فصل: سنة أربع وخمسين ومائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ما ورد في مدينة بغداد من الآثار وما فيها من الأخبار

فيها‏:‏ أربع لغات‏:‏ بغداد، وبغداذ بإهمال الدال الثانية وإعجامها، وبغدان بالنون آخره وبالميم مع ذلك أولاً مغدان، وهي كلمة أعجمية‏.‏

قيل‏:‏ إنها مركبة من بغ وداد فقيل‏:‏ بغ‏:‏ بستان، وداد‏:‏ اسم رجل‏.‏

وقيل‏:‏ بغ‏:‏ اسم صنم، وقيل‏:‏ شيطان، وداد‏:‏ عطية، أي‏:‏ عطية الصنم‏.‏

ولهذا كره عبد الله بن المبارك والأصمعي وغيرهما تسميتها بغداد وإنما يقال لها‏:‏ مدينة السلام، وكذا أسماها بانيها أبو جعفر المنصور، لأن دجلة كان يقال لها‏:‏ وادي السلام، ومنهم من يسميها الزوراء‏.‏

فروى الخطيب البغدادي، من طريق عمار بن سيف، - وهو متهم - قال‏:‏ سمعت عاصم الأحول، يحدث عن سفيان الثوري، عن أبي عثمان، عن جرير بن عبد الله، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة، تجبى إليها خزائن الأرض، وملوكها جبابرة، فلهي أسرع ذهاباً في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة‏)‏‏)‏‏.‏

قال الخطيب‏:‏ وقد رواه عن عاصم الأحول سيف ابن أخت سفيان الثوري، وهو أخو عمار بن سيف‏.‏

قلت‏:‏ وكلاهما ضعيف متهم يرمى بالكذب، ومحمد بن جابر اليماني ضعيف، وأبو شهاب الحناطي ضعيف‏.‏

وروى عن سفيان الثوري، عن عاصم، من طرق ثم أسند ذلك كله‏.‏

وأورد من طريق يحيى بن معين، عن يحيى بن أبي كثير، عن عمار بن سيف، عن الثوري، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن جرير، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال أحمد و يحيى‏:‏ ليس لهذا الحديث أصل‏.‏

وقال أحمد‏:‏ ما حدث به إنسان ثقة‏.‏

وقد علله الخطيب من جميع طرقه، وساقه أيضاً من طريق عمار بن سيف، عن الثوري، عن أبي عبيدة حميد الطويل، عن أنس بن مالك، ولا يصح أيضاً‏.‏

ومن طريق عمر بن يحيى، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن ربعي، عن حذيفة، مرفوعاً بنحوه، ولا يصح‏.‏

ومن غير وجه عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وثوبان وابن عباس، وفي بعضها‏:‏ ذكر السفياني وأنه يخربها، ولا يصح إسناد شيء من هذه الأحاديث‏.‏

وقد أوردها الخطيب بأسانيدها وألفاظها، وفي كل منها نكارة، وأقرب ما فيها عن كعب الأحبار‏.‏

وقد جاء في آثار عن كتب متقدمة أن بانيها يقال له‏:‏ مقلاص، وذو الدوانيق لبخله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/109‏)‏

 فصل محاسن بغداد ومساويها وما روي في ذلك عن الأئمة

قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي‏:‏ قال لي الشافعي‏:‏ هل رأيت بغداد ‏؟‏

قلت‏:‏ لا ‏!‏

فقال‏:‏ ما رأيت الدنيا‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ ما دخلت بلداً قط إلا عددته سفراً إلا بغداد فإني حين دخلتها عددتها وطناً‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ الدنيا بادية وبغداد حاضرتها‏.‏

وقال ابن علية‏:‏ ما رأيت أعقل في طلب الحديث من أهل بغداد، ولا أحسن دعة منهم‏.‏

وقال ابن مجاهد‏:‏ رأيت أبا عمرو بن العلاء في النوم فقلت‏:‏ ما فعل الله بك ‏؟‏

فقال لي‏:‏ دعني من هذا، من أقام ببغداد على السنة والجماعة ومات نقل من جنة إلى جنة‏.‏

وقال أبو بكر بن عياش‏:‏ الإسلام ببغداد، وإنها لصيادة تصيد الرجال، ومن لم يرها لم ير الدنيا‏.‏

وقال أبو معاوية‏:‏ بغداد دار دنيا وآخرة‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ من محاسن الإسلام يوم الجمعة ببغداد، وصلاة التراويح بمكة، ويوم العيد بطرسوس‏.‏

قال الخطيب‏:‏ من شهد يوم الجمعة بمدينة السلام عظم الله في قلبه محل الإسلام، لأن مشايخنا كانوا يقولون‏:‏ يوم الجمعة ببغداد كيوم العيد في غيرها من البلاد‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ كنت أواظب على الجمعة بجامع المنصور فعرض لي شغل فصليت في غيره، فرأيت في المنام كأن قائلاً يقول‏:‏ تركت الصلاة في جامع المدينة وإنه ليصلي فيه كل جمعة سبعون ولياً‏.‏

وقال آخر‏:‏ أردت الانتقال من بغداد فرأيت كأن قائلاً يقول في المنام‏:‏ أتنتقل من بلد فيه عشرة آلاف ولي لله عز وجل ‏؟‏

وقال بعضهم‏:‏ رأيت كأن ملكين أتيا بغداد فقال أحدهما لصاحبه‏:‏ اقلبها، فقد حق القول عليها‏.‏

فقال الآخر‏:‏ كيف أقلب ببلد يختم فيها القرآن كل ليلة خمسة آلاف ختمة ‏؟‏

وقال أبو مسهر‏:‏ عن سعيد بن عبد العزيز بن سليمان بن موسى، قال‏:‏ إذا كان علم الرجل حجازياً وخلقه عراقياً وصلاته شامية فقد كمل‏.‏

وقالت زبيدة لمنصور النمري‏:‏ قل شعراً تحبب فيه بغداد إلي‏.‏

فقد اختار عليها الرافقة فقال‏:‏

ماذا ببغداد من طيب الأفانين * ومن منازه للدنيا وللدين

تحيي الرياح بها المرضى إذا نسمت * وجوشت بين أغصان الرياحين

قال‏:‏ فأعطته ألفي دينار‏.‏

وقال الخطيب‏:‏ وقرأت في كتاب طاهر بن مظفر بن طاهر الخازن بخطه من شعره‏:‏

سقى الله صوب الغاديات محلة * ببغداد بين الكرخ فالخلد فالجسر

هي البلدة الحسناء خصت لأهلها * بأشياء لم يجمعن مذ كنَّ في مصر

هواء رقيق في اعتدال وصحة * وماء له طعم ألذ من الخمر

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/110‏)‏

ودجلتها شطان قد نظما لنا * بتاج إلى تاج وقصر إلى قصر

تراها كمسك والمياه كفضة * وحصباؤها مثل اليواقيت والدر

وقد أورد الخطيب في هذا أشعاراً كثيرة وفيما ذكرنا كفاية‏.‏

وقد كان الفراغ من بناء بغداد في هذه السنة - أعني‏:‏ سنة ست وأربعين ومائة -‏.‏

وقيل‏:‏ في سنة ثمان وأربعين‏.‏

وقيل‏:‏ إن خندقها وسورها كملا في سنة سبع وأربعين‏.‏

ولم يزل المنصور يزيد فيها ويتأنق في بنائها حتى كان آخر ما بنى فيها قصر الخلد، فظن أنه يخلد فيها، أو أنها تخلد فلا تخرب، فعند كماله مات‏.‏

وقد خربت بغداد مرات كما سيأتي بيانه‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة‏:‏ عزل المنصور سلم بن قتيبة عن البصرة وولى عليها محمد بن سليمان بن علي، وذلك لأنه كتب إلى سلم يأمره بهدم بيوت الذين بايعوا إبراهيم بن عبد الله بن حسن فتوانى في ذلك فعزله، وبعث ابن عمه محمد بن سليمان فعاث بها فساداً، وهدم دوراً كثيرةً‏.‏

وعزل عبد الله بن الربيع عن إمرة المدينة وولى عليها جعفر بن سليمان، وعزل عن مكة السري بن عبد الله، وولى عليها عبد الصمد بن علي‏.‏

قال‏:‏ وحج بالناس في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي‏.‏ قاله الواقدي وغيره‏.‏

قال‏:‏ وفيها‏:‏ غزا الصائفة من بلاد الروم جعفر بن حنظلة البهراني‏.‏

وفيها توفي من الأعيان‏:‏ أشعث بن عبد الملك، وهشام بن السائب الكلبي، وهشام بن عروة، ويزيد بن أبي عبيد في قول‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة

