فصل: سنة خمس وتسعين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة خمس وتسعين

فيها غزا العباس بن الوليد بلاد الروم، وافتتح حصوناً كثيرةً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/136‏)‏

وفيها فتح مسلمة بن عبد الملك مدينة في بلاد الروم، ثم حرقها ثم بناها بعد ذلك بعشر سنين‏.‏

وفيها افتتح محمد بن القاسم مدينة المولينا من بلاد الهند، وأخذ منها أموالاً جزيلةً‏.‏

وفيها قدم موسى بن نصير من بلاد الأندلس إلى إفريقية ومعه الأموال على العجل تحمل من كثرتها، ومعه ثلاثون ألف رأس من السبي‏.‏

وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الشاش، ففتح مدناً وأقاليم كثيرة، فلما كان هناك جاءه الخبر بموت الحجاج بن يوسف فقمعه ذلك، ورجع بالناس إلى مدينة مرو، وتمثل بقول بعض الشعراء‏:‏

لعمري لنعم المرء من آل جعفر * بحوران أمسى أعلقته الحبائل

فإن تحي لا أملك حياتي * وإن تمت فما في حياتي بعد موتك طائل

وفيها كتب الوليد إلى قتيبة بأن يستمر على ما هو عليه من مناجزة الأعداء، ويعده على ذلك ويجزيه خيراً، ويثني عليه بما صنع من الجهاد، وفتح البلاد، وقتال أهل الكفر والعناد‏.‏

وقد كان الحجاج استخلف على الصلاة ابنه عبد الله، فولى الوليد الصلاة والحرب بالمصرين - الكوفة والبصرة - يزيد بن أبي كبشة، وولى خراجهما يزيد بن مسلم، وقيل‏:‏ كان الحجاج يستخلفهما على ذلك فأقرهما الوليد، واستمر سائر نواب الحجاج على ما كانوا عليه‏.‏

وكانت وفاة الحجاج لخمس، وقيل‏:‏ لثلاث بقين من رمضان، وقيل‏:‏ مات في شوال من هذه السنة‏.‏

وحج بالناس فيها بشر بن الوليد بن عبد الملك، قاله أبو معشر والواقدي‏.‏

وفيها قتل الوضاحي بأرض الروم ومعه ألف من أصحابه‏.‏

وفي هذه السنة كان مولد أبي جعفر المنصور‏:‏ عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس‏.‏

 وهذه ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته

هو الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوزان، أبو محمد الثقفي‏.‏

سمع ابن عباس، وروى عن أنس، وسمرة بن جندب، وعبد الملك بن مروان، وأبي بردة بن أبي موسى‏.‏

وروى عنه أنس بن مالك، وثابت البناني، وحميد الطويل، ومالك بن دينار، وجواد بن مجالد، وقتيبة بن مسلم، وسعيد بن أبي عروبة‏.‏ قاله ابن عساكر، قال‏:‏ وكانت له بدمشق دور منها‏:‏ دار الرواية بقرب قصر ابن أبي الحديد‏.‏

وولاه عبد الملك الحجاز فقتل ابن الزبير، ثم عزله عنها وولاه العراق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/137‏)‏

وقدم دمشق وافداً على عبد الملك، ثم روى من طريق المغيرة بن مسلم، سمعت أبي يقول‏:‏ خطبنا الحجاج بن يوسف فذكر القبر، فما زال يقول‏:‏ إنه بيت الوحدة، وبيت الغربة، حتى بكى وأبكى من حوله، ثم قال‏:‏ سمعت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يقول‏:‏ سمعت مروان يقول في خطبته‏:‏ خطبنا عثمان بن عفان فقال في خطبته‏:‏ ‏(‏‏(‏ما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر أو ذكره إلا بكى‏)‏‏)‏‏.‏ وهذا الحديث له شاهد في سنن أبي داود وغيره‏.‏

وساق من طريق أحمد بن عبد الجبار‏:‏ ثنا يسار، عن جعفر، عن مالك بن دينار، قال‏:‏ دخلت يوماً على الحجاج فقال لي‏:‏ يا أبا يحيى، ألا أحدثك بحديث حسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏!‏ فقلت‏:‏ بلى ‏!‏ فقال‏:‏ حدثني أبو بردة، عن أبي موسى‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏من كانت له إلى الله حاجة فليدع بها في دبر صلاة مفروضة‏)‏‏)‏‏.‏ وهذا الحديث له شاهد عن فضالة بن عبيد، وغيره في السنن والمسانيد، والله أعلم‏.‏

قال الشافعي‏:‏ سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة دخل على امرأته وهي تتخلل - أي‏:‏ تخلل أسنانها لتخرج ما بينها من أذى - وكان ذلك في أول النهار، فقال‏:‏ والله لئن كنت باكرت الغذاء إنك لرعينةٌ دنيَّةٌ، وإن كان الذي تخللين منه شيء بقي في فيك من البارحة إنك لقذرةٌ، فطلقها فقالت‏:‏ والله ما كان شيء مما ذكرت، ولكنني باكرت ما تباكره الحرة من السواك، فبقيت شظية في فمي منه فحاولتها لأخرجها‏.‏ فقال المغيرة ليوسف أبي الحجاج‏:‏ تزوجها فإنها لخليقة بأن تأتي برجل يسود، فتزوجها يوسف أبو الحجاج‏.‏ قال الشافعي‏:‏ فأخبرت أن أبا الحجاج لما بنى بها واقعها فنام فقيل له في النوم‏:‏ ما أسرع ما ألقحت بالمبير‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ واسم أمه الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي، وكان زوجها الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب، وذكر عنه هذه الحكاية في السواك‏.‏

وذكر صاحب العقد أن الحجاج كان هو وأبوه يعلمان الغلمان بالطائف، ثم قدم دمشق فكان عند روح بن زنباع وزير عبد الملك، فشكا عبد الملك إلى روح أن الجيش لا ينزلون لنزوله ولا يرحلون لرحيله، فقال روح‏:‏ عندي رجل توليه ذلك، فولى عبد الملك الحجاج أمر الجيش، فكان لا يتأخر أحد في النزول والرحيل، حتى اجتاز إلى فسطاط روح بن زنباع وهم يأكلون فضربهم وطوف بهم وأحرق الفسطاط، فشكا روح ذلك إلى عبد الملك، فقال للحجاج‏:‏ لم صنعت هذا‏؟‏ فقال‏:‏ لم أفعله إنما فعله أنت، فإن يدي يدك، وسوطي سوطك، وما ضرك إذا أعطيت روحاً فسطاطين بدل فسطاطه، وبدل الغلام غلامين، ولا تكسرني في الذي وليتني‏؟‏ ففعل ذلك وتقدم الحجاج عنده‏.‏

قال‏:‏ وبنى واسط في سنة أربع وثمانين، وفرغ منها في سنة ست وثمانين، وقيل‏:‏ قبل ذلك‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/138‏)‏

قال‏:‏ وفي أيامه نقّطت المصاحف‏.‏

وذكر في حكايته ما يدل أنه كان أولاً يسمى‏:‏ كليباً، ثم سمى‏:‏ الحجاج‏.‏

وذكر أنه ولد ولا مخرج له حتى فتق له مخرج، وأنه لم يرتضع أياماً حتى سقوه دم جدي ثم دم سالح، ولطّخ وجهه بدمه فارتضع، وكانت فيه شهامة وحب لسفك الدماء، لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الذي لطّخ به وجهه، ويقال‏:‏ إن أمه هي المتمنية لنصر بن حجاج بن علاط، وقيل‏:‏ إنها أم أبيه، والله أعلم‏.‏

وكانت فيه شهامة عظيمة، وفي سيفه رهق، وكان كثير قتل النفوس التي حرمها الله بأدنى شبهة، وكان يغضب غضب الملوك، وكان فيما يزعم يتشبه بزياد بن أبيه، وكان زياد يتشبه بعمر بن الخطاب فيما يزعم أيضاً، ولا سواء ولا قريب‏.‏

وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سليم بن عنز التجيبي قاضي مصر، وكان من كبار التابعين، وكان ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، وكان من الزهادة والعبادة على جانب عظيم، وكان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة وغيرها‏.‏

