السماء ماء طهورا‏}‏ وبالحديث الصحيح الذي رواه مالك في الموطإ وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة قال‏:‏ «سأل سائل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر فقال رسول الله‏:‏ صلى الله عليه وسلم هو الطهور ماؤه الحل ميتته» قال البخاري‏:‏ في غير صحيحه هو حديث صحيح وقال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح وأورد أن التمسك بالآية والحديث لا يصح إلا إذا كان الطهور بمعنى المطهر كما هو مذهب الشافعي ومالك، وأما إذا كان بمعنى الطاهر كما هو مذهبنا فلا يمكن الاستدلال، والدليل على أنه بمعنى الطاهر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسقاهم ربهم شرابا طهورا‏}‏ وصفه بأنه طهور، وإن لم يكن هناك ما يتطهر به وقال جرير عذاب الثنايا ريقهن طهور ومعناه طاهر وأهل العربية على أن الطهور فعول من طهر، وهو لازم والفعل إذا لم يكن متعديا لم يكن الفعول منه متعديا كقولهم نئوم من نام وضحوك من ضحك، وإذا كان متعديا فالفعول منه كذلك كقولهم قتول من قتل وضروب من ضرب قلنا إنما تفيد هذه الصيغة التطهير من طريق المعنى، وهو أن هذه الصيغة للمبالغة، فإن في الشكور والغفور من المبالغة ما ليس في الغافر والشاكر فلا بد أن يكون في الطهور معنى زائد ليس في الطاهر ولا تكون تلك المبالغة في طهارة الماء إلا باعتبار التطهير؛ لأن في نفس الطهارة كلتا الصفتين سواء فتكون صفة التطهير له بهذا الطريق لا أن الطهور بمعنى المطهر، وإليه أشار في الكشاف والمغرب قال وما حكي عن ثعلب أن الطهور ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره إن كان هذا زيادة بيان لبلاغته في الطهارة كان سديدا و يعضده قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به‏}‏ وإلا فليس فعول من التفعيل في شيء وقياسه على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية كقطوع ومنوع غير سديد والطهور يجيء صفة نحو‏:‏ ماء طهورا واسما لما يتطهر به كالوضوء اسم لما يتوضأ به ومصدرا نحو تطهرت طهورا حسنا ومنه قوله‏:‏ «لا صلاة إلا بطهور» أي طهارة فإذا كان بمعنى ما يتطهر به صح الاستدلال ولا يحتاج أن يجعل بمعنى المطهر حيث يلزم جعل اللازم متعديا كذا قرره بعض الشارحين، وفيه بحث من وجوه‏:‏ الأول‏:‏ أن الله تعالى وصف شراب أهل الجنة بأعلى الصفات، وهو التطهير الثاني أن جريرا قصد تفضيلهن على سائر النساء فوصف ريقهن بأنه مطهر يتطهر به لكمالهن وطيب ريقهن وامتيازه على غيره ولا يحمل على طاهر؛ لأنه لا مزية لهن في ذلك، فإن كل النساء ريقهن طاهر بل كل حيوان طاهر اللحم كذلك كالإبل والبقر الثالث أن قوله ولا تكون تلك المبالغة في طهارة الماء إلا باعتبار التطهير قد يمنع بأن المبالغة فيه باعتبار كثرته وجودته في نفسه لا باعتبار التطهير والمراد بماء السماء ماء المطر والندى والثلج والبرد إذا كان متقاطرا وعن أبي يوسف يجوز، وإن لم يكن متقاطرا والصحيح قولهما وقد استدل على جواز الطهارة بماء الثلج والبرد بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسكت بين تكبيرة الإحرام والقراءة سكتة يقول فيها أشياء منها اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد وفي رواية بماء الثلج والبرد» ولا يجوز بماء الملح، وهو يجمد في الصيف، ويذوب في الشتاء عكس الماء‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وإن غير طاهر أحد أوصافه‏)‏ أي يجوز الوضوء بالماء ولو خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه التي هي الطعم واللون والريح، وهذا عندنا وقال الشافعي إن كان المخالط الطاهر مما لا يمكن حفظ الماء عنه كالطحلب وما يجري عليه الماء من الملح والنورة جاز الوضوء به، وإن كان ترابا طرح فيه قصدا لم يؤثر، وإن كان شيئا سوى ذلك كالزعفران والدقيق والملح الجبلي والطحلب المدقوق بما يستغني الماء عنه لم يجز الوضوء به كذا في المهذب وأصل الخلاف أن هذا الماء الذي اختلط به طاهر هل صار به مقيدا أم لا فقال الشافعي ومن وافقه يقيد؛ لأنه يقال ماء الزعفران ونحن لا ننكر أنه يقال ذلك ولكن لا يمتنع ما دام المخالط مغلوبا أن يقول القائل فيه هذا ماء من غير زيادة، وقد رأيناه يقال في ماء المد والنيل حال غلبة لون الطين عليهما وتقع الأوراق في الحياض زمن الخريف فيمر الرفيقان ويقول أحدهما للآخر هنا ماء تعال نشرب نتوضأ فيطلقه مع تغير أوصافه فظهر لنا من اللسان أن المخالط المغلوب لا يسلب الإطلاق فوجب ترتيب حكم المطلق على الماء الذي هو كذلك، ويدل عليه من السنة قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اغسلوه بماء وسدر» قاله لمحرم وقصته ناقته فمات رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس‏:‏ «وقال صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته اغسلنها بماء وسدر» رواه مالك في الموطإ من حديث أم عطية والميت لا يغسل إلا بماء يجوز للحي أن يتطهر به والغسل بالماء والسدر لا يتصور إلا بخلط السدر بالماء أو بوضعه على الجسد وصب الماء عليه، وكيفما كان فلا بد من الاختلاط والتغيير‏.‏ وقد «اغتسل صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قصعة فيها أثر العجين» رواه النسائي والماء بذلك يتغير ولم يعتبر للمغلوبية «وأمر عليه السلام قيس بن عاصم حين أسلم أن يغتسل بماء وسدر» فلولا أنه طهور لما أمر أن يغتسل به، فإن قيل المطلق يتناول الكامل دون الناقص وفي الماء المختلط بطاهر غيره قصور فالجواب أن المطلق يتناول الكامل ذاتا لا وصفا والماء المتغير بطاهر كامل ذاتا فيتناوله مطلق الاسم فإن قيل لو حلف لا يشرب ماء فشرب هذا الماء المتغير لم يحنث ولو استعمل المحرم الماء المختلط بالزعفران لزمته الفدية ولو وكل وكيلا بأن يشتري له ماء فاشترى هذا الماء لا يجوز فعلم بهذا أن الماء المتغير ليس بماء مطلق قلنا لا نسلم ذلك هكذا ذكر السراج الهندي أقول‏:‏ ولئن سلمنا فالجواب‏:‏ أما في مسألة اليمين والوكالة فالعبرة فيهما للعرف وفي العرف أن هذا الماء لا يشرب، وأما في مسألة المحرم فإنما لزمته الفدية لكونه استعمل عين الطيب، وإن كان مغلوبا‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ أو أنتن بالمكث‏)‏ أي يجوز الوضوء بما أنتن بالمكث، وهو الإقامة والدوام ويجوز فتح الميم وضمها كما يجوز في عين فعله الماضي، وهي بالضم في المضارع على كل حال وفي بعض الشروح أنه يجوز فيه الكسر قيد بقوله بالمكث؛ لأنه لو علم أنه أنتن للنجاسة لا يجوز به الوضوء، وأما لو شك فيه، فإنه يجوز ولا يلزمه السؤال عنه‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ لا بما تغير بكثرة الأوراق‏)‏ عطف على بماء السماء يعني لا يتوضأ بما تغير بوقوع الأوراق الكثيرة فيه، وهذا محمول على ما إذا زال عنه اسم الماء بأن صار ثخينا كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء الله تعالى قال في النهاية المنقول عن الأساتذة أن أوراق الأشجار وقت الخريف تقع في الحياض فيتغير ماؤها من حيث اللون والطعم والرائحة ثم إنهم يتوضئون منها من غير نكير‏.‏ وروي عن محمد بن إبراهيم الميداني أن الماء المتغير بكثرة الأوراق إن ظهر لونها في الكف لا يتوضأ بها لكن يشرب‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ أو بالطبخ‏)‏ أي لا يتوضأ بما تغير بسبب الطبخ مما لا يقصد به المبالغة في التنظيف كماء المرق والباقلاء؛ لأنه حينئذ ليس بماء مطلق لعدم تبادره عند إطلاق اسم الماء ولا نعني بالمطلق إلا ما يتبادر عند إطلاقه أما لو كانت النظافة تقصد به كالسدر والصابون والأشنان يطبخ بالماء، فإنه يتوضأ به إلا إذا خرج الماء عن طبعه من الرقة والسيلان، وبما تقرر علم أن ما ذكره صاحب الهداية في التجنيس وصاحب الينابيع أن الباقلاء أو الحمص إذا طبخ إن كان إذا برد ثخن لا يجوز الوضوء به، وإن كان لا يثخن ورقة الماء باقية جاز ليس هو المختار بل هو قول الناطفي من مشايخنا رحمهم الله يدل عليه ما ذكره قاضي خان في فتاويه بما لفظه، ولو طبخ الحمص والباقلاء في الماء وريح الباقلاء توجد فيه لا يجوز التوضؤ به، وذكر الناطفي رحمه الله إذا لم تذهب عنه رقة الماء، ولم يسلب عنه اسم الماء جاز الوضوء به‏.‏ ا هـ‏.‏ وبما قررناه أيضا علم أن الماء المطبوخ بشيء لا يقصد به المبالغة في التنظيف يصير مقيدا سواء تغير شيء من أوصافه أو لم يتغير فحينئذ لا ينبغي عطفه في المختصر على ما تغير بكثرة الأوراق إلا أن يقال أنه لما صار مقيدا فقد تغير بالطبخ‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ أو اعتصر من شجر أو ثمر‏)‏ عطف على قوله تغير أي لا يتوضأ بما اعتصر من شجر كالريباس أو ثمر كالعنب لأن هذا ماء مقيد، وليس بمطلق، فلا يجوز الوضوء به؛ لأن الحكم منقول إلى التيمم عند فقد الماء المطلق بلا واسطة بينهما، وفي ذكر العصر إشارة إلى أن ما يخرج من الشجر بلا عصر كماء يسيل من الكرم يجوز به الوضوء وبه صرح صاحب الهداية لكن المصرح به في كثير من الكتب أنه لا يجوز الوضوء به، واقتصر عليه قاضي خان في الفتاوى وصاحب المحيط وصدر به في الكافي وذكر الجواز بصيغة قبل‏.