فيها‏:‏ أغار اشترخان الخوارزمي في جيش من الأتراك على ناحية أرمينية فدخلوا تفليس وقتلوا خلقاً كثيراً وأسروا كثيراً من المسلمين وأهل الذمة، وممن قتل يومئذ حرب بن عبد الله الراوندي الذي تنسب إليه الحربية ببغداد، وكان مقيماً بالموصل في ألفين لمقابلة الخوارج، فأرسله المنصور لمساعدة المسلمين ببلاد أرمينية، وكان في جيش جبريل بن يحيى، فهزم جبريل وقتل حرب رحمه الله‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ كان مهلك عبد الله بن علي عم المنصور‏.‏

وهو الذي أخذ الشام من أيدي بني أمية، وكان عليها والياً حتى مات السفاح، فلما مات دعا إلى نفسه فبعث إليه المنصور أبا مسلم الخراساني فهزمه أبو مسلم وهرب عبد الله إلى عند أخيه سليمان بن علي والي البصرة فاختفى عنده مدة ثم ظهر المنصور على أمره فاستدعى به وسجنه، فلما كان في هذه السنة عزم المنصور على الحج، فطلب عمه عيسى بن موسى - وكان ولي العهد من بعد المنصور عن وصية السفاح - وسلم إليه عمه عبد الله بن علي، وقال له‏:‏ إن هذا عدوي وعدوك، فاقتله في غيبتي عنك ولا تتوانى‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10 /111‏)‏

وسار المنصور إلى الحج وجعل يكتب إليه من الطريق يستحثه في ذلك، ويقول له‏:‏ ماذا صنعت فيما أودعت إليك فيه‏؟‏ مرة بعد مرة‏.‏

وأما عيسى بن موسى فإنه لما تسلم عمه حار في أمره وشاور بعض أهله فأشار بعضهم ممن له رأي أن المصلحة تقتضي أن لا تقتله وأبقه عندك وأظهر قتله فإنا نخشى أن يطالبك به جهرة فتقول‏:‏ قتله، فيأمر بالقود فتدعي أنه أمرك بقتله بالسر بينك وبينه فتعجز عن إثبات ذلك فيقتلك به، وإنما يريد المنصور قتله وقتلك ليستريح منكما معاً‏.‏

فتغير عيسى بن موسى عند ذلك وأخفى عمه وأظهر أنه قتله‏.‏

فلما رجع المنصور من الحج أمر أهله أن يدخلوا عليه ويشفعوا في عمه عبد الله بن علي، وألحوا في ذلك فأجابهم إلى ذلك، واستدعى عيسى بن موسى وقال له‏:‏ إن هؤلاء شفعوا في عبد الله بن علي وقد أجبتهم إلى ذلك فسلمه إليهم‏.‏

فقال عيسى‏:‏ وأين عبد الله‏؟‏ ذاك قتلته منذ أمرتني‏.‏

فقال المنصور‏:‏ لم آمرك بذلك‏.‏

وجحد ذلك وأن يكون تقدم إليه منه أمره في ذلك، فأحضر عيسى الكتب التي كتبها إليه المنصور مرة بعد مرة في ذلك، فأنكر أن يكون أراد ذلك، وصمم على الإنكار، وصمم عيسى بن موسى أنه قد قتله، فأمر المنصور عند ذلك بقتل عيسى بن موسى قصاصاً بعبد الله، فخرج به بنو هاشم ليقتلوه، فلما جاؤوا بالسيف قال‏:‏ ردوني إلى الخليفة‏.‏

فردوه إليه فقال له‏:‏ إن عمك حاضر ولم أقتله‏.‏

فقال‏:‏ هلم به‏.‏

فأحضره فسقط في يد الخليفة وأمر بسجنه بدار جدرانها مبنية على ملح، فلما كان من الليل أرسل على جدرانها الماء فسقط عليه البناء فهلك‏.‏

ثم إن المنصور خلع عيسى بن موسى عن ولاية العهد وقدم عليه ابنه المهدي، وكان يجلسه فوق عيسى بن موسى عن يمينه، ثم كان لا يلتفت إلى عيسى بن موسى ويهينه في الأذن والمشورة والدخول عليه والخروج من عنده، ثم مازال يقصيه ويبعده ويتهدده ويتوعده حتى خلع نفسه بنفسه، وبايع لمحمد بن منصور، وأعطاه المنصور على ذلك نحواً من اثني عشر ألف ألف درهم، وانصلح أمر عيسى بن موسى وبنيه عند المنصور، وأقبل عليه بعد ما كان قد أعرض عنه‏.‏

وكان قد جرت بينهما قبل ذلك مكاتبات في ذلك كثيرة جداً، ومراودات في تمهيد البيعة لابنه المهدي وخلع عيسى نفسه، وأن العامة لا يعدلون بالمهدي أحداً، وكذلك الأمراء والخواص‏.‏

ولم يزل به حتى أجاب إلى ذلك مكرهاً، فعوضه عن ذلك ما ذكرنا، وسارت بيعة المهدي في الآفاق شرقاً وغرباً، وبعداً وقرباً، وفرح المنصور بذلك فرحاً شديداً، واستقرت الخلافة في ذريته إلى زماننا هذا، فلم يكن الخليفة من بني العباس إلا من سلالته‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 96‏]‏‏.‏

وفيها توفي‏:‏ عبيد الله بن عمر العمري، وهاشم بن هاشم، وهشام بن حسان صاحب الحسن البصري‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/112‏)‏

 ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة

فيها‏:‏ بعث المنصور حميد بن قحطبة لغزو الترك الذين عاثوا في السنة الماضية ببلاد تفليس، فلم يجد منهم أحداً فإنهم انشمروا إلى بلادهم‏.‏

وحج بالناس فيها‏:‏ جعفر بن أبي جعفر، ونواب البلاد فيها هم المذكرون في التي قبلها‏.‏

وفيها توفي‏:‏ جعفر بن محمد الصادق المنسوب إليه كتاب اختلاج الأعضاء وهو مكذوب عليه‏.‏

وفيها توفي‏:‏ سليمان بن مهران الأعمش أحد مشايخ الحديث في ربيع الأول منها، وعمرو بن الحارث، والعوام بن حوشب، والزبيدي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومحمد بن عجلان‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة

فيها‏:‏ فرغ من بناء سور بغداد وخندقها‏.‏

وفيها‏:‏ غزا الصائفة العباس بن محمد فدخل بلاد الروم ومعه الحسين بن قحطبة ومحمد بن الأشعث، ومات محمد بن الأشعث في الطريق‏.‏

وفيها حج بالناس‏:‏ محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي وولاه المنصور على مكة والحجاز عوضاً عن عمه عبد الصمد بن علي‏.‏

وعمال الأمصار فيها‏:‏ هم الذين كانوا في السنة قبلها‏.‏

وفيها توفي‏:‏ زكريا بن أبي زائدة، وكهمس بن الحسن، والمثنى بن الصباح‏.‏

وعيسى بن عمر

أبو عمرو، الثقفي البصري، النحوي شيخ سيبويه‏.‏

يقال‏:‏ إنه من موالي خالد بن الوليد، وإنما نزل في ثقيف فنسب إليهم‏.‏

كان إماماً كبيراً جليلاً في اللغة والنحو والقراءات، أخذ ذلك عن‏:‏ عبيد الله بن كثير، وابن المحيص، وعبد الله بن أبي إسحاق، وسمع الحسن البصري وغيرهم‏.‏

وعنه‏:‏ الخليل بن أحمد، والأصمعي، وسيبويه‏.‏

ولزمه وعرف به وانتفع به، وأخذ كتابه الذي سماه‏:‏ بالجامع فزاد عليه وبسطه، فهو كتاب سيبويه اليوم، وإنما هو كتاب شيخه، وكان سيبويه يسأل شيخه الخليل بن أحمد عما أشكل عليه فيه، فسأله الخليل أيضاً عما صنف عيسى بن عمر فقال‏:‏ جمع بضعاً وسبعين كتاباً ذهبت كلها إلا كتاب الإكمال، وهو بأرض فارس، وهو الذي اشتغل فيه وأسألك عن غوامضه‏.‏

فأطرق الخليل ساعة ثم أنشد‏:‏

ذهب النحو جميعاً كله * غير ما أحدث عيسى بن عمر

ذاك إكمال وهذا جامع * وهما للناس شمس وقمر

وقد كان عيسى يغرب ويتقعر في عبارته جداً‏.‏

وقد حكى الجوهري عنه في الصحاح‏:‏ أنه سقط يوماً عن حماره فاجتمع عليه الناس فقال‏:‏ مالكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي مرة‏؟‏ افرنقعوا عني‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/113‏)‏

معناه‏:‏ مالكم تجمعتم علي تجمعكم على مجنون‏؟‏ انكشفوا عني‏.‏

وقال غيره‏:‏ كان به ضيق النفس فسقط بسببه فاعتقد الناس أنه مصروع فجعلوا يعودونه ويقرأون عليه، فلما أفاق من غشيته قال ما قال‏.‏

فقال بعضهم‏:‏ إني حسبته - يتكلم بالفارسية -‏.‏

وذكر ابن خلكان أنه كان صاحباً لأبي عمرو بن العلاء، وأن عيسى بن عمر قال يوماً لأبي عمرو بن العلاء‏:‏ أنا أفصح من معدّ بن عدنان‏.‏