والمقصود أن الحجاج كان مع أبيه بمصر في جامعها فاجتاز بهما سليم بن عنز هذا فنهض إليه أبو الحجاج فسلم عليه، وقال له‏:‏ إني ذاهب إلى أمير المؤمنين، فهل من حاجة لك عنده‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏!‏ تسأله أن يعزلني عن القضاء‏.‏ فقال‏:‏ سبحان الله ‏!‏‏!‏ والله لا أعلم قاضياً اليوم خيراً منك‏.‏ ثم رجع إلى ابنه الحجاج فقال له ابنه‏:‏ يا أبت أتقوم إلى رجل من تجيب وأنت ثقفي‏؟‏ فقال له‏:‏ يا بني، والله إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا وأمثاله‏.‏ فقال‏:‏ والله ما على أمير المؤمنين أضر من هذا وأمثاله، فقال‏:‏ ولم يا بني‏؟‏ قال‏:‏ لأن هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم، فيحدثونهم عن سيرة أبي بكر وعمر، فيحقر الناس سيرة أمير المؤمنين، ولا يرونها شيئاً عند سيرتهما، فيخلعونه ويخرجون عليه ويبغضونه، ولا يرون طاعته، والله لو خلص لي من الأمر شيء لأضربن عنق هذا وأمثاله‏.‏ فقال له أبوه‏:‏ يا بني والله إني لأظن أن الله عزَّ و جلَّ خلقك شقياً‏.‏ وهذا يدل على أن أباه كان ذا وجاهة عند الخليفة، وأنه كان ذا فراسة صحيحة، فإنه تفرس في ابنه ما آل إليه أمره بعد ذلك‏.‏

قالوا‏:‏ وكان مولد الحجاج في سنة تسع وثلاثين، وقيل‏:‏ في سنة أربعين، وقيل‏:‏ في سنة إحدى وأربعين، ثم نشأ شاباً لبيباً فصيحاً بليغاً حافظاً للقرآن‏.‏

قال بعض السلف‏:‏ كان الحجاج يقرأ القرآن كل ليلة‏.‏

وقال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ ما رأيت أفصح منه ومن الحسن البصري، وكان الحسن أفصح منه‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/139‏)‏

وقال الدارقطني‏:‏ ذكر سليمان بن أبي منيح، عن صالح بن سليمان، قال‏:‏ قال عقبة بن عمرو‏:‏ ما رأيت عقول الناس إلا قريباً بعضها من بعض، إلا الحجاج وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس‏.‏

وتقدم أن عبد الملك لما قتل مصعب بن الزبير سنة ثلاث وسبعين بعث الحجاج إلى أخيه عبد الله بمكة فحاصره بها، وأقام للناس الحج عامئذ، ولم يتمكن ومن معه من الطواف بالبيت، ولا تمكن ابن الزبير ومن عنده من الوقوف، ولم يزل محاصره حتى ظفر به في جمادى سنة ثلاث وسبعين، ثم استنابه عبد الملك على مكة والمدينة والطائف واليمن، ثم نقله إلى العراق بعد موت أخيه بشر، فدخل الكوفة كما ذكرنا، وقال لهم وفعل بهم ما تقدم إيراده مفصلاً، فأقام بين ظهرانيهم عشرين سنة كاملة‏.‏

وفتح فيها فتوحات كثيرة، هائلة منتشرة، حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند، ففتح فيها جملة مدن وأقاليم، ووصلت خيوله أيضاً إلى قريب من بلاد الصين، وجرت له فصول قد ذكرناها‏.‏ ونحن نورد هنا أشياء أخر مما وقع له من الأمور والجراءة والإقدام، والتهاون في الأمور العظام، مما يمدح على مثله ومما يذم بقوله وفعله، مما ساقه الحافظ ابن عساكر وغيره‏:‏

فروى أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن كثير، ابن أخي إسماعيل بن جعفر المديني، ما معناه‏:‏ أن الحجاج بن يوسف صلى مرة بجنب سعيد بن المسيب - وذلك قبل أن يلي شيئاً - فجعل يرفع قبل الإمام ويقع قبله في السجود، فلما سلَّم أخذ سعيد بطرف ردائه - وكان له ذكر يقوله بعد الصلاة - فما زال الحجاج ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره، ثم أقبل عليه سعيد فقال له‏:‏ يا سارق يا خائن، تصلي هذه الصلاة، لقد هممت أن أضرب بهذا النعل وجهك‏.‏ فلم يرد عليه ثم مضى الحجاج إلى الحج، ثم رجع فعاد إلى الشام، ثم جاء نائباً على الحجاز‏.‏

فلما قتل ابن الزبير كرَّ راجعاً إلى المدينة نائباً عليها، فلما دخل المسجد إذا مجلس سعيد بن المسيب، فقصده الحجاج فخشي الناس على سعيد منه، فجاء حتى جلس بين يديه فقال له‏:‏ أنت صاحب الكلمات‏؟‏ فضرب سعيد صدره بيده وقال‏:‏ نعم ‏!‏ قال‏:‏ فجزاك الله من معلم ومؤدب خيراً ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك‏.‏ ثم قام ومضى‏.‏

وروى الرياشي، عن الأصمعي وأبي زيد، عن معاذ بن العلاء، - أخي أبي عمرو بن العلاء - قال‏:‏ لما قتل الحجاج ابن الزبير ارتجت مكة بالبكاء، فأمر الناس فجمعوا في المسجد ثم صعد المنبر فقال بعد حمد الله والثناء عليه‏:‏ يا أهل مكة ‏!‏ بلغني إكباركم قتل ابن الزبير، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها، فنزع طاعة الله واستكن بحرم الله، ولو كان شيء مانع العصاة لمنعت آدم حرمة الله، إن الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، واسجد له ملائكته، وأباح له كرامته، وأسكنه جنته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير والجنة أعظم حرمة من الكعبة، اذكروا الله يذكركم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا إسحاق بن يوسف، ثنا عون، عن أبي الصديق الناجي‏:‏ أن الحجاج دخل على أسماء بنت أبي بكر بعد ما قتل ابنها عبد الله فقال‏:‏ إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم، وفعل‏.‏ فقالت‏:‏ كذبت، كان براً بوالديه، صواماً قواماً، والله لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أنه يخرج من ثقيف كذابان، الآخر منهما شرٌ من الأول، وهو مبير‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/140‏)‏

ورواه أبو يعلى، عن وهب بن بقية، عن خالد، عن عون، عن أبي الصديق‏.‏ قال‏:‏ بلغني أن الحجاج دخل على أسماء فذكر مثله‏.‏

وقال أبو يعلى‏:‏ ثنا زهير، ثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن قيس بن الأحنف، عن أسماء بنت أبي بكر‏.‏ قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة‏.‏ وسمعته يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج من ثقيف رجلان كذاب ومبير‏)‏‏)‏‏.‏ قالت‏:‏ فقلت للحجاج‏:‏ أما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت هو يا حجاج‏.‏

وقال عبيد بن حميد‏:‏ أنبأ يزيد بن هارون، أنبأ العوام بن حوشب، حدثني من سمع أسماء بنت أبي بكر الصديق، تقول للحجاج حين دخل عليها يعزيها في ابنها‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج من ثقيف رجلان مبير وكذاب‏)‏‏)‏‏.‏ فأما الكذاب فابن أبي عبيد - تعني المختار - وأما المبير فأنت‏.‏

وتقدم في صحيح مسلم من وجه آخر أوردناه عند مقتل ابنها عبد الله، وقد رواه غير أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو يعلى‏:‏ ثنا أحمد بن عمر الوكيعي، ثنا وكيع، حدثتنا أم عراب، عن امرأة يقال لها‏:‏ عقيلة، عن سلامة بنت الحر، قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏في ثقيف كذاب ومبير‏)‏‏)‏‏.‏ تفرد به أبو يعلى‏.‏

وقد روى الإمام أحمد‏:‏ عن وكيع، عن أم عراب، - واسمها طلحة - عن عقيلة، عن سلامة، حديثاً آخر في الصلاة، وأخرجه أبو داود وابن ماجه‏.‏

وروى من حديث ابن عمر، فقال أبو يعلى‏:‏ ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن ربيع، ثنا إسرائيل، ثنا عبد الله بن عصمة، قال‏:‏ سمعت ابن عمر‏:‏ ‏(‏‏(‏أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في ثقيف مبيراً وكذاباً‏)‏‏)‏ وأخرجه الترمذي من حديث شريك، عن عبد الله بن عاصم، ويقال عصمة‏.‏ وقال‏:‏ حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ ثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن نافع‏:‏ أن ابن عمر اعتزل ليالي قتال ابن الزبير والحجاج بمنى، فكان لا يصلي مع الحجاج‏.‏

وقال الثوري‏:‏ عن محمد بن المنكدر، عن جابر‏:‏ أنه دخل على الحجاج فلم يسلم عليه، ولم يكن يصلي وراءه‏.‏

وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ أنبأ جرير، عن القعقاع بن الصلت، قال‏:‏ خطب الحجاج فقال‏:‏ إن ابن الزبير غيَّر كتاب الله، فقال ابن عمر‏:‏ ما سلَّطه الله على ذلك، ولا أنت معه، ولو شئت أقول‏:‏ كذبت لفعلت‏.‏

وروي عن شهر بن حوشب وغيره‏:‏ أن الحجاج أطال الخطبة فجعل ابن عمر يقول‏:‏ الصلاة الصلاة مراراً، ثم قام فأقام الصلاة فقام الناس، فصلى الحجاج بالناس، فلما انصرف قال لابن عمر‏:‏ ما حملك على ذلك‏؟‏ فقال‏:‏ إنما نجيء للصلاة فصلِّ الصلاة لوقتها، ثم تفتق ما شئت بعد من تفتقه‏.‏