‏ وفي شرح منية المصلي الأوجه عدم الجواز، فكان هو الأولى لما أنه كمل امتزاجه كما صرح به في الكافي فما وقع في شرح الزيلعي من أنه لم يكمل امتزاجه ففيه نظر وقد علمت أن العلماء اتفقوا على جواز الوضوء بالماء المطلق وعلى عدم جوازه بالماء المقيد ثم الماء إذا اختلط به شيء طاهر لا يخرج عن صفة الإطلاق إلا إذا غلب عليه غيره بقي الكلام هنا في تحقيق الغلبة بماذا تكون فعبارة القدوري، وهي قوله‏:‏ وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه كعبارة الكنز والمختار تفيد أن المتغير لو كان وصفين لا يجوز به الوضوء وعبارة المجمع، وهي قوله ونجيزه بغالب على طاهر كزعفران تغير به بعض أوصافه تفيد أن المتغير لو كان وصفين يجوز أو كلها لا يجوز وفي تتمة الفتاوى الماء المتغير أحد أوصافه لا يجوز به الوضوء، وفي الهداية والغلبة بالأجزاء لا بتغير اللون هو الصحيح وقد حكي خلاف بين أبي يوسف ومحمد ففي المجمع والخانية وغيرهما أن أبا يوسف يعتبر الغلبة بالأجزاء ومحمد باللون، وفي المحيط عكسه، والأصح من الخلاف الأول كما صرحوا به، وذكر القاضي الإسبيجابي أن الغلبة تعتبر أولا من حيث اللون ثم من حيث الطعم ثم من حيث الأجزاء وفي الينابيع لو نقع الحمص والباقلاء وتغير لونه وطعمه وريحه يجوز الوضوء به‏.‏ وعن أبي يوسف ماء الصابون إذا كان ثخينا قد غلب على الماء لا يتوضأ به، وإن كان رقيقا يجوز وكذا ماء الأشنان ذكره في الغاية وفيه إذا كان الطين غالبا عليه لا يجوز الوضوء به، وإن كان رقيقا يجوز الوضوء به وصرح في التجنيس بأن من التفريع على اعتبار الغلبة بالأجزاء قول الجرجاني إذا طرح الزاج أو العفص في الماء جاز الوضوء به، وإن كان لا ينقش إذا كتب به، فإن نقش لا يجوز، والماء هو المغلوب، وهكذا جاء الاختلاف ظاهرا في عباراتهم فلا بد من التوفيق، فنقول إن التقييد المخرج عن الإطلاق بأحد أمرين‏:‏ الأول‏:‏ كمال الامتزاج، وهو بالطبخ مع طاهر لا يقصد به المبالغة في التنظيف أو بتشرب النبات سواء خرج بعلاج أو لا‏.‏ الثاني غلبة المخالط، فإن كان جامدا فبانتفاء رقة الماء وجريانه على الأعضاء وعليه يحمل ما عن أبي يوسف وما في الينابيع ويوافقه ما في الفتاوى الظهيرية إذا طرح الزاج في الماء حتى اسود جاز الوضوء به، وإن كان مائعا موافقا للماء في الأوصاف الثلاثة كالماء الذي يؤخذ بالتقطير من لسان الثور وماء الورد الذي انقطعت رائحته والماء المستعمل على القول المفتى به من طهارته إذا اختلط بالمطلق فالعبرة للأجزاء فإن كان الماء المطلق أكثر جاز الوضوء بالكل، وإن كان مغلوبا لا يجوز، وإن استويا لم يذكر في ظاهر الرواية‏.‏ وفي البدائع قالوا حكمه حكم الماء المغلوب احتياطا وعليه، وعلى الأول يحمل قول من قال العبرة بالأجزاء، وهو قول أبي يوسف الذي اختاره في الهداية، فإن كان المخالط جامدا فغلبة الأجزاء فيه بثخونته فإن كان مائعا موافقا للماء، فغلبة الأجزاء فيه بالقدر وذكر الحدادي أن غلبة الأجزاء في الجامد تكون بالثلث، وفي المائع بالنصف فإن كان مخالفا للماء في الأوصاف كلها، فإن غيرها أو أكثرها لا يجوز الوضوء به، وإلا جاز، وعليه يحمل قول من قال إن غير أحد أوصافه جاز الوضوء به، وإن خالفه في وصف واحد أو وصفين فالعبرة لغلبة ما به الخلاف كاللبن يخالفه في الطعم، فإن كان لون اللبن أو طعمه هو الغالب فيه لم يجز الوضوء به وإلا جاز وكذا ماء البطيخ يخالفه في الطعم فتعتبر الغلبة فيه بالطعم وعليه يحمل قول من قال إذا غير أحد أوصافه لا يجوز وقول من قال العبرة للون وأما قول من قال العبرة للون ثم الطعم ثم الأجزاء فمراده أن المخالط المائع للماء إن كان لونه مخالفا للون الماء فالغلبة تعتبر من حيث اللون، وإن كان لونه لون الماء فالعبرة للطعم إن غلب طعمه على الماء لا يجوز، وإن كان لا يخالفه في اللون والطعم والريح فالعبرة للأجزاء‏.‏ وأما ما يفهم من عبارة المجمع فلا يمكن حمله على شيء كما لا يخفى، والذي يظهر أن مراده من البعض البعض الأقل، وهو الواحد كما هي عبارة القدوري تصحيحا لكلامه، ويدل عليه قوله في شرحه فغير بعض أوصافه من طعم أو ريح أو لون ذكره بأو التي هي لأحد الأشياء بعد من التي أوقعها بيانا للبعض ولا يظهر لتغيير عبارة القدوري فائدة وهاهنا تنبيهات مهمة لا بأس بإيرادها الأول أن مقتضى ما قالوه هنا من أن المخالط الجامد لا يقيد الماء إلا إذا سلبه وصف الرقة والسيلان جواز التوضؤ بنبيذ التمر والزبيب ولو غير الأوصاف الثلاثة وقد صرحوا قبيل باب التيمم بأن الصحيح خلافه وأن تلك رواية مرجوع عنها وقد يقال إن ذلك مشروط بما إذا لم يزل عنه اسم الماء وفي مسألة نبيذ التمر زال عنه اسم الماء، فلا مخالفة كما لا يخفى الثاني أنه يقتضي أيضا أن الزعفران إذا اختلط بالماء يجوز الوضوء به ما دام رقيقا سيالا ولو غير الأوصاف كلها؛ لأنه من قبيل الجامدات والمصرح به في معراج الدراية معزيا إلى القنية أن الزعفران إذا وقع في الماء إن أمكن الصبغ فيه، فليس بماء مطلق من غير نظر إلى الثخونة ويجاب عنه بما تقدم من أنه زال عنه اسم الماء‏.‏ الثالث‏:‏ أنهم قد صرحوا بأن الماء المستعمل على القول بطهارته إذا اختلط بالماء الطهور لا يخرجه عن الطهورية إلا إذا غلبه أو ساواه إما إذا كان مغلوبا فلا يخرجه عن الطهورية فيجوز الوضوء بالكل، وهو بإطلاقه يشمل ما إذا استعمل الماء خارجا ثم ألقى الماء المستعمل واختلط بالطهور أو انغمس في الماء الطهور لا فرق بينهما يدل عليه ما في البدائع في الكلام على حديث‏:‏ «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» لا يقال إنه نهي لما فيه من إخراج الماء من أن يكون مطهرا من غير ضرورة وذلك حرام؛ لأنا نقول الماء القليل إنما يخرج عن كونه مطهرا باختلاط غير المطهر به إذا كان غير المطهر غالبا كماء الورد واللبن فأما إذا كان مغلوبا فلا وهاهنا الماء المستعمل ما يلاقي البدن ولا شك أن ذلك أقل من غير المستعمل فكيف يخرج به من أن يكون مطهرا ا هـ‏.‏ وقال في موضع آخر فيمن وقع في البئر، فإن كان على بدنه نجاسة حكمية بأن كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء فعلى قول من لم يجعل هذا الماء مستعملا لا ينزح شيء وكذا على قول من جعله مستعملا وجعل المستعمل طاهرا؛ لأن غير المستعمل أكثر فلا يخرج عن كونه طهورا ما لم يكن المستعمل غالبا عليه كما لو صب اللبن في البئر بالإجماع أو بالت شاة فيها عند محمد ا هـ‏.‏ وقال‏:‏ في موضع آخر، ولو اختلط الماء المستعمل بالماء القليل قال بعضهم لا يجوز التوضؤ به، وإن قل، وهذا فاسد أما عند محمد؛ فلأنه طاهر لم يغلب على الماء المطلق فلا يغيره عن صفة الطهور كاللبن، وأما عندهما؛ فلأن القليل لا يمكن التحرز عنه ثم الكثير عند محمد ما يغلب على الماء المطلق وعندهما أن يستبين مواضع القطرة في الإناء ا هـ‏.‏ وفي الخلاصة جنب اغتسل فانتضح من غسله شيء في إنائه لم يفسد عليه الماء أما إذا كان يسيل فيه سيلانا أفسده وكذا حوض الحمام على هذا وعلى قول محمد لا يفسده ما لم يغلب عليه يعني لا يخرجه من الطهورية ا هـ‏.‏ بلفظه فإذا عرفت هذا لم تتأخر عن الحكم بصحة الوضوء من الفساقي الموضوعة في المدارس عند عدم غلبة الظن بغلبة الماء المستعمل أو وقوع نجاسة في الصغار منها فإن قلت قد صرح قاضي خان في فتاويه أنه لو صب ماء الوضوء في البئر عند أبي حنيفة ينزح كل الماء وعند صاحبيه إن كان استنجى بذلك الماء فكذلك، وإن لم يكن استنجى به على قول محمد لا يكون نجسا لكن ينزح منها عشرون دلوا ليصير الماء طاهرا ا هـ‏.‏ فهذا ظاهر في استعمال الماء بوقوع قليل من المستعمل فيه على قول محمد وكذا صرحوا بأن الجنب إذا نزل في البئر بقصد الاغتسال يفسد الماء عند الكل صرح به الأكمل وصاحب معراج الدراية وغيرهما وفي بعض الكتب ينزح عشرون دلوا عند محمد ولولا أن الكل صار مستعملا لما نزح منها، وفي فتاوى قاضي خان لو أدخل يده أو رجله في الإناء للتبرد يصير الماء مستعملا لانعدام الضرورة وكذا صرحوا بأن الماء يفسد إذا أدخل الكف فيه وممن صرح به صاحب المبتغى بالغين المعجمة، وهو يقتضي استعمال الكل‏.‏ وقال القاضي الإسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي والولوالجي في فتاويه جنب اغتسل في بئر ثم في بئر إلى العشرة على قصد الاغتسال قال أبو يوسف‏:‏ تنجس الآبار كلها وقال محمد‏:‏ يخرج من الثالثة طاهرا ثم ينظر إن كان على بدنه عين نجاسة تنجست المياه كلها، وإن لم يكن عين نجاسة صارت المياه كلها مستعملا إلى آخر الفروع وهذا صريح في استعمال جميع الماء عند محمد بالاغتسال فيه‏.‏ وقال الإمام القاضي أبو زيد الدبوسي في الأسرار‏:‏ في الكلام على حديث‏:‏ «لا يبولن أحدكم في الماء» إلى آخره قال من قال إن الماء المستعمل طاهر طهور لا يجعل الاغتسال فيه حراما، وكذلك من قال طاهر غير طهور؛ لأن المذهب عنده أن الماء المستعمل إذا وقع في ماء آخر لم يفسده حتى يغلب عليه بمنزلة اللبن يقع فيه وقدر ما يلاقي بدن المستعمل يصير مستعملا، وذلك القدر من جملة ما يغتسل فيه عادة يكون أقل مما فضل عن ملاقاة بدنه فلا يفسد ويبقى طهورا لذلك ولا يحرم فيه الاغتسال إلا أن يحكم بنجاسة الغسالة فيفسد الكل، وإن كان أكثر من الغسالة كقطرة خمر تقع في حب إلا أن محمدا يقول لما اغتسل في الماء القليل صار الكل مستعملا حكما ا هـ‏.