فقال له أبو عمرو كيف تقرأ هذا البيت‏:‏

قد كنَّ يخبأن الوجوه تستراً * فاليوم حين بدأن للنظار

أو بدين‏؟‏ فقال‏:‏ بدين‏.‏

فقال أبو عمرو‏:‏ أخطأت‏.‏

ولو قال‏:‏ بدأن لأخطأ أيضاً‏.‏

وإنما أراد أبو عمرو تغليطه، وإنما الصواب بَدونَ، من‏:‏ بدا يبدو إذا ظهر، وبدأ يبدأ إذا شرع في الشيء‏.‏

 ثم دخلت سنة خمسين ومائة من الهجرة

فيها‏:‏ خرج رجل من الكفرة يقال له‏:‏ أستاذسيس، في بلاد خراسان فاستحوذ على أكثرها، والتف معه نحو ثلاثمائة ألف، وقتلوا من المسلمين هنالك خلقاً كثير، وهزموا الجيوش في تلك البلاد، وسبوا خلقاً كثيراً، وتحكم الفساد بسببهم، وتفاقم أمرهم، فوجه المنصور خازم بن خزيمة إلى ابنه المهدي ليوليه حرب تلك البلاد، ويضم إليه من الأجناد ما يقاوم أولئك‏.‏

فنهض المهدي في ذلك نهضة هاشمية، وجمع لخازم بن خزيمة الأمرة على تلك البلاد والجيوش، وبعثه في نحو من أربعين ألفاً، فسار إليهم وما زال يراوغهم ويماكرهم ويعمل الخديعة فيهم حتى فاجأهم بالحرب، وواجههم بالطعن والضرب، فقتل منهم نحواً سبعين ألفاً، وأسر منهم أربعة عشر ألفاً، وهرب ملكهم أستاذسيس فتحرز في جبل‏.‏

فجاء خازم إلى تحت الجبل وقتل أولئك الأسرى كلهم ولم يزل يحاصره حتى نزل على حكم بعض الأمراء، فحكم أن يقيد بالحديد هو وأهل بيته، وأن يعتق من معه من الأجناد - وكانوا ثلاثين ألفاً - ففعل خازم ذلك كله، وأطلق لكل واحد ممن كان مع أستاذسيس ثوبين، وكتب بما وقع من الفتح إلى المهدي، فكتب المهدي بذلك إلى أبيه المنصور‏.‏

وفيها‏:‏ عزل الخليفة عن إمرة المدينة جعفر بن سليمان وولاها الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب‏.‏

وفيها حج بالناس‏:‏ عبد الصمد بن علي عم الخليفة‏.‏

وتوفي فيها‏:‏ جعفر بن أمير المؤمنين المنصور ودفن أولاً بمقابر بني هاشم من بغداد، ثم نقل منها إلى موضع آخر‏.‏

وفيها توفي‏:‏ عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أحد أئمة أهل الحجاز، ويقال‏:‏ إنه أول من جمع السنن، وعثمان بن الأسود، وعمر بن محمد بن زيد‏.‏

وفيها توفي‏:‏ الإمام أبو حنيفة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/114‏)‏

 ذكر ترجمته

هو‏:‏ الإمام أبو حنيفة، واسمه‏:‏ النعمان بن ثابت التيمي، مولاهم الكوفي، فقيه العراق، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام، وأحد أركان العلماء، وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتنوعة، وهو أقدمهم وفاة، لأنه أدرك عصر الصحابة، ورأى أنس بن مالك قيل‏:‏ وغيره‏.‏

وذكر بعضهم أنه روى عن سبعة من الصحابة، فالله أعلم‏.‏

وروى عن جماعة من التابعين منهم‏:‏ الحكم، وحماد بن أبي سليمان، وسلمة بن كهيل، وعامر الشعبي، وعكرمة، وعطاء، وقتادة، والزهري، ونافع مولى بن عمر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو إسحاق السبيعي‏.‏

وروى عنه جماعة منهم‏:‏ ابنه حماد، وإبراهيم بن طهمان، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأسد بن عمرو القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وحمزة الزيات، وداود الطائي، وزفر، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، ومحمد بن الحسن الشيباني، وهشيم، ووكيع، وأبو يوسف القاضي‏.‏

وقال يحيى بن معين‏:‏ كان ثقة، وكان من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضياً‏.‏

وقد كان يحيى بن سعيد يختار قوله في الفتوى، وكان يحيى يقول‏:‏ لا نكذب الله ‏!‏ ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله‏.‏

وقال عبد الله بن المبارك‏:‏ لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس‏.‏

وقال في الشافعي‏:‏ رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، ومن أراد السِّير فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد الحديث فهو عيال على مالك، ومن أراد التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان‏.‏

وقال عبد الله بن داود الحريبي‏:‏ ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة، لحفظه الفقه والسنن عليهم‏.‏

وقال سفيان الثوري وابن المبارك‏:‏ كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه‏.‏

وقال أبو نعيم‏:‏ كان صاحب غوص في المسائل‏.‏

وقال مكي بن إبراهيم‏:‏ كان أعلم أهل الأرض‏.‏

وروى الخطيب بسنده، عن أسد بن عمرو‏:‏ أن أبا حنيفة كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن كل ليلة، ويبكي حتى يرحمه جيرانه‏.‏

ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة - أعني‏:‏ سنة خمسين ومائة -، وعن ابن معين‏:‏ سنة إحدى وخمسين، وقال غيره‏:‏ سنة ثلاث وخمسين، والصحيح الأول‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/115‏)‏

وكان مولده في سنة ثمانين فتم له من العمر سبعون سنة، وصلي عليه ببغداد ست مرات لكثرة الزحام، وقبره هناك رحمه الله‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة

فيها‏:‏ عزل المنصور عمر بن حفص عن السند وولى عليها هشام بن عمرو التغلبي، وكان سبب عزله عنها أن محمد بن عبد الله بن حسن لما ظهر بعث ابنه عبد الله الملقب‏:‏ بالأشتر، ومعه جماعة بهدية وخيول عتاق إلى عمر بن حفص هذا إلى السند فقبلها، فدعوه إلى دعوة أبيه محمد بن عبد الله بن حسن في السر فأجابهم إلى ذلك ولبسوا البياض‏.‏

ولما جاء خبر مقتل محمد بن عبد الله بالمدينة سقط في أيديهم، وأخذوا في الاعتذار إلى عبد الله بن محمد، فقال له عبد الله‏:‏ إني أخشى على نفسي‏.‏

فقال‏:‏ إني سأبعثك إلى ملك من المشركين في جوار أرضنا، وإنه من أشد الناس تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه متى عرفك أنك من سلالته أحبك‏.‏

فأجابه إلى ذلك، وسار عبد الله بن محمد إلى ذلك الملك وكان عنده آمناً، وصار عبد الله يركب في موكب من الزيدية ويتصيد في جحفل من الجنود، وانضم إليه خلق، وقدم عليه طوائف من الزيدية‏.‏

وأما المنصور فإنه بعث يعتب على عمر بن حفص نائب السند، فقال رجل من الأمراء‏:‏ ابعثني إليه واجعل القضية مسندة إليّ، فإني سأعتذر إليه من ذلك، فإن سلمت وإلا كنت فداءك وفداء من عندك من الأمراء‏.‏

فأرسله سفيراً في القضية إلى المنصور، فلما وقف بين يدي المنصور أمر بضرب عنقه، وكتب إلى عمر بن حفص بعزله عن السند وولاه بلاد إفريقية عوضاً عن أميرها، ولما وجه المنصور هشام بن عمرو إلى السند أمره أن يجتهد في تحصيل عبد الله بن محمد، فجعل يتوانى في ذلك، فبعث إليه المنصور يستحثه في ذلك، ثم اتفق الحال أن سيفاً أخا هشام بن عمرو لقي عبد الله بن محمد في بعض الأماكن فاقتتلوا فقتل عبد الله وأصحابه جميعاً، واشتبه عليهم مكانه في القتلى فلم يقدروا عليه‏.‏

فكتب هشام بن عمرو إلى المنصور يعلمه بقتله، فبعث يشكره على ذلك ويأمره بقتال الملك الذي آواه، ويعلمه أن عبد الله كان قد تسرى بجارية هنالك وأولدها ولداً أسماه‏:‏ محمداً، فإذا ظفرت بالملك فاحتفظ بالغلام فنهض هشام بن عمرو إلى ذلك الملك فقاتله فغلبه وقهره على بلاده وأمواله وحواصله، وبعث بالفتح والأخماس وبذلك الغلام والملك إلى المنصور، ففرح المنصور بذلك وبعث بذلك الغلام إلى المدينة، وكتب المنصور إلى نائبها يعلمه بصحة نسبه، ويأمره أن يلحقه بأهله يكون عندهم لئلا يضيع نسبه، فهو الذي يقال له‏:‏ أبو الحسن الأشتر‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ قدم المهدي بن المنصور على أبيه من خراسان فتلقاه أبوه والأمراء والأكابر إلى أثناء الطريق، وقدم بعد ذلك نواب البلاد والشام وغيرها للسلام عليه وتهنئته بالسلامة والنصر‏.‏