وقال الأصمعي‏:‏ سمعت عمي يقول‏:‏ بلغني أن الحجاج لما فرغ من ابن الزبير وقدم المدينة لقي شيخاً خارجاً من المدينة، فسأله عن حال أهل المدينة، فقال‏:‏ بشرِّ حال، قتل ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الحجاج‏:‏ ومن قتله‏؟‏ فقال‏:‏ الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله وتهلكته، ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/141‏)‏ من قليل المراقبة لله، فغضب الحجاج غضباً شديداً، ثم قال‏:‏ أيها الشيخ ‏!‏ أتعرف الحجاج إذا رأيته‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏!‏ فلا عرفه الله خيراً ولا وقاه ضراً، فكشف الحجاج عن لثامه وقال‏:‏ ستعلم أيها الشيخ الآن إذا سال دمك الساعة‏.‏ فلما تحقق الشيخ الجد قال‏:‏ والله إن هذا لهو العجب يا حجاج، لو كنت تعرفني ما قلت هذه المقالة، أنا العباس بن أبي داود، أصرع كل يوم خمس مرات، فقال الحجاج‏:‏ انطلق فلا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافاه‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الصمد، ثنا حماد بن سلمة، عن ابن أبي رافع، عن عبد الله بن جعفر، قال خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك‏:‏ أتمكنه من ذلك‏؟‏ فقال‏:‏ وما بأس من ذلك‏.‏ قال‏:‏ أشد الناس والله، قال‏:‏ كيف‏؟‏ قال‏:‏ والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب ما في صدري على آل الزبير منذ تزوجت رملة بنت الزبير، قال‏:‏ وكأنه كان نائماً فأيقظه، فكتب إلى الحجاج يعزم عليه بطلاقها فطلقها‏.‏

وقال سعيد بن أبي عروبة‏:‏ حج الحجاج مرة فمر بين مكة والمدينة، فأتي بغذائه، فقال لحاجبه‏:‏

انظر من يأكل معي، فذهب فإذا أعرابي نائم فضربه برجله، وقال‏:‏ أجب الأمير، فقام فلما دخل على الحجاج قال له‏:‏ اغسل يديك ثم تغدَّ معي، فقال‏:‏ إنه دعاني من هو خير منك، قال‏:‏ ومن‏؟‏ قال‏:‏ الله دعاني إلى الصوم فأجبته، قال‏:‏ في هذا الحر الشديد‏؟‏ قال‏:‏ نعم، صمت ليوم هو أشد حراً منه، قال‏:‏ فأفطر وصم غداً، قال‏:‏ إن ضمنت لي البقاء لغد‏.‏ قال‏:‏ ليس ذلك لي، قال‏:‏ فكيف تسألني عاجلاً بآجل لا تقدر عليه‏؟‏ قال‏:‏ إن طعامنا طعام طيب، قال‏:‏ لم تطيبه أنت ولا الطباخ، إنما طيبته العافية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/142‏)‏

 فصل خطبة الحجاج لأهل العراق

قد ذكرنا كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس وسبعين وخطبته إياهم بغتة، وتهديده ووعيده إياهم، وأنهم خافوه مخافةً شديدةً، وأنه قتل عمير بن ضابئ، وكذلك قتل كُميل بن زياد صبراً، ثم كان من أمره في قتال ابن الأشعث ما قدمنا، ثم تسلط على من كان معه من الرؤساء والأمراء والعباد والقراء، حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير‏.‏

قال القاضي المعافى زكريا‏:‏ ثنا أحمد بن محمد بن سعد الكلبي، ثنا محمد بن زكريا الغلابي، ثنا محمد - يعني ابن عبد الله بن عباس -، عن عطاء - يعني ابن مصعب -، عن عاصم، قال‏:‏ خطب الحجاج أهل العراق بعد دير الجماجم، فقال‏:‏ يا أهل العراق، إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم، والعصب والمسامع، والأطراف، ثم أفضى إلى الأسماخ والأمخاخ، والأشباح والأرواح، ثم ارتع فعشش، ثم باض وفرخ، ثم دب ودرج، فحشاكم نفاقاً وشقاقاً، وأشعركم خلافاً، اتخذتموه دليلاً تتبعونه، وقائداً تطيعونه، ومؤتمناً تشاورونه وتستأمرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو ينفعكم بيان‏؟‏

ألستم أصحابي بالأهواز حيث منيتم المكر، واجتمعتم على الغدر، واتفقتم على الكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا والله أرميكم بطرفي، وأنتم تتسللون لواذاً، وتنهزمون سراعاً‏.‏

ويوم الزاوية وما يوم الزاوية، مما كان من فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم، ونكوس قلوبكم إذ وليتم كالإبل الشاردة عن أوطانها النوازع، لا يسأل المرء منكم عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حين عضكم السلاح، ونخعتكم الرماح‏.‏

ويوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم، بها كانت المعارك والملاحم‏:‏

بضرب يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله

يا أهل العراق، يا أهل الكفران بعد الفجران، والغدران بعد الخذلان، والنزوة بعد النزوات، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/143‏)‏ لا تذكرون نعمة، ولا تشكرون معروفاً، ما استخفكم ناكث، ولا استغواكم غاو، ولا استنقذكم عاصٍ، ولا استنصركم ظالم، ولا استعضدكم خالع، إلا لبيتم دعوته، وأجبتم صيحته، ونفرتم إليه خفافاً وثقالاً، وفرساناً ورجالاً‏.‏

يا أهل العراق، هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر، إلا كنتم أتباعه وأنصاره‏؟‏

يا أهل العراق، ألم تنفعكم المواعظ‏؟‏ ألم تزجركم الوقائع‏؟‏ ألم يشدد الله عليكم وطأته، ويذقكم حر سيفه، وأليم بأسه ومثلاته‏؟‏

ثم التفت إلى أهل الشام فقال‏:‏ يا أهل الشام، إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنه القذر، ويباعد عنها الحجر، ويكنها من المطر، ويحميها من الضباب، ويحرسها من الذباب‏.‏

يا أهل الشام ‏!‏ أنتم الجنة والبرد، وأنتم الملاءة والجلد، أنتم الأولياء والأنصار، والشعار والدثار، بكم يذب عن البيضة والحوذة، وبكم ترمي كتائب الأعداء، ويهزم من عاند وتولى‏.‏

قال ابن أبي الدنيا‏:‏ حدثني محمد بن الحسين، حدثنا عبيد الله بن محمد التميمي‏:‏ سمعت شيخاً من قريش يكنى أبا بكر التيمي، قال‏:‏ كان الحجاج يقول في خطبته - وكان لسناً -‏:‏ إن الله خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها، فأكلوا ثمارها، وشربوا أنهارها، وهتكوها بالمساحي والمرور، ثم أدال الله الأرض منهم فردهم إليها، فأكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها، وشربت دمائهم كما شربوا أنهارها، وقطعتهم في جوفها وفرقت أوصالهم كما هتكوها بالمساحي والمرور‏.‏

ومما رواه غير واحد، عن الحجاج، أنه قال في خطبته في المواعظ‏:‏ الرجل وكلكم ذاك الرجل، رجل خطم نفسه وزمها فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وكفها بزمامها عن معاصي الله، رحم الله امرءاً رد نفسه، امرءاً اتهم نفسه، امرءاً اتخذ نفسه عدوة، امرءاً حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره، امرءاً نظر إلى ميزانه، امرءاً نظر إلى حسابه، امرءاً وزن عمله، امرءاً فكر فيما يقرأ غداً في صحيفته ويراه في ميزانه، وكان عند قلبه زاجراً، وعند همه آمراً، امرءاً أخذ بعنان عمله كما يأخذ بعنان جمله، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كف، امرءاً عقل عن الله أمره، امرءاً فاق واستفاق، وأبغض المعاصي والنفاق، وكان إلى ما عند الله بالأشواق‏.‏ فما زال يقول‏:‏ امرءاً امرءاً، حتى بكى مالك بن دينار‏.‏

وقال المدائني‏:‏ عن عوانه بن الحكم، قال‏:‏ قال الشعبي‏:‏ سمعت الحجاج تكلم بكلام ما سبقه إليه أحد، يقول‏:‏ أما بعد، فإن الله تعالى كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء‏.‏ فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، واقهروا طول الأمل بقصر الأجل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/144‏)‏

وقال المدائني‏:‏ عن أبي عبد الله الثقفي، عن عمه، قال‏:‏ سمعت الحسن البصري يقول‏:‏ وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج، سمعته يقول على هذه الأعواد‏:‏ إن امرءاً ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحريٌّ أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة‏.‏