‏ فهذه العبارة كشفت اللبس وأوضحت كل تخمين وحدس، فإنها أفادت أن مقتضى مذهب محمد أن الماء لا يصير مستعملا باختلاط القليل من الماء المستعمل إلا أن محمدا حكم بأن الكل صار مستعملا حكما لا حقيقة فما في البدائع محمول على أن مقتضى مذهب محمد عدم الاستعمال إلا أنه يقول بخلافه وفي الخلاصة رجل توضأ في طست ثم صب ذلك الماء في بئر ينزح منه الأكثر من عشرين دلوا ومما صب فيه عند محمد وعند أبي حنيفة وأبي يوسف ينزح ماء البئر كله؛ لأنه نجس عندهما‏.‏ ا هـ‏.‏ وهذا يفيد صيرورة ماء البئر مستعملا بصب الماء القليل المستعمل عليه فبالأولى إذا توضأ فيها أو اغتسل قلت قد وقع في جواز الوضوء من الفساقي الصغار الموضوعة في المدارس كلام كثير بين الحنفية من الطلبة والأفاضل في عصرنا وقبله وقد ألف الشيخ العلامة قاسم فيها رسالة وسماها رفع الاشتباه عن مسألة المياه واستدل فيها بما ذكرناه عن البدائع ووافقه على ذلك بعض أهل عصره وأفتى به وتعقبه البعض الآخر وألف فيها رسالة وسماها زهر الروض في مسألة الحوض ونبه عليها في شرح منظومة ابن وهبان‏.‏ وقال لا تغتر بما ذكره شيخنا العلامة قاسم واستند إلى ما ذكرناه عن الأسرار وفتاوى قاضي خان والعبد الضعيف إن شاء الله تعالى يكشف لك عن حقيقة الحال بقدر الوسع والإمكان وجهد المقل دموعه فأقول‏:‏ وبالله التوفيق إن ما ذكره في البدائع صريح في عدم صيرورة الماء القليل مستعملا باختلاط المستعمل الأقل منه به، وكذا ما ذكره الشارحون كالزيلعي والمحقق الكمال والسراج الهندي في بحث الماء المقيد كما نقلناه صريح في ذلك‏.‏ وأما ما ذكره الدبوسي في الأسرار وما ذكره في الخلاصة وغيرها من نزح عشرين دلوا وما ذكره الأكمل وشراح الهداية من كونه يفسد عند الكل وما ذكره القاضي الإسبيجابي والولوالجي عن محمد فكله مبني على رواية ضعيفة عن محمد لا على الصحيح من مذهب محمد وسيظهر لك صدق هذه الدعوى الصادقة بالبينة العادلة قال في المحيط وإذا وقع الماء المستعمل في البئر يفسد الماء وينزح كله عند أبي يوسف؛ لأنه نجس وعند محمد لا يفسد ويجوز التوضؤ به ما لم يغلب على الماء، وهو الصحيح؛ لأن الماء المستعمل طاهر غير طهور فصار كالماء المقيد إذا اختلط بالماء المطلق ا هـ‏.‏ بلفظه‏.‏ وقال الشيخ العلامة المحقق سراج الدين الهندي في شرح الهداية‏:‏ إذا وقع الماء المستعمل في البئر لا يفسد عند محمد ويجوز الوضوء به ما لم يغلب على الماء، وهو الصحيح كالماء المقيد إذا اختلط بالماء المطلق وفي التحفة يجوز الوضوء به ما لم يغلب على الماء على المذهب المختار، وإذا وقع الماء المستعمل في الماء المطلق القليل قال بعضهم‏:‏ لا يجوز الوضوء به بخلاف بول الشاة مع أن كلا منهما طاهر عند محمد والفرق له أن الماء المستعمل من جنس ماء البئر فلا يستهلك فيه والبول ليس من جنسه فيعتبر الغالب فيه‏.‏ وفي فتاوى قاضي خان لو صب الماء المستعمل في بئر ينزح منها عشرون دلوا؛ لأنه طاهر عنده، وكان دون الفأرة، وهذا على القول الذي لا يجوز استعمال ماء البئر ا هـ‏.‏ كلام العلامة السراج فقد استفيد من هذا فوائد منها أن المشايخ اختلفوا في الماء القليل المستعمل إذا اختلط بالماء المطلق الأكثر منه القليل في نفسه فمنهم من قال يصير الكل مستعملا عند محمد فيحتاج إلى الفرق بينه وبين بول الشاة فأفاد الفرق بقوله، والفرق له إلى آخره، وهي الفائدة الثانية ومنهم من قال لا يصير مستعملا ما لم يغلب على المطلق وصححه صاحب المحيط والعلامة كما رأيت ونقل العلامة عن التحفة أنه المختار ومنها حمل ما نقله قاضي خان وغيره من نزح عشرين دلوا على القول الضعيف أما على القول الصحيح فلا ينزح شيء فإذا علمت هذا تعين عليك حمل قول من نقل عدم الجواز على القول الضعيف لا الصحيح كما فعله العلامة‏.‏ وأما ما في كثير من الكتب من أن الجنب إذا أدخل يده أو رجله في الماء فسد الماء، فهذا محمول على الرواية القائلة بنجاسة الماء المستعمل لا على المختارة للفتوى؛ لأن ملاقاة النجس للماء القليل تقتضي نجاسته لا ملاقاة الطاهر له وقد كشف عن هذا ختام المحققين العلامة كمال الدين بن الهمام في شرح الهداية حجاب الأستار فقال حوضان صغيران يخرج الماء من أحدهما، ويدخل في الآخر فتوضأ في خلال ذلك جاز؛ لأنه جار، وكذا إذا قطع الجاري من فوق وقد بقي جري الماء كان جائزا أن يتوضأ بما يجري في النهر‏.‏ وذكر في فتاوى قاضي خان في المسألة الأولى قال‏:‏ والماء الذي اجتمع في الحفيرة الثانية فاسد، وهذا مطلقا إنما هو بناء على كون المستعمل نجسا وكذا كثير من أشباه هذا، فأما على المختار من رواية أنه طاهر غير طهور فلا فلتحفظ ليفرع عليها ولا يفتى بمثل هذه الفروع ا هـ كلام المحقق‏.‏ ومن هنا يعلم أن فهم المسائل على وجه التحقيق يحتاج إلى معرفة أصلين أحدهما أن إطلاقات الفقهاء في الغالب مقيدة بقيود يعرفها صاحب الفهم المستقيم الممارس للأصول والفروع، وإنما يسكتون عنها اعتمادا على صحة فهم الطالب‏.‏ والثاني‏:‏ أن هذه المسائل اجتهادية معقولة المعنى لا يعرف الحكم فيها على الوجه التام إلا بمعرفة وجه الحكم الذي بني عليه وتفرع عنه، وإلا فتشتبه المسائل على الطالب ويحار ذهنه فيها لعدم معرفة الوجه والمبنى ومن أهمل ما ذكرناه حار في الخطأ والغلط، وإذا عرفت هذا ظهر لك ضعف من يقول في عصرنا إن الماء المستعمل إذا صب على الماء المطلق وكان الماء المطلق غالبا يجوز الوضوء بالكل، وإذا توضأ في فسقية صار الكل مستعملا إذ لا معنى للفرق بين المسألتين، وما قد يتوهم في الفرق من أن في الوضوء يشيع الاستعمال في الجميع بخلافه في الصب مدفوع بأن الشيوع والاختلاط في الصورتين سواء بل لقائل أن يقول إلقاء الغسالة من خارج أقوى تأثيرا من غيره لتعين المستعمل فيه بالمعاينة والتشخيص وتشخص الانفصال وبالجملة فلا يعقل فرق بين الصورتين من جهة الحكم فالحاصل أنه يجوز الوضوء من الفساقي الصغار ما لم يغلب على ظنه أن الماء المستعمل أكثر أو مساو ولم يغلب على ظنه وقوع نجاسة قال العلامة قاسم‏:‏ في رسالته، فإن قلت إدا تكرر الاستعمال قد يجمع ويمنع قلت الظاهر عدم اعتبار هذا المعنى في النجس فكيف بالطاهر قال في المبتغى يعني بالغين المعجمة قوم يتوضئون صفا على شط النهر جاز فكذا في الحوض؛ لأن حكم ماء الحوض في حكم ماء جار ا هـ بلفظه قال العبد الضعيف‏:‏ الظاهر أنه يجمع ويمنع‏.‏ وأما ما استشهد به من عبارة المبتغى فلا يمس محل النزاع؛ لأن كلامنا في الحوض الصغير الذي لا يكون في حكم الجاري، وما في المبتغى مصور في الحوض الكبير بدليل قوله؛ لأن حكم ماء الحوض في حكم ماء جار، وقد نقل المحقق العلامة كمال الدين بن الهمام عبارة المبتغى ثم قال‏:‏ وإنما أراد الحوض الكبير بالضرورة وأيضا ما في المبتغى مفرع على القول بنجاسة الماء المستعمل لا على القول بطهارته بدليل أن الحدادي في شرح القدوري ذكر ما في المبتغى تفريعا على القول بنجاسة الماء المستعمل وكلامنا هنا على القول بطهارته ثم رأيت العلامة ابن أمير حاج في شرحه على منية المصلي قال في قول صاحب المنية‏.‏ وعن الفقيه أبي جعفر لو توضأ في أجمة القصب، فإن كان لا يخلص بعضه إلى بعض جاز قال ما نصه، وإنما قيد الجواز بالشرط المذكور؛ لأنه لو كان يخلص بعضه إلى بعض لا يجوز كما هو المفهوم المخالف لجواب المسألة لكن على القول بنجاسة الماء المستعمل أما على طهارته فلا بل يجوز ما لم يغلب على ظنه أن القدر الذي يغترفه منه لإسقاط فرض من مسح أو غسل ماء مستعمل أو ماء اختلط بماء مستعمل مساو له أو غالب عليه ا هـ‏.‏ والأجمة محركة الشجر الكثير الملتف ثم قال أيضا واتصال الزرع بالزرع لا يمنع اتصال الماء بالماء وإن كان مما يخلص فيجوز على الرواية المختارة في طهارة المستعمل بالشرط الذي سلف ولا يجوز على القول بنجاسته ا هـ‏.‏ ثم ذكر أيضا مسائل على هذا المنوال، وهو صريح فيما قدمناه من جواز الوضوء بالماء الذي اختلط به ماء مستعمل قليل ويدل عليه أيضا ما ذكره الشيخ سراج الدين قارئ الهداية في فتاويه التي جمعها تلميذه ختام المحققين الكمال بن الهمام بما لفظه سئل عن فسقية صغيرة يتوضأ فيه الناس وينزل فيها الماء المستعمل وفي كل يوم ينزل فيها ماء جديد هل يجوز الوضوء فيها أجاب إذا لم يقع فيها غير الماء المذكور لا يضر ا هـ يعني‏:‏ إذا وقعت فيها نجاسة تنجست لصغرها ا هـ‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ أو بماء دائم فيه نجس إن لم يكن عشرا في عشر‏)‏ أي لا يتوضأ بماء ساكن وقعت فيه نجاسة مطلقا سواء تغير أحد أوصافه أو لا ولم يبلغ الماء عشرة أذرع في عشرة‏.‏ اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به قليلا كان الماء أو كثيرا جاريا كان أو غير جار هكذا نقل الإجماع في كتبنا، وممن نقله أيضا النووي في شرح المهذب عن جماعات من العلماء، وإن لم يتغير بها فاتفق عامة العلماء على أن القليل ينجس بها دون الكثير لكن اختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير فقال مالك إن تغير أحد أوصافه بها، فهو قليل لا يجوز الوضوء به، وإلا فهو كثير وحينئذ يختلف الحال بحسب اختلاف النجاسة في الكم وقال الشافعي‏:‏ إذا بلغ الماء قلتين فهو كثير فيجوز الوضوء به، وإلا فهو قليل لا يجوز الوضوء به‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ في ظاهر الرواية عنه يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى به إن غلب على ظنه أنه بحيث تصل النجاسة إلى الجانب الآخر لا يجوز الوضوء وإلا جاز وممن نص على أنه ظاهر المذهب شمس الأئمة السرخسي في المبسوط وقال إنه الأصح وقال الإمام الرازي في أحكام القرآن في سورة الفرقان‏:‏ إن مذهب أصحابنا أن كل ما تيقنا فيه جزءا من النجاسة أو غلب على الظن ذلك لا يجوز الوضوء به سواء كان جاريا أو لا‏.‏ ا هـ‏.‏