وحمل إليه من الهدايا والتحف ما لا يحد ولا يوصف‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/116‏)‏

 بناء الرصافة

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة‏:‏ شرع المنصور في بناء الرصافة لابنه المهدي بعد مقدمه من خراسان، وهي في الجانب الشرقي من بغداد، وجعل لها سوراً وخندقاً، وعمل عندها ميداناً وبستاناً، وأجرى إليها الماء من نهر المهدي‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وفيها‏:‏ جدد المنصور البيعة لنفسه ثم لولده المهدي من بعده، ولعيسى بن موسى من بعدهما، وجاء الأمراء والخواص فبايعوا وجعلوا يقبّلون يد المنصور ويد ابنه ويلمسون يد عيسى بن موسى ولا يقبلونها‏.‏

قال الواقدي‏:‏ وولى المنصور معن بن زائدة سجستان‏.‏

وحج بالناس فيها‏:‏ محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، وهو نائب مكة والطائف، وعلى المدينة الحسن بن زيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة جابر بن زيد الكلابي، وعلى مصر يزيد بن حاتم‏.‏

ونائب خراسان حميد بن قحطبة، ونائب سجستان معن بن زائدة‏.‏

وغزا الصائفة فيها‏:‏ عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد‏.‏

وفيها توفي‏:‏ حنظلة بن أبي سفيان، وعبد الله بن عون، ومحمد بن إسحاق بن يسار، صاحب السيرة النبوية التي جمعها وجعلها علماً يهتدى به، وفخراً يستجلى به، والناس كلهم عيال عليه في ذلك، كما قال الشافعي وغيره من الأئمة‏.‏

 ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ومائة

فيها‏:‏ عزل المنصور عن إمرة مصر يزيد بن حاتم وولاها محمد بن سعيد، وبعث إلى نائب إفريقية وكان قد بلغه أنه عصى وخالف، فلما جيء به أمر بضرب عنقه‏.‏

وعزل عن البصرة جابر بن زيد الكلابي وولاها يزيد بن منصور‏.‏

وفيها‏:‏ قتلت الخوارج معن بن زائدة بسجستان‏.‏

وفيها توفي‏:‏ عباد بن منصور، ويونس بن يزيد الأيلي‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وخمسون ومائة

وفيها‏:‏ غضب المنصور على كاتبه أبي أيوب المورياني وسجنه وسجن أخاه خالداً وبني أخيه الأربعة‏:‏ سعيداً، ومسعوداً، ومخلداً، ومحمداً، وطالبهم بالأموال الكثيرة‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/117‏)‏

وكان سبب ذلك ما ذكره ابن عساكر في ترجمة أبي جعفر المنصور، وهو أنه كان في زمن شبيبته قد ورد الموصل وهو فقير لا شيء له ولا معه شيء، فأجر نفسه من بعض الملاحين حتى اكتسب شيئاً تزوج به امرأة، ثم جعل يعدها ويمنيها أنه من بيت سيصير الملك إليهم سريعاً، فاتفق حبلها منه، ثم تطلبه بنو أمية فهرب عنها وتركها حاملاً، ووضع عندها رقعة فيها نسبته، وأنه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأمرها إذا بلغها أمره أن تأتيه، وإذا ولدت غلاماً أن تسميه‏:‏ جعفراً‏.‏

فولدت غلاماً فسمته‏:‏ جعفراً، ونشأ الغلام فتعلم الكتابة وغوى العربية والأدب، وأتقن ذلك إتقاناً جيداً، ثم آل الأمر إلى بني العباس، فسألت عن السفاح فإذا هو ليس صاحبها، ثم قام المنصور وصار الولد إلى بغداد فاختلط بكّتاب الرسائل فأعجب به أيوب المورياني صاحب ديوان الإنشاء للمنصور، وحظي عنده وقدمه على غيره فاتفق حضوره معه بين يدي الخليفة، فجعل الخليفة يلاحظه، ثم بعث يوماً الخادم ليأتيه بكاتب فدخل ومعه الغلام فكتب بين يدي المنصور كتاباً وجعل الخليفة ينظر إليه ويتأمله، ثم سأله عن اسمه فأخبره أنه جعفر، فقال‏:‏ ابن من ‏؟‏

فسكت الغلام، فقال‏:‏ مالك لا تتكلم ‏؟‏

فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ إن من خبري كيت وكيت‏.‏

فتغير وجه الخليفة ثم سأله عن أمه فأخبره، وسأله عن أحوال بلد الموصل فجعل يخبره والغلام يتعجب‏.‏

ثم قام إليه الخليفة فاحتضنه، وقال‏:‏ أنت ابني‏.‏

ثم بعثه بعقد ثمين ومال جزيل وكتاب إلى أمه يعلمها بحقيقة الأمر وحال الولد‏.‏

وخرج الغلام ومعه ذلك من باب سر الخليفة فأحرز ذلك ثم جاء إلى أبي أيوب فقال‏:‏ ما بطأ بك عند الخليفة ‏؟‏

فقال‏:‏ إنه استكتبني في رسائل كثيرة‏.‏

ثم تقاولا، ثم فارقه الغلام مغضباً، ونهض من فوره فاستأجر إلى الموصل ليعلم أمه ويحملها وأهلها إلى بغداد، إلى أبيه الخليفة‏.‏

فسار مراحل، ثم سأل عنه أبو أيوب فقيل‏:‏ سافر فظن أبو أيوب أنه أفشى شيئاً من أسراره إلى الخليفة وفر منه، فبعث في طلبه رسولاً، وقال‏:‏ حيث وجدته فرده علي‏.‏

فسار الرسول في طلبه فوجده في بعض المنازل فخنقه وألقاه في بئر وأخذ ما كان معه فرجع إلى أبي أيوب‏.‏

فلما وقف أبو أيوب على الكتاب أسقط في يده وندم على بعثه خلفه، وانتظر الخليفة عود ولده إليه واستبطأه وكشف عن خبره فإذا رسول أبي أيوب قد لحقه وقتله، فحينئذ استحضر أبا أيوب وألزمه بأموال عظيمة، ومازال في العقوبة حتى أخذ جميع أمواله وحواصله ثم قتله وجعل يقول‏:‏ هذا قتل حبيبي‏.‏

وكان المنصور كلما ذكر ولده حزن عليه حزناً شديداً‏.‏

وفيها‏:‏ خرجت الخوارج من الصفرية وغيرهم ببلاد إفريقية، فاجتمع منهم ثلاثمائة ألف وخمسون ألفاً، ما بين فارس وراجل، وعليهم أبو حاتم الأنماطي، وأبو عباد‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/118‏)‏

وانضم إليهم أبو قرة الصفري في أربعين ألفاً، فقاتلوا نائب إفريقية فهزموا جيشه وقتلوه، وهو عمر بن عثمان بن أبي صفرة الذي كان نائب السند كما تقدم قتله هؤلاء الخوارج، رحمه الله‏.‏

وأكثرت الخوارج الفساد في البلاد، وقتلوا الحريم والأولاد‏.‏

وفيها‏:‏ ألزم المنصور الناس بلبس قلانس سود طوال جداً، حتى كانوا يستعينون عن رفعها من داخلها بالقصب، فقال أبو دلامة الشاعر في ذلك‏:‏

وكنا نرجي من إمام زيادة * فزاد الإمام المرتجى في القلانس

تراها على هام الرجال كأنها * دنان يهود جللت بالبرانس

وفيها‏:‏ غزا الصائفة معيوف بن يحيى الحجوري، فأسر خلقاً كثيراً من الروم بنيف على ستة آلاف أسير، وغنم أموالاً جزيلةً‏.‏

وحج بالناس‏:‏ المهدي بن المنصور، وهو ولي العهد الملقب‏:‏ بالمهدي‏.‏

وكان على نيابة مكة والطائف محمد بن إبراهيم، وعلى المدينة الحسن بن زيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة يزيد بن منصور، وعلى مصر محمد بن سعيد‏.‏

وذكر الواقدي‏:‏ أن يزيد بن منصور كان ولاه المنصور في هذه السنة اليمن، فالله أعلم‏.‏

وفيها توفي‏:‏ أبان بن صمة، وأسامة بن زيد الليثي، وثور بن يزيد الحمصي، والحسن بن عمارة، وقطر بن خليفة، ومعمر، وهشام بن الغازي، والله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة

فيها‏:‏ دخل المنصور بلاد الشام وزار بيت المقدس، وجهز يزيد بن حاتم في خمسين ألفاً وولاه بلاد إفريقية، وأمره بقتال الخوارج، وأنفق على هذا الجيش نحواً ثلاث وستين ألف درهم، وغزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي‏.‏

وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم، ونواب البلاد والأقاليم هم المذكورون في التي قبلها سوى البصرة فعليها عبد الملك بن أيوب بن ظبيان‏.‏

وفيها توفي‏:‏ أبو أيوب الكاتب وأخوه خالد، وأمر المنصور ببني أخيه أن تقطع أيديهم وأرجلهم ثم تضرب بعد ذلك أعناقهم، ففعل ذلك بهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/119‏)‏

 وفيها توفي‏:‏

أشعب الطامع

وهو‏:‏ أشعب بن جبير، أبو العلاء، ويقال‏:‏ أبو إسحاق المدني، ويقال له‏:‏ أبو حميدة‏.‏

وكان أبوه مولى لآل الزبير، قتله المختار، وهو خال الواقدي‏.‏

وروى عن عبد الله بن جعفر‏:‏ ‏(‏‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في اليمين‏)‏‏)‏‏.‏

وأبان بن عثمان، وسالم، وعكرمة‏.‏

وكان ظريفاً ماجناً يحبه أهل زمانه لخلاعته وطمعه، وكان حميد الغناء، وقد وفد على الوليد بن يزيد دمشق، فترجمه ابن عساكر ترجمة ذكر عنه فيها أشياء مضحكة، وأسند عنه حديثين‏.‏

وروي عنه أنه سئل يوماً أن يحدث فقال‏:‏ حدثني عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏خصلتان من عمل بهما دخل الجنة‏)‏‏)‏ ثم سكت‏.‏

فقيل له‏:‏ ما هما ‏؟‏

فقال‏:‏ نسي عكرمة الواحدة ونسيت أنا الأخرى‏.‏

وكان سالم بن عبد الله بن عمر يستخفه ويستحليه ويضحك منه ويأخذه معه إلى الغابة، وكذلك كان غيره من أكابر الناس‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ عبث الولدان يوماً بأشعب فقال لهم‏:‏ إن ههنا أناساً يفرقون الجوز - ليطردهم عنه - فتسارع الصبيان إلى ذلك، فلما رآهم مسرعين قال‏:‏ لعله حق فتبعهم‏.‏

وقال له رجل‏:‏ ما بلغ من طمعك ‏؟‏

فقال‏:‏ ما زفت عروس بالمدينة إلا رجوت أن تزف إلي فأكسح داري وأنظف بابي واكنس بيتي‏.‏

واجتاز يوماً برجل يصنع طبقاً من قش فقال له‏:‏ زد فيه طوراً أو طورين لعله أن يهدى يوماً لنا فيه هدية‏.‏

وروى ابن عساكر أن أشعب غنَّى يوماً لسالم بن عبد الله بن عمر قول بعض الشعراء‏:‏

مضين بها والبدر يشبه وجهها * مطهرة الأثواب والدين وافر

لها حسب زاكٍ وعرض مهذب * وعن كل مكروه من الأمر زاجر

من الخفرات البيض لم تلق ريبة * ولم يستملها عن تقى الله شاعر

فقال له سالم‏:‏ أحسنت فزدنا‏.‏

فغناه‏:‏

ألمت بنا والليل داج كأنه * جناح غراب عنه قد نفض القطرا

فقلت أعطار ثوى في رحالنا * وما علمت ليلى سوى ريحها عطرا

فقال له‏:‏ أحسنت ولولا أن يتحدث الناس لأجزلت لك الجائزة، وإنك من الأمر لبمكان‏.‏

وفيها توفي‏:‏ جعفر بن برقان، والحكم بن أبان، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر، وقرة بن خالد‏.‏

وأبو عمرو بن العلاء

أحد أئمة القراء، واسمه كنيته، وقيل اسمه‏:‏ ريان، والصحيح الأول‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/120‏)‏

وهو‏:‏ أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين، التميمي المازني البصري، وقيل غير ذلك في نسبه‏.‏

كان علامة زمانه في الفقه والنحو وعلم القراءات، وكان من كبار العلماء العاملين، يقال‏:‏ إنه كتب ملء بيت من كلام العرب، ثم تزهد فأحرق ذلك كله، ثم راجع الأمر الأول فلم يكن عنده إلا ما كان يحفظه من كلام العرب، وكان قد لقي خلقاً كثيراً من أعراب الجاهلية، كان مقدماً أيام الحسن البصري ومن بعده‏.‏

من اختياراته في العربية قوله في تفسيره الغرة في الجنين‏:‏ إنها لا يقبل فيها إلا أبيض غلاماً كان أو جارية‏.‏

فهم ذلك من قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏‏(‏غرة عبد أو أمة‏)‏‏)‏‏.‏

ولو أريد أي عبد كان أو جارية لما قيده بالغرة، وإنما الغرة البياض‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ وهذا غريب ولا أعلم هل يوافقه قول أحد الأئمة المجتهدين أم لا‏.‏

وذكر عنه أنه كان إذا دخل شهر رمضان لا ينشد بيتاً من الشعر حتى ينسلخ، وإنما كان يقرأ القرآن وأنه كان يشتري له كل يوم كوزاً جديداً وريحاناً طرياً، وقد صحبه الأصمعي نحواً من عشر سنين‏.‏

كانت وفاته في هذه السنة، وقيل‏:‏ في سنة ست وخمسين، وقيل‏:‏ تسع وخمسين، فالله أعلم‏.‏

وقد قارب التسعين، وقيل‏:‏ إنه جاوزها، فالله أعلم‏.‏

وقبره بالشام، وقيل‏:‏ بالكوفة، فالله أعلم‏.‏

وقد روى ابن عساكر في ترجمة صالح بن علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس، مرفوعاً‏:‏ ‏(‏‏(‏لأن يربي أحدكم بعد أربع وخمسين ومائة جرو كلب خير له من أن يربي ولداً لصلبه‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا منكر جداً، وفي إسناده نظر‏.‏

ذكره من طريق تمام، عن خيثمة بن سليمان، عن محمد بن عوف الحمصي، عن أبي المغيرة عبد الله بن السمط، عن صالح، به‏.‏

وعبد الله بن السمط هذا لا أعرفه، وقد ذكره شيخنا الحافظ الذهبي في كتابه الميزان وقال‏:‏ روى عن صالح بن علي حديثاً موضوعاً‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة

فيها‏:‏ دخل يزيد بن حاتم بلاد إفريقية فافتتحها عوداً على بدء، وقتل من كان فيها ممن تغلب عليها من الخوارج، وقتل أمراءهم وأسر كبراءهم، وأذل أشرافهم واستبدل أهل تلك البلاد بالخوف أمناً وسلامةً، وبالإهانة كرامة، وكان من جملة من قتل من أمرائهم‏:‏ أبو حاتم، وأبو عباد الخارجيان‏.‏

ثم لما استقامت له وبه الأمور في البلدان دخل ذلك بلاد القيروان فمهدها وأقر أهلها وقرر أمورها وأزال محذورها، والله سبحانه أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/121‏)‏

 بناء الرافقة وهي المدينة المشهورة

وفيها‏:‏ أمر المنصور ببناء الرافقة على منوال بناء بغداد في هذه السنة، وأمر فيها ببناء سور وعمل خندق حول الكوفة، وأخذ ما غرم على ذلك من أموال أهلها، من كل إنسان من أهل اليسار أربعين درهماً، وقد فرضها أولاً خمسة دراهم، خمسة دراهم، ثم جباها أربعين أربعين‏.‏

فقال في ذلك بعضهم‏:‏

يا لقومي ما رأينا * في أمير المؤمنينا

قسم الخمسة فينا * وجبانا أربعينا

وفيها‏:‏ غزا الصائفة يزيد بن أسد السلمي‏.‏

وفيها‏:‏ طلب ملك الروم الصلح من المنصور على أن يحمل إليه الجزية‏.‏

وفيها‏:‏ عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة وغرمه أموالاً كثيرةً‏.‏

وفيها‏:‏ عزل محمد بن سليمان بن علي عن إمرة الكوفة‏.‏

فقيل‏:‏ لأمور بلغته عنه في تعاطي منكرات، وأمور لا تليق بالعمال‏.‏

وقيل‏:‏ لقتله محمد بن أبي العوجاء - وقد كان ابن أبي العوجاء هذا زنديقاً - يقال‏:‏ إنه لما أمر بضرب عنقه اعترف على نفسه بوضع أربعة آلاف حديث يحلُّ فيها الحرام ويحرم فيها الحلال، ويصوم الناس يوم الفطر ويفطرهم في أيام الصيام‏.‏

فأراد المنصور أن يجعل قتله له ذنباً فعزله به، وإنما أراد أن يقيده منه‏.‏

فقال له عيسى بن موسى‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ لا تعزله بهذا ولا تقتله به، فإنه إنما قتله على الزندقة، ومتى عزلته به شكره العامة وذموك‏.‏