وقال شريك القاضي، عن عبد الملك بن عمير، قال‏:‏ قال الحجاج يوماً‏:‏ من كان له بلاء أعطيناه على قدره، فقام رجل فقال‏:‏ أعطني فإني قتلت الحسين، فقال‏:‏ وكيف قتلته‏؟‏ قال‏:‏ دسرته بالرمح دسراً، وهبرته بالسيف هبراً، وما أشركت معي في قتله أحداً‏.‏ فقال‏:‏ اذهب فوالله لا تجتمع أنت وهو في موضع واحد، ولم يعطه شيئاً‏.‏

وقال الهيثم بن عدي‏:‏ جاء رجل إلى الحجاج فقال‏:‏ إن أخي خرج مع ابن الأشعث فضرب على اسمي في الديوان، ومنعت العطاء، وقد هدمت داري، فقال الحجاج‏:‏ أما سمعت قول الشاعر‏:‏

حنانَيْكَ من تجنىَّ عليك وقد * تعدَّى الصِحاحَ مبارك الجَرَبِ

ولرب مأخوذٍ بذنب قريبه * ونجا المقارف صاحب الذنب ‏؟‏

فقال الرجل‏:‏ أيها الأمير ‏!‏ إني سمعت الله يقول غير هذا، وقول الله أصدق من هذا‏.‏

قال‏:‏ وما قال‏؟‏

قال‏:‏ ‏{‏قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 78-79‏]‏ قال‏:‏ يا غلام أعد اسمه في الديوان، وابن داره، وأعطه عطاءه، ومر منادياً ينادي‏:‏ صدق الله وكذب الشاعر‏.‏

وقال الهيثم بن عدي‏:‏ عن ابن عباس‏:‏ كتب عبد الملك إلى الحجاج أن أبعث إلي برأس أسلم بن عبد البكري، لما بلغني عنه، فأحضره الحجاج، فقال‏:‏ أيها الأمير أنت الشاهد وأمير المؤمنين الغائب، وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 6‏]‏ وما بلغه باطل، وإني أعول أربعة وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري وهنَّ بالباب، فأمر الحجاج بإحضارهن، فلما حضرن جعلت هذه تقول‏:‏ أنا خالته، وهذه أنا عمته، وهذه أنا أخته، وهذه أنا زوجته، وهذه أنا بنته، وتقدمت إليه جارية فوق الثمان ودون العشرة، فقال لها الحجاج‏:‏ من أنت‏؟‏ فقالت‏:‏ أنا ابنته، ثم قالت‏:‏ أصلح الله الأمير، وجثت على ركبتيها وقالت‏:‏

أحجاجُ لم تشهد مقام بناته * وعماته يندبنه الليل أجمعا

أحجاج كم تقتل به إن قتلته * ثماناً وعشراً واثنتين واربعاً

أحجاج من هذا يقوم مقامه * علينا فمهلاً إن تزدنا تضعضعا

أحجاج إما أن تجود بنعمة * علينا وإما أن تقتلنا معا

قال‏:‏ فبكى الحجاج، وقال‏:‏ والله لا أعنت عليكن ولا زدتكن تضعضعا، ثم كتب إلى عبد الملك بما قال الرجل، وبما قالت ابنته هذه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإطلاقه، وحسن صلته، وبالإحسان إلى هذه الجارية، وتفقدها في كل وقت‏.‏

وقيل‏:‏ إن الحجاج خطب يوماً فقال‏:‏ أيها الناس الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/145‏)‏ فقام إليه رجل فقال له‏:‏ ويحك يا حجاج، ما أصفق وجهك، وأقل حياءك، تفعل ما تفعل وتقول مثل هذا الكلام‏؟‏ خبث وضل سعيك، فقال للحرس‏:‏ خذوه، فلما فرغ من خطبته قال له‏:‏ ما الذي جرأك عليَّ‏؟‏ فقال‏:‏ ويحك يا حجاج، أنت تجترئ على الله ولا أجترئ أنا عليك، ومن أنت حتى لا أجترئ عليك وأنت تجترئ على الله رب العالمين، فقال‏:‏ خلوا سبيله، فأطلق‏.‏

وقال المدائني‏:‏ أتي الحجاج بأسيرين من أصحاب ابن الأشعث فأمر بقتلهما، فقال أحدهما‏:‏ إن لي عندك يداً، قال‏:‏ وما هي‏؟‏ قال‏:‏ ذكر ابن الأشعث يوماً أمك فرددت عليه، فقال‏:‏ ومن يشهد لك‏؟‏ قال‏:‏ صاحبي هذا ‏!‏ فسأله فقال‏:‏ نعم ‏!‏ فقال‏:‏ ما منعك أن تفعل كما فعل‏؟‏ قال‏:‏ بغضك، قال‏:‏ أطلقوا هذا لصدقة، وهذا لفعله‏.‏ فأطلقوهما‏.‏

وذكر محمد بن زياد، عن ابن الأعرابي فيما بلغه‏:‏ أنه كان رجل من بني حنيفة يقال له‏:‏ جحدر بن مالك، وكان فاتكاً بأرض اليمامة، فأرسل الحجاج إلى نائبها يؤنبه ويلومه على عدم أخذه، فما زال نائبها في طلبه حتى أسره وبعث به إلى الحجاج، فقال له الحجاج‏:‏ ما حملك على ما كنت تصنعه‏؟‏ فقال‏:‏ جراءة الجنان، وجفاء السلطان، وكلب الزمان، ولو اختبرني الأمير لوجدني من صالح الأعوان، وشهم الفرسان، ولوجدني من أصلح رعيته، وذلك أني ما لقيت فارساً قط إلا كنت عليه في نفسي مقتدراً، فقال له الحجاج‏:‏ إنا قاذفوك في حائر فيه أسد عاقر فإن قتلك كفانا مؤنتك، وإن قتلته خلينا سبيلك‏.‏ ثم أودعه السجن مقيداً مغلولةً يده اليمنى إلى عنقه، وكتب الحجاج إلى نائبه بكسكر أن يبعث بأسد عظيم ضار، وقد قال جحدر هذا في محبسه هذا أشعاراً يتحزن فيها على امرأته سليمى أم عمرو، يقول في بعضها‏:‏

أليس الليل يجمع أم عمرو * وإيانا فذاك بنا تداني

بلى وترى الهلال كما نراه * ويعلوها النهار إذا علاني

إذا جاوزتما نخلات نجد * وأودية اليمامة فانعياني

وقولا جحدرٌ أمسى رهيناً * يحاذر وقع مصقولٍ يماني

فلما قدم الأسد على الحجاج أمر به فجوع ثلاثة أيام، ثم أبرز إلى حائر - وهو البستان - وأمر بجحدر فأخرج في قيوده ويده اليمنى مغلولة بحالها، وأعطى سيفاً في يده اليسرى، وخلى بينه وبين الأسد، وجلس الحجاج وأصحابه في منظرة، وأقبل جحدر نحو الأسد وهو يقول‏:‏

ليثٌ وليثٌ في مجال ضنك * كلاهما ذو أنفٍ ومحك

وشدة في نفسه وفتك * إن يكشف الله قناع الشك

فهو أحق منزل بترك *

فلما نظر إليه الأسد زأر زأرة شديدة، وتمطى وأقبل نحوه، فلما صار منه على قدر رمح وثب الأسد على جحدر وثبة شديدة، فتلقاه جحدر بالسيف فضربه ضربة خالط ذباب السيف لهواته، فخر الأسد كأنه خيمة قد صرعتها الريح، من شدة الضربة، وسقط جحدر من شدة وثبة الأسد، وشدة موضع القيود عليه، فكبرَّ الحجاج وكبر أصحابه، وأشار جحدر يقول‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/146‏)‏

يا جمل إنك لو رأيت كريهتي * في يوم هولٍ مسدفٍ وعجاج

وتقدمي لليث أرسفُ موثقاً * كيما أساوره على الأخراج

شئنٌ براثنه كأن نيوبه * زرق المعاول أو شباة زجاج

يسمو بناظرتين تحسب فيهما * لهباً أحدَّهما شعاع سراج

وكأنما خيطت عليه عباءة * برقاء أو خرقاً من الديباج

لعلمت أني ذو حفاظٍ ماجدٍ * من نسل أقوام ذوي أبراج

فعند ذلك خيره الحجاج إن شاء أقام عنده، وإن شاء انطلق إلى بلاده، فاختار المقام عند الحجاج، فأحسن جائزته وأعطاه أموالاً‏.‏

وأنكر يوماً أن يكون الحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ابن بنته، فقال له يحيى بن يعمر‏:‏ كذبت ‏!‏ فقال الحجاج‏:‏ لتأتيني على ما قلت ببينة من كتاب الله أو لأضربن عنقك، فقال‏:‏ قال الله‏:‏ ‏{‏وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 84‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 85‏]‏ فعيسى من ذرية إبراهيم، وهو إنما ينسب إلى أمه مريم، والحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال الحجاج‏:‏ صدقت، ونفاه إلى خراسان‏.‏