وقال الإمام أبو الحسن الكرخي في مختصره وما كان من المياه في الغدران أو في مستنقع من الأرض وقعت فيه نجاسة نظر المستعمل في ذلك، فإن كان في غالب رأيه أن النجاسة لم تختلط بجميعه لكثرته توضأ من الجانب الذي هو طاهر عنده في غالب رأيه في إصابة الطاهر منه وما كان قليلا يحيط العلم أن النجاسة قد خلصت إلى جميعه أو كان ذلك في غالب رأيه لم يتوضأ منه ا هـ‏.‏ وقال ركن الإسلام أبو الفضل عبد الرحمن الكرماني في شرح الإيضاح واختلفت الروايات في تحديد الكثير‏:‏ والظاهر عن محمد أنه عشر في عشر والصحيح عن أبي حنيفة أنه لم يوقت في ذلك بشيء، وإنما هو موكول إلى غلبة الظن في خلوص النجاسة ا هـ‏.‏ وقال الحاكم الشهيد في الكافي‏:‏ الذي هو جمع كلام محمد قال أبو عصمة‏:‏ كان محمد بن الحسن يوقت عشرة في عشرة ثم رجع إلى قول أبي حنيفة وقال لا أوقت فيه شيئا ا هـ‏.‏ وقال الإمام الإسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي‏:‏ ثم الحد الفاصل بين القليل والكثير عند أصحابنا هو الخلوص، وهو أن يخلص بعضه من جانب إلى جانب ولم يفسر الخلوص في رواية الأصول‏.‏ وسئل محمد عن حد الحوض فقال مقدار مسجدي فذرعوه فوجدوه ثمانية في ثمانية وبه أخذ محمد بن سلمة وقال بعضهم‏:‏ مسحوا مسجد محمد فكان داخله ثمانيا في ثمان وخارجه عشرا في عشر ثم رجع محمد إلى قول أبي حنيفة وقال لا أوقت فيه شيئا ا هـ‏.‏ وفي معراج الدراية الصحيح عن أبي حنيفة أنه لم يقدر في ذلك شيئا، وإنما قال هو موكول إلى غلبة الظن في خلوص النجاسة من طرف إلى طرف، وهذا أقرب إلى التحقيق؛ لأن المعتبر عدم وصول النجاسة وغلبة الظن في ذلك تجري مجرى اليقين في وجوب العمل كما إذا أخبر واحد بنجاسة الماء وجب العمل بقوله، وذلك يختلف بحسب اجتهاد الرائي وظنه ا هـ‏.‏ وكذا في شرح المجمع والمجتبى وفي الغاية ظاهر الرواية عن أبي حنيفة اعتباره بغلبة الظن، وهو الأصح ا هـ‏.‏ وفي الينابيع قال أبو حنيفة‏:‏ الغدير العظيم هو الذي لا يخلص بعضه إلى بعض ولم يفسره في ظاهر الرواية وفوضه إلى رأي المبتلى به، وهو الصحيح وبه أخذ الكرخي ا هـ‏.‏ وهكذا في أكثر كتب أئمتنا فثبت بهذه النقول المعتبرة عن مشايخنا المتقدمين مذهب إمامنا الأعظم أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رضي الله عنهم أجمعين فتعين المصير إليه، وأما ما اختاره كثير من مشايخنا المتأخرين بل عامتهم كما نقله في معراج الدراية من اعتبار العشر في العشر فقد علمت أنه ليس مذهب أصحابنا، وأن محمدا، وإن كان قدر به رجع عنه كما نقله الأئمة الثقات الذين هم أعلم بمذهب أصحابنا فإن قلت إن في الهداية وكثير من الكتب أن الفتوى على اعتبار العشر في العشر واختاره أصحاب المتون فكيف ساغ لهم ترجيح غير المذهب قلت لما كان مذهب أبي حنيفة التفويض إلى رأي المبتلى به، وكان الرأي يختلف بل من الناس من لا رأي له اعتبر المشايخ العشر في العشر توسعة وتيسيرا على الناس، فإن قلت‏:‏ هل يعمل بما صح من المذهب أو بفتوى المشايخ قلت يعمل بما صح من المذهب فقد قال الإمام أبو الليث في نوازله سئل أبو نصر عن مسألة وردت عليه ما تقل رحمك الله وقعت عندك كتب أربعة كتاب إبراهيم بن رستم وأدب القاضي عن الخصاف وكتاب المجرد وكتاب النوادر من جهة هشام فهل يجوز لنا أن نفتي منها أو لا وهذه الكتب محمودة عندك فقال ما صح عن أصحابنا فذلك علم محبوب مرغوب فيه مرضي به‏.‏ وأما الفتيا، فإني لا أرى لأحد أن يفتي بشيء لا يفهمه ولا يتحمل أثقال الناس، فإن كانت مسائل قد اشتهرت وظهرت وانجلت عن أصحابنا رجوت أن يسع الاعتماد عليها في النوازل انتهى‏.‏ وعلى تقدير عدم رجوع محمد عن هذا التقدير فما قدر به لا يستلزم تقديره به إلا في نظره، وهو لا يلزم غيره، وهذا؛ لأنه لما وجب كونه ما استكثره المبتلى فاستكثار واحد لا يلزم غيره بل يختلف باختلاف ما يقع في قلب كل إنسان، وليس هذا من قبيل الأمور التي يجب فيها على العامي تقليد المجتهد إليه أشار في فتح القدير ويؤيده ما في شرح الزاهدي عن الحسن وأصح حده ما لا يخلص بعض الماء إلى بعض بظن المبتلى به واجتهاده ولا يناظر المجتهد فيه ا هـ‏.‏ فعلم من هذا أن التقدير بعشر في عشر لا يرجع إلى أصل شرعي يعتمد عليه كما قاله محيي السنة فإن قلت قال في شرح الوقاية، وإنما قدر به بناء على قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من حفر بئرا فله حولها أربعون ذراعا» فيكون له حريمها من كل جانب عشرة ففهم من هذا أنه إذا أراد آخر أن يحفر في حريمها بئرا يمنع؛ لأنه ينجذب الماء إليها وينقص الماء في البئر الأولى، وإذا أراد أن يحفر بئر بالوعة يمنع أيضا السراية النجاسة إلى البئر الأولى وينجس ماؤها ولا يمنع فيما وراء الحريم وهو عشر في عشر فعلم أن الشرع اعتبر العشر في العشر في عدم سراية النجاسة حتى لو كانت النجاسة تسري يحكم بالمنع قلت هو مردود من ثلاثة أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أن كون حريم البئر عشرة أذرع من كل جانب قول البعض والصحيح أنه أربعون من كل جانب كما سيأتي إن شاء الله تعالى‏:‏ الثاني‏:‏ أن قوام الأرض أضعاف قوام الماء فقياسه عليها في مقدار عدم السراية غير مستقيم الثالث‏:‏ أن المختار المعتمد في البعد بين البالوعة والبئر نفوذ الرائحة إن تغير لونه أو ريحه أو طعمه تنجس، وإلا فلا هكذا في الخلاصة وفتاوى قاضي خان وغيرهما‏.‏ وصرح في التتارخانية أن اعتبار العشر في العشر على اعتبار حال أراضيهم والجواب يختلف باختلاف صلابة الأرض ورخاوتها وحيث اختار في المتن اعتبار العشر لا بأس بإيراد تفاريعه والتكلم عليها، فنقول‏:‏ اختلف المشايخ في الذراع على ثلاثة أقوال ففي التجنيس المختار ذراع الكرباس واختلف فيه ففي كثير من الكتب أنه ست قبضات ليس فوق كل قبضة إصبع قائمة فهو أربعة وعشرون إصبعا بعدد حروف لا إله إلا الله محمد رسول الله والمراد بالإصبع القائمة ارتفاع الإبهام كما في غاية البيان وفي فتاوى الولوالجي أن ذراع الكرباس سبع قبضات ليس فوق كل قبضة إصبع قائمة وفي فتاوى قاضي خان وغيرها الأصح ذراع المساحة، وهو سبع قبضات فوق كل قبضة إصبع قائمة وفي المحيط والكافي الأصح أنه يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم من غير تعرض للمساحة والكرباس والأقوال الكل في المربع، فإن كان الحوض مدورا ففي‏.‏ الظهيرية يعتبر ستة وثلاثون، وهو الصحيح، وهو مبرهن عند الحساب وفي غيرها المختار المفتى به ستة وأربعون كيلا لعسر رعاية الكسر وفي المحيط الأحوط اعتبار ثمانية وأربعين وفي فتح القدير والكل تحكمات غير لازمة إنما الصحيح ما قدمناه من عدم التحكم بتقدير معين وفي الخلاصة وصورة الحوض الكبير المقدر بعشرة في عشرة أن يكون من كل جانب من جوانب الحوض عشرة وحول الماء أربعون ذراعا ووجه الماء مائة ذراع هذا مقدار الطول والعرض‏.‏ ا هـ‏.‏ وأما العمق ففي الهداية والمعتبر في العمق أن يكون بحال لا ينحسر بالاغتراف و هو الصحيح أي لا ينكشف حتى لو انكشف ثم اتصل بعد ذلك لا يتوضأ منه، وعليه الفتوى كذا في معراج الدراية، وفي البدائع إذا أخذ الماء وجه الأرض يكفي ولا تقدير فيه في ظاهر الرواية، وهو الصحيح ا هـ‏.‏ وهو الأوجه لما عرف من أصل أبي حنيفة وفي الفتاوى غدير كبير لا يكون فيه الماء في الصيف وتروث فيه الدواب والناس ثم يملأ في الشتاء ويرفع منه الجمدان كان الماء الذي يدخله يدخل على مكان نجس فالماء والجمد نجس، وإن كان كثيرا بعد ذلك، وإن كان دخل في مكان طاهر واستقر فيه حتى صار عشرا في عشر ثم انتهى إلى النجاسة، فالماء والجمد طاهران ا هـ‏.