فتركه حيناً ثم عزله وولى مكانه على الكوفة عمرو بن زهير‏.‏

وفيها‏:‏ عزل عن المدينة الحسن بن زيد وولى عليها عمه عبد الصمد بن علي، وجعل معه فليح بن سليمان مشرفاً عليه‏.‏

وعلى إمرة مكة محمد بن إبراهيم بن محمد، وعلى البصرة الهيثم بن معاوية، وعلى مصر محمد بن سعيد، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم‏.‏

 وفيها توفي‏:‏

صفوان بن عمرو وعثمان بن أبي العاتكة الدمشقيان، وعثمان بن عطاء، ومسعر بن كدام‏.‏

حماد الراوية

وهو‏:‏ ابن أبي ليلى، ميسرة - ويقال‏:‏ سابور - بن المبارك بن عبيد، الديلمي الكوفي، مولى بكير بن زيد الخيل الطائي، كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها ولغاتها، وهو الذي جمع السبع المعلقات الطوال، وإنما سمي‏:‏ الرواية لكثرة روايته الشعر عن العرب، اختبره الوليد بن يزيد بن عبد الملك أمير المؤمنين في ذلك فأنشده تسعاً وعشرين قصيدةً على حروف المعجم، كل قصيدة نحواً من مائة بيت، وزعم أنه لا يسمى شاعر من شعراء العرب إلا أنشد له ما لا يحفظه غيره‏.‏ فأطلق له مائة ألف درهم‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/122‏)‏

وذكر أبو محمد الحريري في كتابه درة الغواص‏:‏ أن هشام بن عبد الملك استدعاه من العراق من نائبه يوسف بن عمر، فلما دخل عليه إذا هو في دار قوراء مرخمة بالرخام والذهب وإذا عنده جاريتان حسنتان جداً، فاستنشده شيئاً فأنشده، فقال له‏:‏ سل حاجتك ‏؟‏

فقال‏:‏ كائنة ما كانت يا أمير المؤمنين ‏؟‏

فقال‏:‏ وما هي ‏؟‏

فقال‏:‏ تطلق لي إحدى هاتين الجاريتين‏.‏

فقال‏:‏ هما وما عليهما لك‏.‏

وأخلاه في بعض داره، وأطلق له مائة ألف درهم‏.‏

هذا ملخص الحكاية، والظاهر أن هذا الخليفة إنما هو الوليد بن يزيد فإنه ذكر أنه شرب معه الخمر، وهشام لم يكن يشرب، ولم يكن نائبه على العراق يوسف بن عمر، إنما كان نائبه خالد بن عبد الله القسري، وبعده يوسف بن عمر بن عبد العزيز‏.‏

كانت وفاة حماد في هذه السنة عن ستين سنة‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ وقيل‏:‏ إنه أدرك أول خلافة المهدي في سنة ثمان وخمسين، فالله أعلم‏.‏

وفيها قتل‏:‏ حماد عجرد على الزندقة‏.‏

وهو‏:‏

حماد بن عمر

ابن يوسف بن كليب، الكوفي، ويقال‏:‏ إنه واسطي مولى بني سواد‏.‏

وكان شاعراً ماجناً ظريفاً زنديقاً متهماً على الإسلام، وقد أدرك الدولتين الأموية والعباسية، ولم يشتهر إلا في أيام بني العباس، وكان بينه وبين بشار بن برد مهاجاة كثيرة، وقد قتل بشار هذا على الزندقة أيضاً كما سيأتي‏.‏

ودفن مع حماد هذا في قبره، وقيل‏:‏ إن حماداً عجرد مات سنة ثمان وخمسين، وقيل‏:‏ إحدى وستين ومائة، فالله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة

فيها‏:‏ ظفر الهيثم بن معاوية نائب المنصور على البصرة، بعمرو بن شداد الذي كان عاملاً لإبراهيم بن محمد على فارس، فقيل‏:‏ أمر فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه ثم صلب‏.‏

وفيها‏:‏ عزل المنصور الهيثم بن معاوية هذا الذي فعل هذه الفعلة عن البصرة وولى عليها قاضيها سوار بن عبد الله، فجمع له بين القضاء والصلاة، وجعل على شرطتها وأحداثها سعيد بن دعلج، ورجع الهيثم بن معاوية قاتل عمرو بن شداد إلى بغداد فمات فيها فجأة في هذه السنة، وهو على بطن جارية له، وصلى عليه المنصور ودفن في مقابر بني هاشم‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/123‏)‏

ويقال‏:‏ إنه أصابته دعوة عمر بن شداد الذي قتله تلك القتلة، فليتق العبد الظلم‏.‏

وحج بالناس العباس بن محمد أخو المنصور‏.‏

ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها، وعلى فارس والأهواز وكور دجلة عمارة بن حمزة، وعلى كرمان والسند هشام بن عمرو‏.‏

وفيها توفي‏:‏ حمزة الزيات في قول، وهو أحد القراء المشهورين والعباد المذكورين، وإليه تنسب المدود الطويلة في القراءة اصطلاحاً من عنده، وقد تكلم فيه بسببها بعض الأئمة وأنكروها عليه‏.‏

وسعيد بن أبي عروبة، وهو أول من جمع السنن في قول، وعبد الله بن شوذب، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وعمر بن ذر‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة

فيها‏:‏ بنى المنصور قصره المسمى‏:‏ بالخلد في بغداد، تفاؤلاً بالتخليد في الدنيا، فعند كماله مات وخرب القصر من بعده، وكان المستحث في عمارته أبان بن صدقة، والربيع مولى المنصور وهو حاجبه‏.‏

وفيها‏:‏ حول المنصور الأسواق من قرب دار الإمارة إلى باب الكرخ‏.‏ وقد ذكرنا فيما تقدم سبب ذلك‏.‏

وفيها‏:‏ أمر بتوسعة الطرقات‏.‏

وفيها‏:‏ أمر بعمل جسر عند باب الشعير‏.‏

وفيها‏:‏ استعرض المنصور جنده وهم ملبسون السلاح وهو أيضاً لابس سلاحاً عظيماً، وكان ذلك عند دجلة‏.‏

وفيها‏:‏ عزل عن السند هشام بن عمرو وولى عليها سعيد بن الخليل‏.‏

وفيها‏:‏ غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي فأوغل في بلاد الروم، وبعث سناناً مولى البطال مقدمة بين يديه ففتح حصوناً وسبى وغنم‏.‏

وفيها حج بالناس‏:‏ إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي‏.‏

ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها‏.‏

وفيها توفي‏:‏ الحسين بن واقد، والإمام الجليل علامة الوقت أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي فقيه أهل الشام وإمامهم‏.‏

وقد بقي أهل دمشق وما حولها من البلاد على مذهبه نحواً من مائتين وعشرين سنة‏.‏

 شيء من ترجمة الأوزاعي رحمه الله

هو‏:‏ عبد الرحمن بن عمرو بن محمد، أبو عمرو الأوزاعي‏.‏

والأوزاع‏:‏ بطن من حمير وهو من أنفسهم‏.‏ قاله محمد بن سعد‏.‏

وقال غيره‏:‏ لم يكن من أنفسهم وإنما نزل في محلة الأوزاع، وهي قرية خارج باب الفراديس من قرى دمشق، وهو ابن عم يحيى بن عمرو الشيباني‏.‏

قال أبو زرعة‏:‏ وأصله من سبي السند فنزل الأوزاع فغلب عليه النسبة إليها‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/124‏)‏

وقال غيره‏:‏ ولد ببعلبك ونشأ بالبقاع يتيماً في حجر أمه، وكانت تنتقل به من بلد إلى بلد‏.‏

وتأدب بنفسه، فلم يكن في أبناء الملوك والخلفاء والوزراء والتجار وغيرهم أعقل منه، ولا أورع ولا أعلم، ولا أفصح ولا أوقر ولا أحلم، ولا أكثر صمتاً منه، ما تكلم بكلمة إلا كان المتعين على من سمعها من جلسائه أن يكتبها عنه، من حسنها، وكان يعاني الرسائل والكتابة، وقد اكتتب مرة في بعث إلى اليمامة فسمع من يحيى بن أبي كثير وانقطع إليه فأرشده إلى الرحلة إلى البصرة ليسمع من الحسن وابن سيرين‏.‏

فسار إليها فوجد الحسن قد توفي من شهرين، ووجد ابن سيرين مريضاً، فجعل يتردد لعيادته، فقوي المرض به ومات ولم يسمع منه الأوزاعي شيئاً‏.‏

ثم جاء فنزل دمشق بمحلة الأوزاع خارج باب الفراديس، وساد أهلها في زمانه وسائر البلاد في الفقه والحديث والمغازي وغير ذلك من علوم الإسلام‏.‏

وقد أدرك خلقاً من التابعين وغيرهم، وحدث عنه جماعات من سادات المسلمين‏:‏ كمالك بن أنس والثوري، والزهري وهو من شيوخه‏.‏