وقد كان الحجاج مع فصاحته وبلاغته يلحن في حروف من القرآن أنكرها يحيى بن يعمر، منها‏:‏ أنه كان يبدل إن المكسورة بأن المفتوحة وعكسه، وكان يقرأ ‏(‏‏(‏قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم‏{‏‏{‏ إلى قوله ‏{أحب إليكم‏}‏ فيقرأها برفع أحب‏.‏

وقال الأصمعي وغيره‏:‏ كتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس واليوم وغد، فقال للرسول‏:‏ أكان خويلد بن يزيد بن معاوية عنده‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏!‏ فكتب الحجاج إلى عبد الملك‏:‏ أما أمس فأجل، وأما اليوم فعمل، وأما غداً فأمل‏.‏

وقال ابن دريد‏:‏ عن أبي حاتم السجستاني، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى‏.‏ قال‏:‏ لما قتل الحجاج ابن الأشعث وصفت له العراق، وسَّع على الناس في العطاء، فكتب إليه عبد الملك‏:‏ أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم مالاً ينفقه أمير المؤمنين في الأسبوع، وتنفق في الأسبوع مالاً ينفقه أمير المؤمنين في الشهر، ثم قال منشداً‏:‏

عليك بتقوى الله في الأمر كله * وكن يا عبيد الله تخشى وتضرع

ووفر خراج المسلمين وفيأهم * وكن لهم حصناً تجير وتمنع

فكتب إليه الحجاج‏:‏

لعمري لقد جاء الرسول بكتبكم * قراطيس تملا ثم تطوى فتطبع

كتاب أتاني فيه لين وغلظة * وذكرتُ والذكرى لذي اللب تنفع

وكانت أمور تعتريني كثيرة * فأرضخ أو اعتل حيناً فأمنع

إذا كنت سوطاً من عذاب عليهم * ولم يك عندي بالمنافع مطمع ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/147‏)‏

أيرضى بذاك الناس أو يسخطونه * أم أحمد فيهم أم ألام فأقذع

وكان بلاد جئتها حين جئتها * بها كل نيران العداوة تلمع

فقاسيت منها ما علمت ولم أزل * أصارع حتى كدت بالموت أصرع

وكم أرجفوا من رجفة قد سمعتها * ولو كان غيري طار مما يروع

وكنت إذا هموا بإحدى نهاتهم * حسرت لهم رأسي ولا أتقنع

فلو لم يذد عني صناديد منهم * تقسم أعضائي ذئاب وأضبع

قال‏:‏ فكتب إليه عبد الملك‏:‏ أن اعمل برأيك‏.‏

وقال الثوري‏:‏ عن محمد بن المستورد الجمحي، قال‏:‏ أتي الحجاج بسارق فقال له‏:‏ لقد كنت غنياً أن تكسب جناية فيؤتى بك إلى الحاكم فيبطل عليك عضواً من أعضائك، فقال الرجل‏:‏ إذا قلّ ذات اليد سخت النفس بالمتألف‏.‏ قال‏:‏ صدقت، والله لو كان حسن اعتذار يبطل حداً لكنت له موضعاً‏.‏ يا غلام سيف صارم ورجل قاطع، فقطع يده‏.‏

وقال أبو بكر بن مجاهد‏:‏ عن محمد بن الجهم، عن الفراء، قال‏:‏ تغدى الحجاج يوماً مع الوليد بن عبد الملك، فلما انقضى غداؤهما دعاه الوليد إلى شرب النبيذ، فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين الحلال ما أحللت، ولكني أنهى عنه أهل العراق وأهل عملي، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح ‏{‏وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 88‏]‏‏.‏

وقال عمر بن شبة، عن أشياخه، قال‏:‏ كتب عبد الملك إلى الحجاج يعتب عليه في إسرافه في صرف الأموال، وسفك الدماء، ويقول‏:‏ إنما المال مال الله ونحن خزَّانه، وسيان منع حق أو إعطاء باطل‏.‏

وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات‏:‏

إذا أنت لم تترك أموراً كرهتها * وتطلب رضائي في الذي أنا طالبه

وتخشى الذي يخشاه مثلك هارباً * إلى الله منه ضيع الدر حالبه

فإن ترمني غفلةً قرشيةً * فيا ربما قد غص بالماء شاربه

وإن ترمني وثبةً أمويةً * فهذا وهذا كله أنا صاحبه

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/148‏)‏

فلا تعدُ ما يأتيك مني فانْ تعدْ * تقم فاعلمن يوماً عليك نوادبه

فلما قرأه الحجاج كتب‏:‏ أما بعد فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفي في الأموال، والدماء، فوالله ما بالغت في عقوبة أهل المعصية، ولا قضبت حق أهل الطاعة، فإن كان ذلك سرفاً فليحدّ لي أمير المؤمنين حداً أنتهي إليه ولا أتجاوزه، وكتب في أسفل الكتاب‏:‏

إذا أنا لم أطلب رضاك وأتقي * أذاك فيومي لا توارت كواكبه

إذا قارف الحجاج فيك خطيئة * فقامت عليه في الصباح نوادبه

أسالم من سالمت من ذي هوادةٍ * ومن لا تسالمه فإني محاربة

إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه * وأقص الذي تسرى إليَّ عقاربه

فمن يتقي يومي ويرجو إذا عدى * على ما أرى والدهر جمٌ عجائبه

وعن الشافعي أنه قال‏:‏ قال الوليد بن عبد الملك للغاز بن ربيعة أن يسأل الحجاج فيما بينه وبينه‏:‏ هل يجد في نفسه مما أصاب من الدنيا شيئاً‏؟‏ فسأله كما أمره، فقال‏:‏ والله ما أحب أن لي لبنان أو سبير ذهباً أنفقه في سبيل الله مكان ما أبلاني الله في الطاعة، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 فصل فيما رُوي عنه من الكلمات النافعة والجراءة البالغة

قال أبو داود‏:‏ ثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو بكر، عن عاصم، قال‏:‏ سمعت الحجاج وهو على المنبر يقول‏:‏ اتقوا الله ما استطعتم، ليس فيها مثنوية، واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك، والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم وأموالهم، والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالاً، وما عذيري من عبد هذيل يزعم أن قرآنه من عند الله، والله ما هي الأرجز من رجز الأعراب ما أنزلها الله على بنيه صلى الله عليه وسلم، وعذيري من هذه الحمراء، يزعم أحدهم يرمي بالحجر فيقول لي‏:‏ إن تقع الحجر حدث أمر، فوالله لأدعنهم كالأمس الدابر‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/149‏)‏

قال‏:‏ فذكرته للأعمش فقال‏:‏ وأنا والله سمعته منه‏.‏

وروراه أبو بكر بن أبي خيثمة، عن محمد بن يزيد، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود والأعمش، أنهما سمعا الحجاج - قبحه الله - يقول ذلك، وفيه‏:‏ والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا الباب لحلت لي دماؤكم، ولا أجد أحداً يقرأ على قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه، ولأحكنها من المصحف ولو بضلع خنزير‏.‏

وروراه غير واحد عن أبي بكر بن عياش بنحوه، وفي بعض الروايات‏:‏ والله لو أدركت عبد هذيل لأضربن عنقه‏.‏

وهذا من جراءة الحجاج قبحه الله، وإقدامه على الكلام السيئ، والدماء الحرام‏.‏

وإنما نقم على قراءة ابن مسعود رضي الله عنه لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام الذي جمع الناس عليه عثمان، والظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه، والله أعلم‏.‏

وقال علي بن عبد الله بن مبشر، عن عباس الدوري، عن مسلم بن إبراهيم، ثنا الصلت بن دينار، سمعت الحجاج على منبر واسط يقول‏:‏ عبد الله بن مسعود رأس المنافقين لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه‏.‏

قال وسمعته على منبر واسط وتلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 35‏]‏ قال‏:‏ والله إن كان سليمان لحسوداً‏.‏

وهذه جراءة عظيمة تفضي به إلى الكفر قبحه الله وأخزاه وأبعده وأقصاه‏.‏

قال أبو نعيم، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال‏:‏ جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال‏:‏ إني جئتك من عند رجل يملي المصاحف عن ظهر قلب، ففزع عمر وغضب وقال‏:‏ ويحك، انظر ما تقول قال ما جئتك إلا بالحق، قال‏:‏ من هو‏؟‏ قال‏:‏ عبد الله بن مسعود‏.‏ قال‏:‏ ما أعلم أحداً أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك‏.‏ إنا سهرنا ليلة في بيت عند أبي بكر في بعض ما يكون من حاجة النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرجنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بيني وبين أبي بكر، فلما انتهينا إلى المسجد إذا رجل يقرأ فقام النبي صلى الله عليه وسلم يستمع إليه، فقلت‏:‏ يا رسول الله أعتمت فغمزني بيده - يعني اسكت - قال‏:‏ فقرأ وركع وسجد وجلس يدعو ويستغفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ سل تعطه ثم قال‏:‏ من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد فعلمت أنا وصاحبي أنه عبد الله بن مسعود، فلما أصبحت غدوت إليه لأبشره فقال‏:‏ سبقك بها أبو بكر وما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه‏)‏‏)‏ وهذا الحديث قد روي من طرق‏:‏