‏ وهذا بناء على ما ذكروا من الماء النجس إذا دخل على ماء الحوض الكبير لا ينجسه، وإن كان الماء النجس غالبا على الحوض؛ لأن كل ما يتصل بالحوض الكبير يصير منه فيحكم بطهارته وعلى هذا فماء بركة الفيل بالقاهرة طاهر إذا كان ممره طاهرا أو أكثر ممره على ما عرف في ماء السطح؛ لأنها لا تجف كلها بل لا يزال بها غدير عظيم فلو أن الداخل اجتمع قبل أن يصل إلى ذلك الماء الكثير بها في مكان نجس حتى صار عشرا في عشر ثم اتصل بذلك الماء الكثير كان الكل طاهرا هذا إذا كان الغدير الباقي محكوما بطهارته كذا في فتح القدير وفي التجنيس، وإذا كان الماء له طول وعمق وليس له عرض ولو قدر يصير عشرا في عشر فلا بأس بالوضوء فيه تيسيرا على المسلمين ثم العبرة لحالة الوقوع، فإن نقص بعده لا ينجس وعلى العكس لا يطهر؛ ولذا صحح في الاختيار وغيره ما في التجنيس قال في فتح القدير، وهذا تفريع على التقدير بعشر ولو فرعنا على الأصح ينبغي أن يعتبر أكبر الرأي لو ضم ومثله لو كان له عمق بلا سعة ولو بسط بلغ عشرا في عشر اختلف فيه ومنهم من صحح جعله كثيرا والأوجه خلافه؛ لأن مدار الكثرة عند أبي حنيفة على تحكيم الرأي في عدم خلوص النجاسة إلى الجانب الآخر، وعند تقارب الجوانب لا شك في غلبة الخلوص إليه والاستعمال إنما هو من السطح لا من العمق وبهذا يظهر ضعف ما اختاره في الاختيار؛ لأنه إذا لم يكن له عرض فأقرب الأمور الحكم بوصول النجاسة إلى الجانب الآخر من عرضه وبه خالف حكم الكثير إذ ليس حكم الكثير تنجس الجانب الآخر بسقوطها في مقابله بدون تغير وأنت إذا حققت الأصل الذي بيناه قبلت ما وافقه وتركت ما خالفه ا هـ‏.‏ وقد يقال إن هذا، وإن كان الأوجه إلا أن المشايخ وسعوا الأمر على الناس وقالوا بالضم كما أشار إليه في التجنيس بقوله تيسيرا على المسلمين، وفي التجنيس الحوض إذا كان أعلاه عشرا في عشر وأسفله أقل من ذلك، وهو ممتلئ يجوز التوضؤ فيه والاغتسال فيه، وإن نقص الماء حتى صار أقل من عشرة في عشرة لا يتوضأ فيه ولكن يغترف منه ويتوضأ‏.‏

وفي الخلاصة ولو كان أعلاه أقل من عشر في عشر وأسفله عشر في عشر ووقعت قطرة خمر أو توضأ منه رجل ثم انتقص الماء وصار عشرا في عشر اختلف المتأخرون فيه وينبغي أن يكون الجواب على التفصيل إن كان الماء الذي تنجس في أعلى الحوض أكثر من الماء الذي في أسفله ووقع الماء النجس في الأسفل جملة كان الماء نجسا، ويصير النجس غالبا على الطاهر في وقت واحد، وإن وقع الماء النجس في أسفل الحوض على التدريج كان طاهرا وقال بعضهم‏:‏ لا يطهر كالماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ثم انبسط ا هـ‏.‏ وذكر السراج الهندي أن الأشبه الجواز وفي التجنيس حوض عشر في عشر إلا أن له مشارع فتوضأ رجل من مشرعة أو اغتسل والماء متصل بألواح المشرعة لا يضطرب لا يجوز التوضؤ به، وإن كان أسفل من الألواح فإنه يجوز وعلله في فتح القدير بأنه في الأول كالحوض الصغير، وفي الثاني حوض كبير مسقف، وعلى هذا الحوض الكبير إذا جمد ماؤه فنقب فيه إنسان نقبا فتوضأ من ذلك الموضع، فإن كان الماء منفصلا عن الجمد لا بأس به؛ لأنه يصير كالحوض المسقف، وإن كان متصلا لا لأنه صار كالقصعة كذا في التجنيس وغيره، وفي فتح القدير واتصال القصب بالقصب لا يمنع اتصال الماء ولا يخرجه عن كونه غديرا عظيما، فيجوز لهذا التوضؤ في الأجمة ونحوها ا هـ‏.‏ وفي المغرب الأجمة الشجر الملتف والجمع أجم وآجام وقد قدمنا في الكلام في الفساقي مسألة الأجمة فارجع إليه‏.‏

ولو تنجس الحوض الصغير ثم دخل فيه ماء آخر وخرج حال دخوله طهر، وإن قل وقيل لا حتى يخرج قدر ما فيه وقيل حتى يخرج ثلاثة أمثاله وصحح الأول في المحيط وغيره قال السراج الهندي وكذا البئر‏.‏ واعلم أن عبارة كثير منهم في هذه المسألة تفيد أن الحكم بطهارة الحوض إنما هو إذا كان الخروج حالة الدخول، وهو كذلك فيما يظهر؛ لأنه حينئذ يكون في المعنى جاريا لكن إياك وظن أنه لو كان الحوض غير ملآن فلم يخرج منه شيء في أول الأمر ثم لما امتلأ خرج منه بعضه لاتصال الماء الجاري به أنه لا يكون طاهرا حينئذ إذ غايته أنه عند امتلائه قبل خروج الماء منه نجس فيطهر بخروج القدر المتعلق به الطهارة إذا اتصل به الماء الجاري الطهور كما لو كان ممتلئا ابتداء ماء نجسا ثم خرج منه ذلك القدر لاتصال الماء الجاري به ثم كلامهم يشير إلى أن الخارج منه نجس قبل الحكم على الحوض بالطهارة، وهو كذلك كما هو ظاهر كذا في شرح منية المصلي وفي شرح الوقاية، وإذا كان حوض صغير يدخل فيه الماء من جانب ويخرج من جانب يجوز الوضوء في جميع جوانبه وعليه الفتوى من غير تفصيل بين أن يكون أربعا في أربع أو أقل فيجوز أو أكثر فلا يجوز وفي معراج الدراية يفتى بالجواز مطلقا واعتمده في فتاوى قاضي خان وفي فتح القدير أن الخلاف مبني على نجاسة الماء المستعمل فقولهم في هذه المسألة أنه لا يجوز الوضوء إلا في موضع خروج الماء إنما هو بناء على نجاسة الماء المستعمل، وأما على المختار من طهارة الماء المستعمل فالجواب في هذه المسألة كما تقدم في نظائرها أنه يجوز الوضوء فيها ما لم يغلب على ظن المتوضئ أن ما يغترفه لإسقاط فرض ماء مستعمل أو ما يخالطه منه مقدار نصفه فصاعدا فكن على هذا معتمدا كذا في شرح منية المصلي للعلامة ابن أمير حاج رحمه الله تعالى‏.‏ واعلم أن أكثر التفاريع المذكورة في الكتب مبنية على اعتبار العشر في العشر فأما على المختار من اعتبار غلبة الظن فيوضع مكان لفظ عشر في كل مسألة لفظ كثير أو كبير ثم تجري التفاريع ا هـ‏.‏ وسائر المائعات كالماء في القلة والكثرة يعني كل مقدار لو كان ماء تنجس فإذا كان غيره ينجس‏.‏

وحيث انتهينا من التفاريع المذكورة في الكتب نرجع إلى بيان الدلائل للأئمة فنقول استدل الإمام مالك رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه واستدل الإمام الشافعي رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثا واستدل أبو حنيفة على ما ذكره الرازي في أحكام القرآن بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويحرم عليهم الخبائث‏}‏ والنجاسات لا محالة من الخبائث فحرمها الله تحريما مبهما ولم يفرق بين حال اختلاطها وانفرادها بالماء فوجب تحريم استعمال كل ما تيقنا به جزءا من النجاسة، وتكون جهة الحظر من طريق النجاسة أولى من جهة الإباحة؛ لأن الأصل أنه إذا اجتمع المحرم والمبيح قدم المحرم وأيضا لا نعلم بين الفقهاء في سائر المائعات إذا خالطه اليسير من النجاسة كاللبن والأدهان أن حكم اليسير في ذلك كحكم الكثير وأنه محظور عليه أكل ذلك وشربه فكذا الماء بجامع لزوم اجتناب النجاسات، ويدل عليه من السنة قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة» وفي لفظ آخر‏:‏ «ولا يغتسلن فيه من جنابة» ومعلوم أن البول القليل في الماء الكثير لا يغير لونه ولا طعمه ولا رائحته وقد منع منه النبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها الإناء، فإنه لا يدري أين باتت يده» فأمر بغسل اليد احتياطا من نجاسة أصابته من موضع الاستنجاء ومعلوم أنها لا تغير الماء ولولا أنها مفسدة عند التحقيق لما كان للأمر بالاحتياط معنى وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة ولوغ الكلب بقوله‏:‏ «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا»، وهو لا يغير ا هـ فالحاصل أنه حيث غلب على الظن وجود نجاسة في الماء لا يجوز استعماله أصلا بهذه الدلائل لا فرق بين أن يكون قلتين أو أكثر أو أقل تغير أو لا، وهذا مذهب أبي حنيفة والتقدير بشيء دون شيء لا بد فيه من نص ولم يوجد وفي بعض هذا الاستدلال كلام نذكره إن شاء الله تعالى، وأما ما استدل به مالك رضي الله عنه فهو مع الاستثناء ضعيف برشدين بن سعد صرح بضعفه جماعة منهم النووي في شرح المهذب، وأما بدون الاستثناء فقد ورد من رواية أبي داود والترمذي من حديث الخدري «قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء» وحسنه الترمذي وقال الإمام أحمد هو حديث صحيح ورواه البيهقي عن أبي يحيى قال دخلت على سهل بن سعد في نسوة فقال لو أني أسقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم ذلك وقد والله سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي منها قلنا هذا ورد في بئر بضاعة بكسر الباء وضمها كذا في الصحاح وفي المغرب بالكسر لا غير وماؤها كان جاريا في البساتين على ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار بسنده إلى الواقدي قال البيهقي الواقدي لا يحتج بما يسنده فضلا عما يرسله قلنا قد أثنى عليه الدراوردي وأبو بكر بن العربي وابن الجوزي وجماعة والدليل على أنه كان جاريا أن الماء الراكد إذا وقع فيه عذرة الناس والجيف والمحائض والنتن تغير طعمه وريحه ولونه ويتنجس بذلك إجماعا وليس في الحديث استثناء فدل ذلك على جريان مائها فإن قيل نقل النووي في شرح المهذب عن أبي داود أنه قال مددت ردائي على بئر بضاعة ثم ذرعتها فإذا عرضها ستة أذرع وسألت الذي فتح لي باب البستان هل غير بناؤها عما كان عليه فقال لا قال رأيت فيها ماء متغيرا قلنا ما ذكره الطحاوي إثبات وما نقل أبو داود عن البستاني نفي والإثبات مقدم على النفي والبستاني الذي فتح الباب مجهول الشخص والحال عنده فكيف يحتج بقوله؛ ولأن أبا داود توفي بالبصرة في النصف من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين فبينه وبين زمن النبي صلى الله عليه وسلم مدة كثيرة ودليل التغير غالب، وهو مضي السنين المتطاولة قال النووي‏:‏ في شرح المهذب وهذه صفتها في زمن أبي داود ولا يلزم أن تكون كانت هكذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال الخطابي‏:‏ قد توهم بعضهم أن إلقاء العذرة والجيف وخروق الحيض في بئر بضاعة كان عادة وتعمدا، وهذا لا يظن بذمي ولا وثني فضلا عن مسلم فلم يزل من عادة الناس قديما وحديثا مسلمهم وكافرهم تنزيه الماء وصونه عن النجاسات فكيف يظن بأهل ذلك الزمان وهم أعلى طبقات أهل الدين وأفضل جماعات المسلمين والماء ببلادهم أعز والحاجة إليه أمس من أن يكون هذا صنيعهم بالماء وامتهانهم له وقد «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تغوط في موارد الماء ومشارعه» فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه مطرح الأنجاس، وإنما كان ذلك من أجل أن هذه البئر موضعها في حدور من الأرض وكانت السيول تمسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها فتلقيها فيه، وكان الماء لكثرته وغزارته لا يؤثر فيه، وكان جوابه عليه السلام لهم إن الماء الكثير الذي صفته هذه في الكثرة والغزارة لا تؤثر فيه النجاسة؛ لأن السؤال إنما وقع عن ذلك، والجواب إنما يقع عنه ا هـ‏.