وأثنى عليه غير واحد من الأئمة، وأجمع المسلمون على عدالته وإمامته‏.‏

قال مالك‏:‏ كان الأوزاعي إماماً يقتدى به‏.‏

وقال سفيان بن عيينة وغيره‏:‏ كان الأوزاعي إمام أهل زمانه‏.‏

وقد حج مرة فدخل مكة وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله، ومالك بن أنس يسوق به، والثوري يقول‏:‏ أفسحوا للشيخ حتى أجلساه عند الكعبة، وجلسا بين يديه يأخذان عنه‏.‏

وقد تذاكر مالك والأوزاعي مرة بالمدينة من الظهر حتى صليا العصر، ومن العصر حتى صليا المغرب، فغمره الأوزاعي في المغازي، وغمره مالك في الفقه‏.‏ أو في شيء من الفقه‏.‏

وتناظر الأوزاعي والثوري في مسجد الخيف في مسألة رفع اليدين في الركوع والرفع منه، فاحتج الأوزاعي على الرفع في ذلك بما رواه عن الزهري، عن سالم، عن أبيه‏:‏ ‏(‏‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كان يرفع يديه في الركوع والرفع منه‏)‏‏)‏‏.‏

واحتج الثوري على ذلك بحديث يزيد بن أبي زياد‏.‏

فغضب الأوزاعي وقال‏:‏ تعارض حديث الزهري بحديث يزيد بن أبي زياد وهو رجل ضعيف ‏؟‏

فاحمر وجه الثوري، فقال الأوزاعي‏:‏ لعلك كرهت ما قلت ‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فقم بنا حتى نلتعن عند الركن أينا على الحق‏.‏ فسكت الثوري‏.‏

وقال هقل بن زياد‏:‏ أفتى الأوزاعي في سبعين ألف مسألة بحدثنا‏.‏ وأخبرنا‏.‏

وقال أبو زرعة‏:‏ روي عنه ستون ألف مسألة‏.‏

وقال غيرهما‏:‏ أفتى في سنة ثلاث عشرة ومائة وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، ثم لم يزل يفتي حتى مات وعقله زاكٍ‏.‏

وقال يحيى القطان، عن مالك‏:‏ اجتمع عندي الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة‏.‏

فقلت‏:‏ أيهم أرجح ‏؟‏

قال‏:‏ الأوزاعي‏.‏

وقال محمد بن عجلان‏:‏ لم أر أحداً أنصح للمسلمين من الأوزاعي‏.‏

وقال غيره‏:‏ ما رُئي الأوزاعي ضاحكاً مقهقهاً قط، ولقد كان يعظ الناس فلا يبقي أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه، وما رأيناه يبكي في مجلسه قط وكان إذا خلى بكى حتى يرحم‏.‏

وقال يحيى بن معين‏:‏ العلماء أربعة‏:‏ الثوري، وأبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي‏.‏

قال أبو حاتم‏:‏ كان ثقةً متبعاً لما سمع‏.‏

قالوا‏:‏ وكان الأوزاعي لا يلحن في كلامه، وكانت كتبه ترد على المنصور فينظر فيها ويتأملها ويتعجب من فصاحتها وحلاوة عبارتها‏.‏

وقد قال المنصور يوماً‏:‏ لأحظى كتَّابه عنده - وهو‏:‏ سليمان بن مجالد -‏:‏ ينبغي أن نجيب الأوزاعي على ذلك دائماً، لنستعين بكلامه فيما نكاتب به إلى الآفاق إلى من لا يعرف كلام الأوزاعي‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/125‏)‏

فقال‏:‏ والله يا أمير المؤمنين ‏!‏ لا يقدر أحد من أهل الأرض على مثل كلامه ولا على شيء منه‏.‏

وقال الوليد بن مسلم‏:‏ كان الأوزاعي إذا صلى الصبح جلس يذكر الله سبحانه حتى تطلع الشمس، وكان يأثر عن السلف ذلك‏.‏

قال‏:‏ ثم يقومون فيتذاكرون في الفقه والحديث‏.‏

وقال الأوزاعي‏:‏ رأيت رب العزة في المنام فقال‏:‏ أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ‏؟‏

فقال‏:‏ بفضلك أي رب‏.‏

ثم قلت‏:‏ يا رب أمتني على الإسلام‏.‏

فقال‏:‏ وعلى السنة‏.‏

وقال محمد بن شابور‏:‏ قال لي شيخ بجامع دمشق‏:‏ أنا ميت في يوم كذا وكذا‏.‏

فلما كان في ذلك اليوم رأيته في صحن الجامع يتفلى، فقال لي‏:‏ اذهب إلى سرير الموتى فأحرزه لي عندك قبل أن تسبق إليه‏.‏

فقلت‏:‏ ما تقول ‏؟‏

فقال‏:‏ هو ما أقول لك، وإني رأيت كأن قائلاً يقول‏:‏ فلان قدري وفلان كذا وعثمان بن العاتكة نعمَ الرجل، وأبو عمرو الأوزاعي خير من يمشي على وجه الأرض، وأنت ميت في يوم كذا وكذا‏.‏

قال محمد بن شعيب‏:‏ فما جاء الظهر حتى مات وصلينا عليه بعدها وأخرجت جنازته‏.‏ ذكر ذلك ابن عساكر‏.‏

وكان الأوزاعي رحمه الله كثير العبادة حسن الصلاة ورعاً ناسكاً طويل الصمت، وكان يقول‏:‏ من أطال القيام في صلاة الليل هوّن الله عليه طول القيام يوم القيامة، أخذ ذلك من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً * إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 26- 27‏]‏‏.‏

وقال الوليد بن مسلم‏:‏ ما رأيت أحداً أشد اجتهاداً من الأوزاعي في العبادة‏.‏

وقال غيره‏:‏ حج فما نام على الراحلة، إنما هو في صلاة، فإذا نعس استند إلى القتب، وكان من شدة الخشوع كأنه أعمى‏.‏

ودخلت امرأة على امرأة الأوزاعي فرأت الحصير الذي يصلي عليه مبلولاً فقالت لها‏:‏ لعل الصبي بال ههنا‏.‏

فقالت‏:‏ هذا أثر دموع الشيخ من بكائه في سجوده، هكذا يصبح كل يوم‏.‏

وقال الأوزاعي‏:‏ عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وأقوال الرجال وإن زخرفوه وحسنوه، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ اصبر على السنة وقف حيث يقف القوم، وقل ما قالوا وكف عما كفوا، وليسعك ما وسعهم‏.‏

وقال‏:‏ العلم ما جاء عن أصحاب محمد، وما لم يجيء عنهم فليس بعلم‏.‏

وكان يقول‏:‏ لا يجتمع حب عليٍّ وعثمان إلا في قلب مؤمن، وإذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم باب الجدل وسد عنهم باب العلم والعمل‏.‏

قالوا‏:‏ وكان الأوزاعي من أكرم الناس وأسخاهم، وكان له في بيت المال على الخلفاء أقطاع صار إليه من بني أمية وقد وصل إليه من خلفاء بني أمية وأقاربهم وبني العباس نحو من سبعين ألف دينار، فلم يمسك منها شيئاً، ولا اقتنى شيئاً من عقار ولا غيره، ولا ترك يوم مات سوى سبعة دنانير كانت جهازه، بل كان ينفق ذلك في سبيل الله وفي الفقراء والمساكين‏.‏

ولما دخل عبد الله بن علي - عم السفاح الذي أجلى بني أمية عن الشام، وأزال الله سبحانه دولتهم على يده - دمشق فطلب الأوزاعي فتغيب عنه ثلاثة أيام ثم حضر بين يديه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/126‏)‏

قال الأوزاعي‏:‏ دخلت عليه وهو على سرير وفي يده خيزرانة والمسودة عن يمينه وشماله، ومعهم السيوف مصلتة - والعمد الحديد - فسلمت عليه فلم يرد ونكت بتلك الخيزرانة التي في يده ثم قال‏:‏ يا أوزاعي ‏!‏ ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد والبلاد‏؟‏ أجهاداً ورباطاً هو ‏؟‏

قال‏:‏ فقلت‏:‏ أيها الأمير ‏!‏ سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري، يقول‏:‏ سمعت محمد بن إبراهيم التيمي، يقول‏:‏ سمعت علقمة بن وقاص، يقول‏:‏ سمعت عمر بن الخطاب، يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فنكت بالخيزرانة أشد مما كان ينكت، وجعل من حوله يقبضون أيديهم على قبضات سيوفهم، ثم قال‏:‏ يا أوزاعي ‏!‏ ما تقول في دماء بني أمية ‏؟‏

فقلت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يحل لمسلم دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث‏:‏ النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة‏)‏‏)‏‏.‏

فنكت بها أشد من ذلك ثم قال‏:‏ ما تقول في أموالهم ‏؟‏

فقلت‏:‏ إن كانت في أيديهم حراماً فهي حرام عليك أيضاً، وإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعي‏.‏