فرواه حبيب بن حسان، عن زيد بن وهب، عن عمر مثله، ورواه شعبة وزهير وخديج، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله‏.‏

ورواه عاصم، عن عبد الله‏.‏

ورواه الثوري وزائدة، عن الأعمش نحوه‏.‏

وقال أبو داود‏:‏ حدثنا عمر بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن حمير بن مالك، قال‏:‏ سمعت عبد الله بن مسعود يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زبد بن ثابت لصبي مع الصبيان، فأنا لا أدع ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/150‏)‏

وقد رواه الثوري، وإسرافيل، عن أبي إسحاق به، وفي رواية ذكرها الطبراني، عنه، قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لقد تلقيت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت، وله ذؤابة يلعب مع الغلمان‏)‏‏)‏‏.‏

وقد روى أبو داود، عنه وذكر قصة رعيه الغنم لعقبة بن أبي معيط، وأنه قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنك غلام معلم، قال‏:‏ فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه أبو أيوب الإفريقي وأبو عوانة، عن عاصم، عن زر، عنه، نحوه‏.‏ وقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إذ نك أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك‏)‏‏)‏‏.‏ وقد روي هذا عنه من طرق‏.‏

وروى الطبراني، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أن عبد الله كان صاحب الوساد والسواد والسواك والنعلين‏.‏

وروى غيره، عن علقمة، قال‏:‏ قدمت الشام فجلست إلى أبي الدرداء فقال لي‏:‏ ممن أنت‏؟‏ فقلت‏:‏ من أهل الكوفة، فقال‏:‏ أليس فيكم صاحب الوساد والسواك‏؟‏

وقال الحارث بن أبي أسامة‏:‏ حدثنا عبد العزيز بن أبان، حدثنا قطر بن خليفة، حدثنا أبو وائل، قال‏:‏ سمعت حذيفة يقول وابن مسعود قائم‏:‏ لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أقربهم وسيلة يوم القيامة‏.‏

وقد روي هذا عن حذيفة، من طرق فرواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن حذيفة، ورواه عن أبي وائل، فاضل الأحدب وجامع بن أبي راشد، وعبيدة وأبو سنان الشيباني، وحكيم بن جبير، ورواه عبد الرحمن بن يزيد، عن حذيفة‏.‏

وقال أبو داود الطيالسي‏:‏ حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال‏:‏ سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول‏:‏ قلنا لحذيفة أخبرنا برجل قريب الهدى والسمت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نلزمه، فقال‏:‏ ما أعلم أحداً أقرب هدياً وسمتاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يواريه جدار بيته من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة‏.‏

قلت‏:‏ فهذا حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا قوله في عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‏.‏ فكذب الحجاج وفجر، ولقم النار والحجر فيما يقوله فيه، وفي رميه له بالنفاق، وفي قوله عن قراءته‏:‏ إنها شعر من شعر هذيل، وإنه لا بد أن يحكها من المصحف ولو بضلع خنزير، وأنه لو أدركه لضرب عنقه، فحصل على إثم ذلك كله بنيته الخبيثة‏.‏

وقال عفان‏:‏ حدثنا حماد، حدثنا عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال‏:‏ كنت أجتني لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكاً من أراك، فكانت الريح تكفوه، وكان في ساقه دقة، فضحك القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما يضحككم ‏؟‏‏)‏‏)‏ قالوا‏:‏ من دقة ساقيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه جرير وعلي بن عاصم، عن مغيرة، عن أم موسى، عن علي بن أبي طالب‏.‏

وروى سلمة بن سهل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏تمسكوا بعهد عبد الله بن أم مسعود‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه الترمذي والطبراني‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبا الأحوص قال‏:‏ شهدت أبا موسى وأبا مسعود حين توفي ابن مسعود وأحدهما يقول لصاحبه‏:‏ أتراه ترك بعده مثله‏.‏ قال إن قلت ذاك إنه كان ليؤذن له إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا‏.‏

وقال الأعمش‏:‏ يعني عبد الله بن مسعود‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/151‏)‏

وقال أبو معاوية‏:‏ حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، قال‏:‏ أقبل عبد الله بن مسعود ذات يوم وعمر جالس فقال‏:‏ كيف ملء فقهاً‏.‏

وقال عمر بن حفص‏:‏ حدثنا عاصم بن علي، حدثنا المسعودي، عن أبي حصين، عن أبي عطية، أن أبا موسى الأشعري قال‏:‏ لا تسألونا عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهرنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - يعني ابن مسعود -‏.‏

وروى جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن عروة، عن أبي البختري، قال‏:‏ قالوا لعلي‏:‏ حدثنا عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ عن أيهم‏؟‏ قالوا‏:‏ حدثنا عن ابن مسعود‏.‏ قال‏:‏ علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علماً‏.‏

وفي رواية عن علي، قال‏:‏ علم القرآن ثم وقف عنده وكفى به‏.‏ فهداتنا و الصحابة العالمون به، العارفون بما كان عليه، فهم أولى بالاتباع وأصدق أقوالاً من أصحاب الأهواء الحائدين عن الحق، بل أقوال الحجاج وغيره من أهل الأهواء‏:‏ هذيانات وكذب وافتراء، وبعضها كفر وزندقة، فإن الحجاج كان عثمانياً أموياً، يميل إليهم ميلاً عظيماً، ويرى أن خلافهم كفر، يستحل بذلك الدماء، ولا تأخذه في ذلك لومة لائم‏.‏

ومن الطامات أيضاً ما رواه أبو داود‏:‏ ثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، ثنا جرير‏.‏ وحدثنا زهير بن حرب، ثنا جرير، عن المغيرة، عن بُزَيع بن خالد الضبي قال‏:‏ سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته‏:‏ رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله‏؟‏ فقلت في نفسي‏:‏ لله علي أن لا أصلي خلفك صلاة أبداً، وإن وجدت قوماً يجاهدونك لأجاهدنك معهم‏.‏ زاد إسحاق فقاتل في الجماجم حتى قتل‏.‏ فإن صح هذا عنه فظاهره كفر إن أراد تفضيل منصب الخلافة على الرسالة، أو أراد أن الخليفة من بني أمية أفضل من الرسول‏.‏

وقال الأصمعي‏:‏ ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا أبو حفص الثقفي، قال‏:‏ خطب الحجاج يوماً فأقبل عن يمينه فقال‏:‏ ألا إن الحجاج كافر، ثم أطرق فقال‏:‏ إن الحجاج كافر، ثم أطرق فأقبل عن يساره فقال‏:‏ ألا إن الحجاج كافر، فعل ذلك مراراً ثم قال‏:‏ كافر يا أهل العراق باللات والعزى‏.‏

وقال حنبل بن إسحاق‏:‏ ثنا هارون بن معروف، ثنا ضمرة، ثنا ابن شوذب، عن مالك بن دينار، قال‏:‏ بينما الحجاج يخطبنا يوماً إذ قال‏:‏ الحجاج كافر، قلنا ماله أي شيء‏؟‏ يريد قال‏:‏ الحجاج كافر بيوم الأربعاء والبغلة الشهباء‏.‏

وقال الأصمعي‏:‏ قال عبد الملك يوماً للحجاج‏:‏ ما من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه، فصف عيب نفسك‏.‏ فقال‏:‏ اعفني يا أمير المؤمنين، فأبى، فقال‏:‏ أنا لجوج حقود حسود، فقال عبد الملك‏:‏ ما في الشيطان شر مما ذكرت، وفي رواية أنه قال‏:‏ إذا بينك وبين إبليس نسب‏.‏

وبالجملة فقد كان الحجاج نقمة على أهل العراق بما سلف لهم من الذنوب والخروج على الأئمة، وخذلانهم لهم، وعصيانهم، ومخالفتهم، والافتيات عليهم، قال يعقوب بن سفيان‏:‏ حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن شريح بن عبيد، عمن حدثه، قال‏:‏ جاء رجل إلى عمر ابن الخطاب فأخبره أن أهل العراق حصبوا أميرهم فخرج غضبان، فصلى لنا صلاة فسها فيها حتى جعل الناس يقولون‏:‏ سبحان الله سبحان الله، فلما سلم أقبل على الناس فقال‏:‏ من ههنا من أهل الشام‏؟‏ فقام رجل ثم قام آخر ثم قمت أنا ثالثاً أو رابعاً، فقال‏:‏ يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ، اللهم إنهم قد لبسوا عليهم فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي، يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/152‏)‏