‏ وقال الإمام أبو نصر البغدادي المعروف بالأقطع لا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ من بئر هذه صفتها مع نزاهته وإيثاره الرائحة الطيبة ونهيه عن الامتخاط في الماء، فدل أن ذلك كان يفعل في الجاهلية فشك المسلمون في أمرها فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا أثر لذلك مع كثرة النزح ا هـ‏.‏ وقال الطحاوي‏:‏ إن معنى قوله الماء لا ينجسه شيء والله أعلم‏.‏ أنه لا يبقى نجسا بعد إخراج النجاسة منه بالنزح، وليس هو على حال كون النجاسة فيها، وإنما سألوا عنه؛ لأنه موضع مشكل؛ لأن حيطان البئر لم تغسل وطينها لم يخرج فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك يعفى للضرورة مثل قوله‏:‏ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «المؤمن لا ينجس» ليس معناه أنه لا يتنجس، وإن أصابته النجاسة، فإن قيل العبرة لعموم اللفظ وهو لا ينجسه شيء لا لخصوص السبب، وهو بئر بضاعة فكيف خص هذا العموم بوروده في بئر بضاعة قلنا إنما لا يخص عموم اللفظ بسببه إذا لم يكن المخصص مثله في القوة، وهاهنا قد ورد ما يخصصه، وهو يساويه في القوة، وهو حديث المستيقظ، وحديث‏:‏ «لا يبولن أحدكم»، وإنما خصصناه بهذين الحديثين دفعا للتناقض فكان من باب الحمل لدفع التناقض لا من باب التخصيص بالسبب؛ ولأنا ما خصصناه ببئر بضاعة بل عدينا حكمه منها إلى ما هو في معناها من الماء الجاري، وترك عموم ظاهر الحديث لدفع التناقض واجب كذا ذكره السراج الهندي وصاحب المعراج وتعقبه في فتح القدير بأنه لا تعارض؛ لأن حاصل النهي عن البول في الماء الدائم تنجس الماء الدائم في الجملة لا كل ماء إذ ليست اللام فيه للاستغراق للإجماع على أن الكثير لا ينجس إلا بتغيره بالنجاسة، وحاصله أن الماء طهور لا ينجسه شيء و عدم تنجس الماء إلا بالتغير بحسب ما هو المراد المجمع عليه، وإلا تعارض بين مفهومي هاتين القضيتين، وأما حديث المستيقظ من منامه، فليس فيه تصريح بتنجس الماء بتقدير كون اليد نجسة بل ذلك تعليل منا للنهي المذكور، وهو غير لازم أعني تعليله بتنجس الماء عينا بتقدير نجاستهما لجواز كونه أعم من النجاسة والكراهة فنقول‏:‏ نهي لتنجيس الماء بتقدير كونها متنجسة بما يغير أو للكراهة بتقدير كونها بما لا يغير وأين هو من ذلك الصريح الصحيح لكن يمكن إثبات المعارض بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب» الحديث، فإنه يقتضي نجاسة الماء ولا يغير بالولوغ فتعين ذلك الحمل والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏ ا هـ‏.‏ وقد يقال‏:‏ إن اللام في حديث‏:‏ «لا يبولن أحدكم في الماء» للعموم حتى حرم البول في الماء القليل والكثير جميعا فاختصت القضية الثانية بالقليل بدليل يوجب تخصيصها حتى لم يحرم الاغتسال في الماء الدائم الكثير مثل الغدير العظيم هكذا ذكر في معراج الدراية معزيا إلى شيخه العلامة فعلى هذا حاصل النهي عن البول في الماء تنجس كل ماء راكد فعارض قوله لا ينجسه شيء وكون الإجماع أن الكثير لا يتنجس إلا بالتغير أمر آخر خارج عن مفهوم الحديث، وإثبات التعارض إنما هو باعتبار المفهومين وممن صرح بأن ماء بئر بضاعة كان كثيرا الشافعي رضي الله عنه، وأما ما استدل به الشافعي فرواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو «يسأل عن الماء يكون في الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب فقال‏:‏ إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث»‏.‏ وأخرجه ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما قلنا هذا الحديث ضعيف، وممن ضعفه الحافظ ابن عبد البر والقاضي إسماعيل بن إسحاق وأبو بكر بن العربي المالكيون، ونقل ضعفه في البدائع عن ابن المديني وقال أبو داود‏:‏ ولا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقدير الماء ويلزم منه تضعيف حديث القلتين‏.‏ وإن كان رواه في كتابه وسكت عنه وكذا ضعفه الغزالي في الإحياء والروياني في البحر والحلية قال في البحر هو اختياري واختيار جماعة رأيتهم بخراسان والعراق ذكره النووي كما نقله عنه السراج الهندي‏.‏ وقال الزيلعي‏:‏ المخرج، وقد جمع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في كتاب الإمام طرق هذا الحديث ورواياته واختلاف ألفاظه وأطال في ذلك إطالة لخص منها تضعيفه له فلذلك أضرب عن ذكره في كتاب الإلمام مع شدة الاحتياج إليه، ووجهه أن الاضطراب وقع في سنده ومتنه ومعناه أما الأول، فإنه اختلف على أبي أسامة فمرة يقول عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر ومرة عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير ومرة يروى عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ومرة يروى عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر‏.‏ وقد أجاب النووي عن هذا بأنه ليس اضطرابا؛ لأن الوليد رواه عن كل من المحمدين فحدث مرة عن أحدهما، ومرة عن الآخر، ورواه أيضا عبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر عن أبيهما وهما أيضا ثبتان وأما الاضطراب في متنه ففي رواية الوليد عن محمد بن جعفر بن الزبير «لم ينجسه شيء»‏.‏ ورواية محمد بن إسحاق بسنده‏:‏ «سئل عن الماء يكون في الفلاة فترده السباع والكلاب فقال‏:‏ إذا كان الماء قلتين لا يحمل الخبث» قال البيهقي‏:‏ وهو غريب‏.‏ وقال إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحاق الكلاب والدواب ورواه يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة فقال الحسن بن الصباح‏:‏ عنه عن حماد عن عاصم هو ابن المنذر قال دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستانا فيه مقر ماء فيه جلد بعير ميت، فتوضأ منه فقلت‏:‏ أتتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت فحدثني عن أبيه‏:‏ «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا لم ينجسه شيء»‏.‏ وروى الدارقطني وابن عدي والعقيلي في كتابه عن القاسم بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الماء أربعين قلة، فإنه لا يحمل الخبث وضعفه الدارقطني بالقاسم‏.‏ وروي بإسناد صحيح من جهة روح بن القاسم عن ابن المنكدر عن ابن عمر قال إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس وأخرج عن أبي هريرة من جهة بشر بن السري عن ابن لهيعة قال إذا كان الماء قدر أربعين قلة لم يحمل خبثا قال الدارقطني‏:‏ كذا قال وخالفه غير واحد رووه عن أبي هريرة فقالوا أربعين غربا ومنهم من قال أربعين دلوا وهذا الاضطراب يوجب الضعف، وإن وثقت الرجال‏.‏ وأجاب النووي عن هذا الاضطراب أما عن الشك في قوله قلتين أو ثلاثا، فهي رواية شاذة غير ثابتة، فهي متروكة، فوجودها كعدمها لكن الطحاوي أثبتها بإسناده في شرح معاني الآثار‏.‏ وأما ما روي من أربعين قلة أو أربعين غربا فغير صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما نقل أربعين قلة عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأربعين غربا أي دلوا عن أبي هريرة وحديث النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على غيره قال النووي‏:‏ وهذا ما نعتمده في الجواب‏.‏ وأما الاضطراب في معناه فذكر شمس السرخسي وتبعه في الهداية أن معنى قوله لم يحمل خبثا أنه يضعف عن النجاسة فيتنجس كما يقال هو لا يحمل الكل أي لا يطيقه، وهذا مردود من وجهين ذكرهما النووي في شرح المهذب الأول أنه ثبت في رواية صحيحة لأبي داود‏:‏ «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس» فتحمل الرواية الأخرى عليها فمعنى لم يحمل خبثا لم ينجس، وقد قال العلماء أحسن تفسير غريب الحديث أن يفسر بما جاء في رواية أخرى لذلك الحديث الثاني أنه صلى الله عليه وسلم جعل القلتين حدا فلو كان كما زعم هذا القائل لكان التقييد بذلك باطلا فإن ما دون القلتين يساوي القلتين في هذا زاد عليه في فتح القدير وقال هذا إن اعتبر مفهوم شرطه وأما إن لم يعتبر مفهوم شرطه فيلزم عدم إتمام الجواب، فإنه حينئذ لا يفيد حكمه إذا زاد على القلتين والسؤال عن ذلك الماء كيفما كان والنووي إنما اقتصر على ما ذكره؛ لأنه يقول بأن مفهوم الشرط حجة لكن قال الخبازي‏:‏ ومعنى قوله إذا بلغ الماء قلتين يعني انتقاصا لا ازديادا، فإن قيل فما فوق القلتين ما لم يبلغ عشرا في عشر، فهو أيضا يضعف عن احتمال النجاسة فما الفائدة في تخصيصه بالقلتين قيل له من الجائز أنه كان يوحي إليه بأن مجتهدا سيجيء ويقول بأن الماء إذا بلغ قلتين لا يحتمل النجاسة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ردا لذلك القول ا هـ‏.