فنكت أشد مما كان ينكت قبل ذلك ثم قال‏:‏ ألا نوليك القضاء ‏؟‏

فقلت‏:‏ إن أسلافك لم يكونوا يشقون علي في ذلك، وإني أحب أن يتم ما ابتدؤني به من الإحسان‏.‏

فقال‏:‏ كأنك تحب الانصراف ‏؟‏

فقلت‏:‏ إن ورائي حرماً وهم محتاجون إلى القيام عليهن وسترهن، وقلوبهن مشغولة بسببي‏.‏

قال‏:‏ وانتظرت رأسي أن يسقط بين يدي، فأمرني بالانصراف‏.‏

فلما خرجت إذا برسوله من ورائي، وإذا معه مائتا دينار، فقال‏:‏ يقول لك الأمير‏:‏ استنفق هذه‏.‏

قال‏:‏ فتصدقت بها، وإنما أخذتها خوفاً‏.‏

قال‏:‏ وكان في تلك الأيام الثلاثة صائماً فيقال‏:‏ إن الأمير لما بلغه ذلك عرض عليه الفطر عنده فأبى أن يفطر عنده‏.‏

قالوا‏:‏ ثم رحل الأوزاعي من دمشق فنزل بيروت مرابطاً بأهله وأولاده، قال الأوزاعي‏:‏ وأعجبني في بيروت أني مررت بقبورها فإذا امرأة سوداء في القبور فقلت لها‏:‏ أين العمارة يا هنتاه ‏؟‏

فقالت‏:‏ إن أردت العمارة فهي هذه - وأشارت إلى القبور - وإن كنت تريد الخراب فأمامك - وأشارت إلى البلد - فعزمت على الإقامة بها‏.‏

وقال محمد بن كثير‏:‏ سمعت الأوزاعي، يقول‏:‏ خرجت يوماً إلى الصحراء فإذا رجل جراد وإذا شخص راكب على جرادة منها وعليه سلاح الحديد، وكلما قال بيده هكذا إلى جهة مال الجراد مع يده، وهو يقول‏:‏ الدنيا باطل باطل باطل، وما فيها باطل باطل باطل‏.‏

وقال الأوزاعي‏:‏ كان عندنا رجل يخرج يوم الجمعة إلى الصيد ولا ينتظر الجمعة فخسف ببغلته فلم يبق منها إلا أذناها‏.‏

وخرج الأوزاعي يوماً من باب مسجد بيروت وهناك كان فيه رجل يبيع الناطف وإلى جانبه رجل يبيع البصل وهو يقول له‏:‏ يا بصل ‏!‏ أحلى من العسل، أو قال‏:‏ أحلى من الناطف‏.‏

فقال الأوزاعي‏:‏ سبحان الله ‏!‏ أيظن هذا أن شيئاً من الكذب يباح‏؟‏ فكان هذا ما يرى في الكذب بأساً‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/127‏)‏

وقال الواقدي‏:‏ قال الأوزاعي‏:‏ كنا قبل اليوم نضحك ونلعب، أما إذا صرنا أئمة يقتدى بنا فلا نرى أن يسعنا ذلك، وينبغي أن نتحفظ‏.‏

وكتب إلى أخ له‏:‏ أما بعد فقد أحيط بك من كل جانب، وإنه يسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والقيام بين يديه، وأن يكون آخر العهد بك والسلام‏.‏

وقال ابن أبي الدنيا‏:‏ حدثني محمد بن إدريس، سمعت أبا صالح - كاتب الليث -، يذكر عن الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، أنه وعظ فقال في موعظته‏:‏ أيها الناس ‏!‏ تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثواء فيها قليل، وأنتم عما قليل عنها راحلون‏.‏

خلائف بعد القرون الماضية الذين استقبلوا من الدنيا آنقها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعماراً، وأمد أجساماً، وأعظم أحلاماً، وأكثر أموالاً وأولاداً، فخددوا الجبال، وجابوا الصخر بالواد، وتنقلوا في البلاد، مؤيدين بطش شديد، وأجساد كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت آثارهم، وأخربت منازلهم وديارهم، وأنست ذكرهم، فهل تحسن منهم من أحد أو وتسمع له ركزاً ‏؟‏

كانوا بلهو الأمل آمنين، وعن ميقات يوم موتهم غافلين، فآبوا إياب قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتاً من عقوبة الله، فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين، وأصبح الباقون المتخلفون يبصرون في نعمة الله وينظرون في آثار نقمته، وزوال نعمته عمن تقدمهم من الهالكين ينظرون والله في مساكن خالية خاوية، وقد كانت بالعز محفوفة، وبالنعم معروفة، والقلوب إليها مصروفة، والأعين نحوها ناظرة، فأصبحت آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى‏.‏

وأصبحتم بعدهم في أجل منقوص ودنيا منقوصة، في زمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه وخيره وصفوه، فلم يبق منه إلا جمة شر، وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير، وإرسال فتن، وتتابع زلال، ورذالة خلف بهم، ظهر الفساد في البر والبحر، يضيقون الديار، ويغلون الأسعار بما يرتكبونه من العار والشنار، فلا تكونوا أشباهاً لمن خدعه الأمل، وغره طول الأجل، ولعبت به الأماني، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن إذا دعي بدر، وإذا نهي انتهى، وعقل مثواه فمهد لنفسه‏.‏

وقد اجتمع الأوزاعي بالمنصور حين دخل الشام ووعظه وأحبه المنصور وعظمه، ولما أراد الانصراف من بين يديه استأذنه أن لا يلبس السواد فأذن له فلما خرج قال المنصور للربيع الحاجب‏:‏ الحقه فاسأله لم كره لبس السواد‏؟‏ ولا تعلمه أني قلت لك‏.‏

فسأله الربيع فقال‏:‏ إني لم أر محرماً أحرم فيه، ولا ميتاً كفن فيه، ولا عروساً جليت فيه، فلهذا أكرهه‏.‏

وقد كان الأوزاعي في الشام معظماً مكرماً أمره أعز عندهم من أمر السلطان، وقد همَّ به بعض مرة فقال له أصحابه‏:‏ دعه عنك والله لو أمر أهل الشام أن يقتلونك لقتلوك‏.‏

ولما مات جلس على قبره بعض الولاة فقال‏:‏ رحمك الله، فوالله لقد كنت أخاف منك أكثر مما أخاف من الذي ولاني - يعني‏:‏ المنصور -‏.‏

وقال ابن العشرين‏:‏ ما مات الأوزاعي حتى جلس وحده وسمع شتمه بأذنه‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/128‏)‏

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة‏:‏ حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، قال‏:‏ كنت جالساً عند الثوري فجاءه رجل، فقال‏:‏ رأيت كأن ريحانة من المغرب - يعني‏:‏ قلعت -‏.‏

قال‏:‏ إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي‏.‏

فكتبوا ذلك فجاء موت الأوزاعي في ذلك اليوم‏.‏

وقال أبو مسهر‏:‏ بلغنا أن سبب موته أن امرأته أغلقت عليه باب حمام فمات فيه، ولم تكن عامدة ذلك، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبه‏.‏

قال‏:‏ وما خلف ذهباً ولا فضةً ولا عقاراً، ولا متاعاً إلا ستة وثمانين، فضلت من عطائه‏.‏

وكان قد اكتتب في ديوان الساحل‏.‏

وقال غيره‏:‏ كان الذي أغلق عليه باب الحمام صاحب الحمام، أغلقه وذهب لحاجة له ثم جاء ففتح الحمام فوجده ميتاً قد وضع يده اليمنى تحت خده وهو مستقبل القبلة رحمه الله‏.‏

قلت‏:‏ لا خلاف أنه مات ببيروت مرابطاً، واختلفوا في سنة وفاته، فروى يعقوب بن سفيان، عن سلمة، قال‏:‏ قال أحمد‏:‏ رأيت الأوزاعي وتوفي سنة خمسين ومائة‏.‏

قال العباس بن الوليد البيروتي‏:‏ توفي يوم الأحد أول النهار لليلتين بقيتا من صفر سنة سبع وخمسين ومائة، وهو الذي عليه الجمهور وهو الصحيح، وهو قول‏:‏ أبي مسهر، وهشام بن عمار، والوليد بن مسلم - في أصح الروايات عنه -، ويحيى بن معين، ودحيم، وخليفة بن خياط، وأبي عبيد، وسعيد بن عبد العزيز، وغير واحد‏.‏

قال العباس بن الوليد‏:‏ ولم يبلغ سبعين سنة، وقال غيره‏:‏ جاوز السبعين، والصحيح سبع وستون سنة، لأن ميلاده في سنة ثمان وثمانون على الصحيح‏.‏

وقيل‏:‏ أنه ولد سنة ثلاث وسبعين، وهذا ضعيف‏.‏

وقد رآه بعضهم في المنام، فقال له‏:‏ دلني على عمل يقربني إلى الله‏.‏

فقال‏:‏ ما رأيت في الجنة درجة أعلى من درجة العلماء العاملين، ثم المحزونين‏.‏