وقد رويناه في كتاب مسند عمر بن الخطاب، من طريق أبي عذبة الحمصي، عن عمر مثله، وقال عبد الرزاق‏:‏ ثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، عن الحسن قال علي بن أبي طالب‏:‏ اللهم كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحت لهم فغشوني، فسلط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيها بحكم الجاهلية‏.‏

قال يقول الحسن‏:‏ وما خلق الحجاج يومئذ‏.‏

ورواه معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أيوب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن علي، أنه قال‏:‏ الشاب الذيال أمير المصرين يلبس فروتها ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه الفرق، ويكثر منه الأرق، ويسلطه الله على شيعته‏.‏

وقال الحافظ البيهقي في دلائل النبوة‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، ثنا سعيد بن مسعود، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبي ثابت، قال‏:‏ قال علي لرجل‏:‏ لامت حتى تدرك فتى ثقيف، قال‏:‏ وما فتى ثقيف‏؟‏ قال‏:‏ ليقالن له يوم القيامة اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين سنة أو بضعاً وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لم يبق إلا معصية واحدة، وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يقتل بمن أطاعه من عصاه‏.‏

وقال الطبراني‏:‏ حدثنا القاسم بن زكريا، ثنا إسماعيل بن موسى السدوسي، ثنا علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الشعبي، عن أم حكيم بنت عمر بن سنان الجدلية قالت‏:‏ استأذن الأشعث بن قيس على علي فرده قنبر فأدمى أنفه فخرج علي فقال‏:‏ مالك وله يا أشعث، أما والله لو بعبد ثقيف تحرشت لا قشعرت شعيرات أستك، قيل له‏:‏ يا أمير المؤمنين ومن عبد ثقيف‏؟‏ قال‏:‏ غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا ألبسهم ذلاً، قيل‏:‏ كم يملك‏؟‏ قال‏:‏ عشرين إن بلغ‏.‏

وقال البيهقي، أنبأنا الحاكم، أنبأ الحسن بن الحسن بن أيوب، ثنا أبو حاتم الرازي، ثنا عبد الله بن يوسف التنيسي، ثنا ابن يحيى الغاني، قال‏:‏ قال عمر بن عبد العزيز‏:‏ لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/153‏)‏

وقال أبو بكر بن عياش‏:‏ عن عاصم بن أبي النجود، أنه قال‏:‏ ما بقيت لله عز وجل حرمه إلا وقد ارتكبها الحجاج‏.‏

وقد تقدم الحديث‏:‏ ‏(‏‏(‏إن في ثقيف كذاباً ومبيراً‏)‏‏)‏ وكان المختار هو الكذاب المذكور في هذا الحديث، وقد كان يظهر الرفض أولاً ويبطن الكفر المحض، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف هذا، وقد كان ناصبياً يبغض علياً وشيعته في هوى آل مروان بني أمية، وكان جباراً عنيداً، مقداماً على سفك الدماء بأدنى شبهة‏.‏

وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر كما قدمنا، فإن كان قد تاب منها وأقلع عنها، وإلا فهو باق في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه، فإن الشيعة كانوا يبغضونه جداً لوجوه، وربما حرفوا عليه بعض الكلم، وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات‏.‏

وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويتجنب المحارم ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج، وإن كان متسرعاً في سفك الدماء، فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وساترها، وخفيات الصدور وضمائرها‏.‏

قلت‏:‏ الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله عز وجل، وقد كان حريصاً على الجهاد وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطي على القرآن كثيراً، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمائة درهم، والله أعلم‏.‏

وقال المعافى بن زكريا الجريري المعروف بابن طرار البغدادي‏:‏ ثنا محمد بن القاسم الأنباري ، ثنا أبي، ثنا أحمد بن عبيد، ثنا هشام أبو محمد بن السائب الكلبي، ثنا عوانة بن الحكم الكلبي قال‏:‏ دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف فلما وقف بين يديه قال له‏:‏ إيه إيه يا أنيس يوم لك مع علي، ويوم لك مع ابن الزبير، ويوم لك مع ابن الأشعث، والله لأستأصلنك كما تستأصل الشاة، ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة‏.‏ فقال أنس‏:‏ إياي يعني الأمير أصلحه الله‏؟‏ قال‏:‏ إياك أعني صك الله سمعك‏.‏

قال أنس‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لولا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قتلت، ولا أي ميتة مت، ثم خرج من عند الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجاج، فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضباً، وشفق عجباً، وتعاظم ذلك من الحجاج، وكان كتاب أنس إلى عبد الملك‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الملك بن مرروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك، أما بعد‏:‏ فإن الحجاج قال لي هُجراً، وأسمعني نكراً، ولم أكن لذلك أهلاً، فخذلي على يديه، فإني أمت بخدمتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتي إياه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/154‏)‏

فبعث عبد الملك إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - وكان مصادقاً للحجاج - فقال له‏:‏ دونك كتابي هذين فخذهما واركب البريد إلى العراق، وابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فارفع كتابي إليه وأبلغه مني السلام، وقل له‏:‏ يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتاباً إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك، وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ من عبد الملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج، وما سلطته عليك ولا أمرته بالإساءة إليك، فإن عاد لمثلها اكتب إلى بذلك أنزل به عقوبتي، وتحسن لك معونتي، والسلام‏.‏

فلما قرأ أنس كتاب أمير المؤمنين وأخبر برسالته قال‏:‏ جزى الله أمير المؤمنين عني خيراً، وعافاه وكفاه وكافأه بالجنة، فهذا كان ظني به والرجاء منه‏.‏ فقال إسماعيل بن عبيد الله لأنس‏:‏ يا أبا حمزة إن الحجاج عامل أمير المؤمنين، وليس بك عنه غنى، ولا بأهل بيتك، ولو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك، فقاربه وداره تعش معه بخير وسلام‏.‏ فقال أنس‏:‏ أفعل إن شاء الله‏.‏ ثم خرج إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجاج، فقال الحجاج‏:‏ مرحباً برجل أحبه وكنت أحب لقاه، فقال إسماعيل‏:‏ أنا والله كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به، فتغير لون الحجاج وخاف وقال‏:‏ ما أتيتني به‏؟‏ قال‏:‏ فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس غضباً عليك، ومنك بعداً، قال‏:‏ فاستوى الحجاج جالساً مرعوباً، فرمى إليه إسماعيل بالطومار فجعل الحجاج ينظر فيه مرة ويعرق، وينظر إلى إسماعيل أخرى، فلما فضَّه قال‏:‏ قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه ونترضّاه، فقال له إسماعيل‏:‏ لا تعجل، فقال‏:‏ كيف لا أعجل وقد أتيتني بآبدة‏؟‏ وكان في الطومار‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور، فسموت فيها وعدوت طورك، وجاوزت قدرك، وركبت داهية إدَّا، وأردت أن تبدوا لي فإن سوغتكها مضيت قدماً، وإن لم أسوغها رجعت القهقرى، فلعنك الله من عبد أخفش العينين، منقوص الجاعرتين‏.‏ أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، وحفرهم الآبار، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل، يا ابن المستفرية بعجم الزبيب، والله لأغمرنك غمر الليث الثعلب، والصقر الأرنب‏.‏ وثبت على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبن أظهرنا، فلم تقبل له إحسانه، ولم تتجاوز له عن إساءته، جرأة منك على الرب عز وجل، واستخفافاً منك بالعهد، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلاً خدم عزير بن عزرى، وعيسى بن مريم، لعظمته وشرفته وأكرمته وأحبته، بل لو رأوا من خدم حمار العزير أو خدم حواري المسيح لعظموه وأكرموه، فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين، يطلعه على سره، ويشاوره في أمره، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله، وإلا أتاك مني سهم بكل حتف قاض، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون‏.‏

وقد تكلم ابن طرار على ما وقع في هذا الكتاب من الغريب، وكذلك ابن قتيبة وغيرهما من أئمة اللغة، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/155‏)‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الزبير - يعني ابن عدي - قال‏:‏ أتينا أنس بن مالك نشكو إليه ما نلقى من الحجاج، فقال‏:‏ اصبروا فإنه لا يأتي عليكم عام أو زمان أو يوم إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم عز وجل، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم‏.‏

وهذا رواه البخاري عن محمد بن يوسف، عن سفيان وهو الثوري، عن الزبير بن عدي، عن أنس قال‏:‏ لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه‏.‏ الحديث‏.‏

قلت‏:‏ ومن الناس من يروي هذا الحديث بالمعنى فيقول‏:‏ كل عام ترذلون‏.‏ وهذا اللفظ لا أصل له، وإنما هو مأخوذ من معنى هذا الحديث، والله أعلم‏.‏