‏ وهو كما ترى في غاية البعد قال المحقق في فتح القدير‏:‏ فالمعول عليه الاضطراب في معنى القلة، فإنه مشترك يقال على الجرة والقربة ورأس الجبل وما فسر به الشافعي منقطع للجهالة، فإنه قال في مسنده‏:‏ أخبرني مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني «أنه صلى الله عليه وسلم قال إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا وقال في الحديث بقلال هجر» قال ابن جريج رأيت قلال هجر فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا قال الشافعي‏:‏ رحمه الله تعالى فالاحتياط أن تجعل قربتين ونصفا فإذا كان خمس قرب كبار كقرب الحجاز لم ينجس إلا أن يتغير وهجر بفتح الهاء والجيم قرية بقرب المدينة فثبت بهذا أن حديث القلتين ضعيف، فإن قلت‏:‏ قد صححه ابن ماجه وابن خزيمة والحاكم وجماعة من أهل الحديث قلت من صححه اعتمد بعض طرقه ولم ينظر إلى ألفاظه ومفهومها إذ ليس هذا وظيفة المحدث والنظر في ذلك من وظيفة الفقيه إذ غرضه بعد صحة الثبوت الفتوى والعمل بالمدلول، وقد بالغ الحافظ عالم العرب أبو العباس بن تيمية في تضعيفه وقال يشبه أن يكون الوليد بن كثير غلط في رفع الحديث وعزوه إلى ابن عمر، فإنه دائما يفتي الناس ويحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي رواه معروف عند أهل المدينة وغيرهم لا سيما عند سالم ابنه ونافع مولاه، وهذا لم يروه عنه لا سالم ولا نافع ولا عمل به أحد من علماء المدينة وذكر عن التابعين ما يخالف هذا الحديث ثم قال فكيف تكون هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عموم البلوى فيها، ولا ينقلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان إلا رواية مختلفة مضطربة عن ابن عمر لم يعمل بها أحد من أهل المدينة ولا أهل البصرة ولا أهل الشام ولا أهل الكوفة وأطال رحمه الله تعالى الكلام بما لا يحتمله هذا الموضع ولا يضر الحافظ ما أخرجه الدارقطني عن سالم عن أبيه لضعفه وقول النووي بأن حدها هو ما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوجب الله طاعته وحرم مخالفته وحدهم يعني الحنفية مخالف حده صلى الله عليه وسلم مع أنه حد بما لا أصل له ولا ضبط فيه مدفوع بأن ما استدللتم به ضعيف كما تقدم، وما صرنا إليه يشهد له الشرع والعقل أما الشرع فقد قدمنا الأحاديث الواردة في ذلك وأما العقل، فإنا نتيقن بعدم وصول النجاسة إلى الجانب الآخر أو يغلب على ظننا والظن كاليقين فقد استعملنا الماء الذي ليس فيه نجاسة يقينا وأبو حنيفة لم يقدر ذلك بشيء بل اعتبر غلبة ظن المكلف، فهذا دليل عقلي مؤيد بالأحاديث الصحيحة المتقدمة، فكان العمل به متعينا؛ ولأن دليلنا، وهو حديث النهي عن البول في الماء الراكد ثابت في الصحيحين من رواية أبي هريرة وإسلامه متأخر وحديث القلتين حديث ابن عمر وإسلامه متقدم والمتأخر ينسخ المتقدم لو ثبت‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ وأحمد لو زال تغير القلتين بنفسه طهر الماء مع بقاء البول والعذرة وغيرهما من النجاسات، فيكون حينئذ نجاسة البول والعذرة والخمر باعتبار الرائحة واللون والطعم لا لذاتها، وهذا لا يعقل ولا تشهد له أصول الشرع ولو أضيفت قلة نجسة إلى قلة نجسة عادتا طاهرتين عندهم وهذا يؤدي إلى تنجس الماء الطاهر بقليل النجاسة دون كثيرها؛ لأنهم نجسوا القلة الطاهرة برطل ماء نجس، ولم ينجسوها بقلة نجسة من الماء بل طهروها بها، ويؤدي أيضا إلى تولد طاهر باجتماع نجسين، وهذا مما تحيله العقول‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وإلا فهو كالجاري‏)‏ أي، وإن يكن عشرا في عشر فهو كالجاري فلا يتنجس إلا إذا تغير أحد أوصافه ثم في قوله كالجاري إشارة إلى أنه لا يتنجس موضع الوقوع، وهو مروي عن أبي يوسف وبه أخذ مشايخ بخارى، وهو المختار عندهم كذا في التبيين وقال في فتح القدير‏:‏ وهو الذي ينبغي تصحيحه فينبغي عدم الفرق بين المرئية وغيرها؛ لأن الدليل إنما يقتضي عند كثرة الماء عدم التنجس إلا بالتغير من غير فصل، وهو أيضا الحكم المجمع عليه، وفي النصاب وعليه الفتوى كذا في شرح منية المصلي وصحح في المبسوط والمفيد أنه يتنجس موضع الوقوع وإليه أشار في القدوري بقوله جاز الوضوء من الجانب الآخر وذكر أبو الحسن الكرخي أن كل ما خالطه النجس لا يجوز الوضوء به، ولو كان جاريا، وهو الصحيح قال الزيلعي‏:‏ فعلى هذا إن ما ذكره المصنف لا يدل على أن موضع الوقوع لا يتنجس؛ لأنه لم يجعله إلا كالجاري فإذا تنجس موضع الوقوع من الجاري فمنه أولى أن يتنجس وفي البدائع ظاهر الرواية أنه لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة، ولكن يتوضأ من الجانب الآخر ومعناه أنه يترك من موضع النجاسة قدر الحوض الصغير ثم يتوضأ كذا فسره في الإملاء عن أبي حنيفة؛ لأنا تيقنا بالنجاسة في ذلك الجانب، وشككنا فيما وراءه، وعلى هذا قالوا فيمن استنجى في موضع من حوض لا يجزيه أن يتوضأ من ذلك الموضع قبل تحريك الماء، ولو وقعت الجيفة في وسط الحوض على قياس ظاهر الرواية إن كان بين الجيفة وبين كل جانب من الحوض مقدار ما لا يخلص بعضه إلى بعض يجوز التوضؤ فيه وإلا فلا، وإن كانت غير مرئية بأن بال إنسان أو اغتسل جنب اختلف المشايخ فيه قال مشايخ‏:‏ العراق إن حكمه حكم المرئية حتى لا يتوضأ من ذلك الجانب بخلاف الجاري ومشايخنا مما وراء النهر فصلوا بينهما في غير المرئية أنه يتوضأ من أي جانب كان كما قالوا جميعا في الماء الجاري، وهو الأصح؛ لأن غير المرئية لا تستقر في مكان واحد بل ينتقل لكونه مائعا سيالا بطبعه فلم يستيقن بالنجاسة في الجانب الذي يتوضأ منه بخلاف المرئية ا هـ‏.‏ وهكذا مشى قاضي خان أنه يترك من موضع النجاسة قدر الحوض الصغير وقدر الحوض الصغير في الكفاية وشرح الهداية بأربع أذرع في أربع وفي الذخيرة عن بعضهم يحرك الماء بيده مقدار ما يحتاج إليه عند الوضوء، فإن تحركت النجاسة لم يستعمل من ذلك الموضع وقال بعضهم‏:‏ يتحرى في ذلك إن وقع تحريه أن النجاسة لم تخلص إلى هذا الموضع توضأ وشرب منه قال في شرح منية المصلي، وهو الأصح وفي معراج الدراية معزيا إلى المجتبى أن الفتوى على جواز الوضوء من موضع الوقوع واختاره مشايخ بخارى لعموم البلوى حتى قالوا يجوز الوضوء من موضع الاستنجاء قبل التحريك‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وهو ما يذهب بتبنة‏)‏ أي الماء الجاري ما يذهب بتبنة وقد توهم بعض المشتغلين أن هذا الحد فاسد؛ لأنه يرد عليه الجمل والسفينة، فإنهما يذهبان بتبن كثير ومنشأ التوهم أن ما موصولة في كلامه وقد وقع مثلها في عبارة ابن الحاجب، فإنه قال الكلام ما يتضمن كلمتين بالإسناد فقيل يرد عليه الورقة والحجر المكتوب عليه كلمتان فأكثر؛ لأن ما موصولة بمعنى الذي لكن الجواب عنهما أن ما ليست موصولة، وإنما هي نكرة موصوفة فالمعنى الجاري ماء بالمد يذهب بتبنة والكلام لفظ يتضمن كلمتين وقد اختلف في حد الجاري على أقوال منها ما ذكره المصنف وأصحها أنه ما يعده الناس جاريا كما ذكره في البدائع والتبيين وكثير من الكتب‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ فيتوضأ منه‏)‏ أي من الماء الجاري قال الزيلعي ويجوز أن يعود إلى الماء الراكد الذي بلغ عشرا في عشر؛ لأنه يجوز الوضوء به في موضع الوقوع ما لم يتغير في رواية، وهو المختار عندهم‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ إن لم ير أثره‏)‏ أي إن لم يعلم أثر النجس فيه ورأى تستعمل بمعنى علم قال الشاعر‏:‏

رأيت الله أكبر كل شيء***

وإنما قلنا هذا؛ لأن الطعم والرائحة لا تعلق للبصر بهما، وإنما الطعم للذوق والرائحة للشم‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وهو طعم أو لون أو ريح‏)‏ أي الأثر ما ذكر وحاصله أن الماء الجاري وما هو في حكمه إذا وقعت فيه نجاسة إن ظهر أثرها لا يجوز الوضوء به، وإلا جاز؛ لأن وجود الأثر دليل وجود النجاسة، فكل ما تيقنا فيه نجاسة أو غلب على ظننا ذلك لا يجوز الوضوء به جاريا كان أو غيره؛ لأن الماء الجاري لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه كما قد يتوهم، وظاهر ما في المتون أن الجاري إذا وقعت فيه نجاسة يجوز الوضوء به إن لم ير أثرها سواء كان النجس جيفة مرئية أو غيرها، فإذا بال إنسان فيه فتوضأ آخر من أسفله جاز ما لم يظهر في الجرية أثره قال محمد في كتاب الأشربة‏:‏ ولو كسرت خابية خمر في الفرات ورجل يتوضأ أسفل منه فما لم يجد في الماء طعم الخمر أو ريحه أو لونه يجوز الوضوء به وكذا لو استقرت المرئية فيه بأن كانت جيفة إن ظهر أثر النجاسة لا يجوز، وإلا جاز سواء أخذت الجيفة الجرية أو نصفها إنما العبرة لظهور الأثر ويوافقه ما في الينابيع قال أبو يوسف في ساقية صغيرة فيها كلب ميت سد عرضها فيجري الماء فوقه وتحته أنه لا بأس بالوضوء أسفل منه إذا لم يتغير طعمه فيها أو لونه أو ريحه وقيل ينبغي أن يكون هذا قول أبي يوسف خاصة أما عند أبي حنيفة ومحمد لا يجوز الوضوء أسفل من الكلب ا هـ‏.‏ ما في الينابيع لكن المذكور في الفتاوى كفتاوى قاضي خان والتجنيس والولوالجي والخلاصة وفي البدائع وكثير من كتب أئمتنا أن الأثر إنما يعتبر في غير الجيفة أما في الجيفة، فإنه ينظر إن كان كله أو أكثره يجري عليها لا يجوز الوضوء به، وإن كان الأقل يجوز الوضوء، وإن كان النصف فالقياس الجواز والاستحسان أنه لا يجوز، وهو الأحوط ونظير هذا ماء المطر إذا جرى في ميزاب من السطح، وكان على السطح عذرة فالماء طاهر؛ لأن الذي يجري على غير العذرة أكثر، وإن كانت العذرة عند الميزاب، فإن كان الماء كله أو أكثره أو نصفه يلاقي العذرة فهو نجس، وإن كان أكثره لا يلاقي العذرة فهو طاهر وكذا أيضا ماء المطر إذا جرى على عذرات واستنقع في موضع كان الجواب كذلك ورجح في فتح القدير أن العبرة لظهور الأثر مطلقا؛ لأن الحديث، وهو قوله‏:‏ «الماء طهور لا ينجسه شيء» لما حمل على الجاري كان مقتضاه جواز التوضؤ من أسفله، وإن أخذت الجيفة أكثر الماء ولم يتغير فقولهم إذا أخذت الجيفة أكثر الماء أو نصفه لا يجوز يحتاج إلى مخصص قال ويوافقه ما عن أبي يوسف وقد نقلناه عن الينابيع وقال تلميذه العلامة قاسم في رسالته المختار اعتبار ما عن أبي يوسف ا هـ‏.‏ لكن لقائل أن يقول الأوجه ما في أكثر الكتب وقد صححه في التجنيس لصاحب الهداية؛ لأن العلماء رضي الله عنهم إنما قالوا بأن الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة يجوز الوضوء به إذا لم ير أثرها؛ لأن النجاسة لا تستقر مع جريان الماء فلما لم يظهر أثرها علم أن الماء ذهب بعينها ولم تبق عينها موجودة فجاز استعمال الماء أما إذا كانت النجاسة جيفة، وكان الماء يجري على أكثرها أو نصفها تيقنا بوجود النجاسة فيه، وقد تقدم أن كل ما تيقنا وجود النجاسة فيه أو غلب على ظننا وجودها فيه لا يجوز استعماله فكان هذا مأخوذا من دلالة الإجماع؛ لأن الحديث لما حمل بالإجماع على الماء الذي لم يتغير لأجل أنه عند التغير تيقن بوجود النجاسة كان التغير دليل وجود النجاسة فيما يمكن فيه ذلك أما في الجيفة فقد تيقنا بوجودها فلا يجوز استعمال الماء التي هي فيه أو أكثرها أو نصفها من غير اعتبار التغير؛ لأن التغير لما كان علامة على وجود النجاسة لا يلزم من انتفائه انتفاؤه فكان الإجماع مخصصا للحديث وما قلناه مأخوذ من دلالة الإجماع هذا ما ظهر للعبد الضعيف لكن ينبغي أن تعلم أن هذا أعني قولهم إذا أخذت الجيفة أقله يجوز الوضوء إذا لم يظهر أثر النجاسة، وأن قولهم إذا أخذت الجيفة الأكثر أو النصف لا يجوز يعنون، وإن لم يظهر أثر النجاسة وأما التوضؤ في عين والماء يخرج منها، فإن كان في موضع خروجه جاز وإن كان في غيره فكذلك إن كان قدره أربعا في أربع فأقل وإن كان خمسا في خمس اختلف فيه واختار السعدي جوازه والخلاف مبني على أنه هل يخرج الماء المستعمل قبل تكرر الاستعمال إذا كان بهذه المساحة أو لا وهذه مبنية على نجاسة الماء المستعمل كذا في فتح القدير وقد قدمنا أن الفتوى على الجواز مطلقا، وكذا صرح في الفتاوى الصغرى وألحقوا بها بالجاري حوض الحمام إذا كان الماء ينزل من أعلاه حتى لو أدخلت القصعة النجسة واليد النجسة فيه لا تتنجس وهل يشترط ومع ذلك تدارك اغتراف الناس منه فيه خلاف ذكره في المنية، وفي المجتبى الأصح أنه إن كان يدخل الماء من الأنبوب والغرف متدارك فهو من كالجاري وتفسير الغرف أن لا يسكن وجه الماء فيما بين الغرفتين قال في فتح القدير‏:‏ ثم لا بد من كون جريانه لمدد له كما في العين والنهر، وهو المختار ا هـ‏.‏

وفي السراج الوهاج ولا يشترط في الماء الجاري المدد وهو الصحيح ا هـ وفي التجنيس والمعراج وغيرهما الماء الجاري إذا سد من فوق فتوضأ إنسان بما يجري في النهر وقد بقي جري الماء كان جائزا؛ لأن هذا ماء جار ا هـ فهذا يشهد لما في السراج وذكر السراج الهندي عن الإمام الزاهد أن من حفر نهرا من حوض صغير وأجرى الماء في النهر وتوضأ بذلك الماء في حال جريانه فاجتمع ذلك الماء في مكان واستقر فيه فحفر رجل آخر نهرا من ذلك المكان وأجرى الماء فيه وتوضأ به في حال جريانه فاجتمع ذلك الماء في مكان آخر أيضا ففعل رجل ثالث كذلك جاز وضوء الكل؛ لأن كل واحد منهم إنما توضأ بالماء حال جريانه والماء الجاري لا يحتمل النجاسة ما لم يتغير‏.‏ وعن الحسن بن زياد ما يدل على جواز وضوء الثاني والثالث، فإنه قال في حفرتين يخرج الماء من أحدهما ويدخل في الأخرى فتوضأ فيما بينهما جاز والحفيرة التي يدخل فيها الماء تفسد وإذا كان معه كميزاب واسع ومعه إداوة من ماء يحتاج إليه، وهو على طمع من وجود الماء ولكن لا يتيقن ذلك ماذا يصنع حكى عن الشيخ الزاهد أبي الحسن الرستغفني أنه كان يقول يأمر أحد رفقائه أن يصب الماء في طرف من الميزاب، وهو يتوضأ فيه وعند الطرف الآخر من الميزاب إناء يجتمع فيه الماء فالمجتمع طاهر وطهور لأن استعماله حصل في حال جريانه والماء الجاري لا يصير مستعملا باستعماله ومن المشايخ من أنكر هذا القول وقال في الماء الجاري إنما يصير مستعملا إذا كان له مدد كالعين والنهر أما إذا لم يكن له مدد يصير مستعملا والصحيح القول بدليل مسألة واقعات الناطفي أن النهر إذا سد من فوق فتوضأ إنسان بما جرى، فإنه يجوز، فإن هناك لم يبق للماء مدد ومع هذا يجوز التوضؤ به ا هـ‏.‏ ما ذكره السراج الهندي‏.‏ واعلم أنه قد تقدم عن فتح القدير أن قولهم ما اجتمع في الحفيرة الثانية فاسد، وكذا كثير من أشباه ذلك إنما هو بناء على نجاسة الماء المستعمل فأما على المختار من طهارته فلا فلتحفظ ليفرع عليها ولا يفتى بمثل هذه الفروع‏.‏

‏(‏فروع‏)‏

في الخلاصة معزيا إلى الأصل يتوضأ من الحوض الذي يخاف فيه قذرا ولا يتيقنه ولا يجب أن يسأل إلى للحاجة إليه عند عدم الدليل والأصل دليل يطلق الاستعمال وقال عمر رضي الله عنه حين سأل عمرو بن العاص صاحب الحوض أترده السباع يا صاحب الحوض لا تخبرنا ذكره في الموطإ وكذا إذا وجده متغير اللون والريح ما لم يعلم أنه من نجاسة؛ لأن التغير قد يكون بظاهر وقد ينتن الماء للمكث وكذا البئر الذي يدلي فيها الدلاء والجرار الدنسة يحملها الصغار والعبيد ولا يعلمون الأحكام ويمسها الرستاقيون بالأيدي الدنسة ما لم تعلم يقينا النجاسة، ولو ظن الماء نجسا فتوضأ ثم ظهر أنه طاهر جاز وذكر السراج الهندي عن الفقيه أبي الليث أن عدم وجوب السؤال من طريق الحكم، وإن سأل كان أحوط لدينه وعلى هذا الضيف إذا قدم إليه طعام ليس له أن يسأل عنه وفي فوائد الرستغفني التوضؤ بماء الحوض أفضل من النهر؛ لأن المعتزلة لا يجيزونه، من الحياض فنرغمهم بالوضوء منها ا هـ‏.‏ وهذا إنما يفيد الأفضلية لهذا العارض ففي مكان لا يتحقق النهر أفضل كذا في فتح القدير وفي معراج الدراية قيل مسألة الحوض بناء على الجزء الذي لا يتجزأ فإنه عند أهل السنة موجود في الخارج فتتصل أجزاء النجاسة إلى جزء لا يمكن تجزئته فيكون باقي الحوض طاهرا أو عند المعتزلة والفلاسفة هو معدوم، فيكون كل الماء مجاورا للنجاسة، فيكون الحوض نجسا عندهم وقيل في هذا التقرير نظر ا هـ‏.‏ قالوا ولا بأس بالتوضؤ من حب يوضع كوزه في نواحي الدار ويشرب منه ما لم يعلم به قذر ويكره للرجل أن يستخلص لنفسه إناء يتوضأ منه ولا يتوضأ منه غيره وفي فتاوى قاضي خان واختلفوا في كراهية البول في الماء الجاري والأصح هو الكراهة‏.‏ وأما البول في الماء الراكد فقد نقل الشيخ جلال الدين الخبازي في حاشية الهداية عن أبي الليث أنه ليس بحرام إجماعا بل مكروه ونقل غيره أنه حرام ويحمل على كراهة التحريم؛ لأنه غاية ما يفيده الحديث كراهة التحريم فينبغي هذا أن يكون البول في الماء الجاري مكروها كراهة تنزيه فرقا بينه وبين البول في الماء الراكد، وفي فتاوى قاضي خان إذا ورد الرجل ماء فأخبره مسلم أنه نجس لا يجوز له أن يتوضأ بذلك الماء قالوا هذا إذا كان عدلا، فإن كان فاسقا لا يصدق وفي المستور روايتان ا هـ‏.‏ وفي المبتغى بالغين المعجمة وبرؤية أثر أقدام الوحوش عند الماء القليل لا يتوضأ به سبع مر بالركية وغلب على ظنه شربه منها تنجس وإلا فلا ا هـ‏.‏ وينبغي أن يحمل الأول على ما إذا غلب على ظنه أن الوحوش شربت منه بدليل الفرع الثاني، وإلا فمجرد الشك لا يمنع الوضوء به بدليل ما قدمنا نقله عن الأصل أنه يتوضأ من الحوض الذي يخاف فيه قذرا ولا يتيقنه وينبغي أن يحمل التيقن المذكور في الأصل من قوله ولا يتيقنه على غلبة الظن والخوف على الشك أو الوهم كما لا يخفى‏.‏ وفي التجنيس من دخل الحمام واغتسل وخرج من غير نعل لم يكن به بأس لما فيه من الضرورة والبلوى ا هـ‏.‏ وسيأتي بقية هذا إن شاء الله تعالى في بحث المستعمل‏.‏