قلت‏:‏ قد مر بي مرة من كلام عائشة مرفوعاً وموقوفاً‏:‏ كل يوم ترذلون‏.‏

ورأيت للإمام أحمد كلاماً قال فيه‏:‏ وروي في الحديث كل يوم ترذلون نسماً خبيثاً‏.‏

فيحتمل هذا أنه وقع للإمام أحمد مرفوعاً، ومثل أحمد لا يقول هذا إلا عن أصل‏.‏

وقد روي عن الحسن مثل ذلك، والله أعلم‏.‏

فدل على أن له أصلاً إما مرفوعاً وإما من كلام السلف، لم يزل يتناوله الناس قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، حتى وصل إلى هذه الأزمان، وهو موجود في كل يوم، بل في كل ساعة تفوح رائحته، ولا سيما من بعد فتنة تمرلناك، وإلى الآن نجد الرذالة في كل شيء، وهذا ظاهر لمن تأمله، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

وقد قال سفيان الثوري‏:‏ عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال‏:‏ يأتي على الناس زمان يصلّون فيه على الحجاج‏.‏

وقال أبو نعيم‏:‏ عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر‏.‏ قال‏:‏ قال الشعبي‏:‏ والله لئن بقيتم لتمنون الحجاج‏.‏

وقال الأصمعي‏:‏ قيل للحسن‏:‏ إنك تقول‏:‏ الآخر شر من الأول، وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج‏.‏ فقال الحسن‏:‏ لا بد للناس من تنفيسات‏.‏

وقال ميمون بن مهران‏:‏ بعث الحجاج إلى الحسن وقد هم به، فلما قام بين يديه قال‏:‏ يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب‏؟‏ قال‏:‏ كثير، قال‏:‏ فأين هم‏؟‏ قال‏:‏ ماتوا‏.‏ قال‏:‏ فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن‏.‏

وقال أيوب السختياني‏:‏ إن الحجاج أراد قتل الحسن مراراً فعصمه الله منه، وقد ذكر له معه مناظرات، على أن الحسن لم يكن ممن يرى الخروج عليه، وكان ينهى أصحاب ابن الأشعث عن ذلك، وإنما خرج معهم مكرهاً كما قدمنا، وكان الحسن يقول‏:‏ إنما هو نقمة فلا نقابل نقمة الله بالسيف، وعليكم بالصبر والسكينة والتضرع‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/156‏)‏

وقال ابن دريد‏:‏ عن الحسن بن الحضر، عن ابن عائشة‏.‏ قال‏:‏ أتى الوليد بن عبد الملك رجل من الخوارج، فقيل له‏:‏ ما تقول في أبي بكر وعمر‏؟‏ فأثنى خيراً، قال‏:‏ فعثمان‏؟‏ فأثنى خيراً، قيل له‏:‏ فما تقول في علي‏؟‏ فأثنى خيراً، فذكر له الخلفاء واحداً بعد واحد، فيثني على كل بما يناسبه، حتى قيل له‏:‏ فما تقول في عبد الملك بن مروان‏؟‏ فقال‏:‏ الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من بعض خطاياه‏؟‏

وقال الأصمعي‏:‏ عن علي بن مسلم الباهلي، قال‏:‏ أتي الحجاج بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلاماً، فقال لها بعض الشرط‏:‏ يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه‏؟‏ فقالت‏:‏ إني لأستحي من الله أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه، فأمر بها فقتلت‏.‏

وقد ذكرنا في سنة أربع وتسعين كيفية مقتل الحجاج لسعيد بن جبير، وما دار بينهما من الكلام والمراجعة‏.‏

وقد قال أبو بكر بن أبي خيثمة‏:‏ ثنا أبو ظفر، ثنا جعفر بن سليمان، عن بسطام بن مسلم، عن قتادة، قال‏:‏ قيل لسعيد بن جبير‏:‏ خرجت على الحجاج‏؟‏ قال‏:‏ إني والله ما خرجت عليه حتى كفر‏.‏

ويقال‏:‏ إنه لم يقتل بعده إلا رجلاً واحداً اسمه ماهان، وكان قد قتل قبله خلقاً كثيراً، أكثرهم ممن خرج مع ابن الأشعث‏.‏

وقال أبو عيسى الترمذي‏:‏ ثنا أبو داود سليمان بن مسلم البلخي، ثنا النضر بن شميل، عن هشام بن حسان، قال‏:‏ أحصوا ما قتل الحجاج صبراً فبلغ مائة ألف وعشرين ألفاً‏.‏

قال الأصمعي‏:‏ ثنا أبو عاصم، عن عباد بن كثير، عن قحدم، قال‏:‏ أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحداً وثمانين ألف أسير كانوا في سجن الحجاج، وقيل‏:‏ إنه لبث في سجنه ثمانون ألفاً، منهم ثلاثون ألف امرأة، وعرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفاً، لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب، وكان فيمن حبس أعرابي وجد يبول في أصل ربض مدينة واسط، وكان فيمن أطلق فأنشأ يقول‏:‏

إذا نحن جاوزنا مدينة واسط * خرينا وصلينا بغير حساب

وقد كان الحجاج مع هذا العنف الشديد لا يستخرج من خراج العراق كبير أمر‏.‏

قال ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي‏:‏ ثنا سليمان بن أبي سنح، ثنا صالح بن سليمان، قال‏:‏ قال عمر بن عبد العزيز‏:‏ لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة، لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فأخسَّ به إلى أن صيره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدى إلى عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدي إلي ما أدى إلى عمر بن الخطاب مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف‏.‏

وقال أبو بكر بن المقري‏:‏ ثنا أبو عروبة، ثنا عمرو بن عثمان، ثنا أبي، سمعت جدي، قال‏:‏ كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة‏:‏ بلغني أنك تستن بسنن الحجاج، فلا تستن بسننه، فإنه كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/157‏)‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ ثنا سعيد بن أسد، ثنا ضمرة، عن الريان بن مسلم‏.‏ قال‏:‏ بعث عمر بن عبد العزيز بآل بيت أبي عقيل - أهل بيت الحجاج - إلى صاحب اليمن وكتب إليه‏:‏ أما بعد فإني قد بعثت بآل أبي عقيل وهم شر بيت في العمل، ففرقهم في العمل على قدر هوانهم على الله وعلينا، وعليك السلام‏.‏ وإنما نفاهم‏.‏

وقال الأوزاعي‏:‏ سمعت القاسم بن مخيمرة، يقول‏:‏ كان الحجاج ينقض عرى الإسلام، وذكر حكاية‏.‏

وقال أبو بكر بن عياش‏:‏ عن عاصم‏:‏ لم يبق لله حرمة إلا ارتكبها الحجاج بن يوسف‏.‏

وقال يحيى بن عيسى الرملي‏:‏ عن الأعمش‏:‏ اختلفوا في الحجاج فسألوا مجاهداً فقال‏:‏ تسألون عن الشيخ الكافر‏.‏

وروى ابن عساكر، عن الشعبي، أنه قال‏:‏ الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله العظيم، كذا قال، والله أعلم‏.‏

وقال الثوري‏:‏ عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال‏:‏ عجباً لإخواننا من أهل العراق، يسمون الحجاج مؤمناً ‏؟‏‏!‏

وقال الثوري‏:‏ عن ابن عوف، سمعت أبا وائل يسأل عن الحجاج‏:‏ أتشهد أنه من أهل النار‏؟‏ قال‏:‏ أتأمروني أن أشهد على الله العظيم‏؟‏

وقال الثوري‏:‏ عن منصور‏:‏ سألت إبراهيم عن الحجاج أو بعض الجبابرة فقال‏:‏ أليس الله يقول‏:‏ ‏{‏أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 18‏]‏‏.‏

وبه قال إبراهيم‏:‏ وكفى بالرجل عمىً أن يعمى عن أمر الحجاج‏.‏

وقال سلام بن أبي مطيع‏:‏ لأنا بالحجاج أرجى مني لعمرو بن عبيد، لأن الحجاج قتل الناس على الدنيا، وعمرو بن عبيد أحدث للناس بدعة شنعاء، قتل الناس بعضهم بعضاً‏.‏

وقال الزبير‏:‏ سببت الحجاج يوماً عند أبي وائل فقال‏:‏ لا تسبه لعله قال يوماً‏:‏ اللهم ارحمني فيرحمه، إياك ومجالسة من يقول‏:‏ أرأيت أرأيت أرأيت‏.‏

وقال عوف‏:‏ ذكر الحجاج عند محمد بن سيرين فقال‏:‏ مسكين أبو محمد، إن يعذبه الله عز وجل فبذنبه، وإن يغفر له فهنيئاً له، وإن يلق الله بقلب سليم فهو خير منا، وقد أصاب الذنوب من هو خير منه، فقيل له‏:‏ ما القلب السليم‏؟‏ قال‏:‏ أن يعلم الله تعالى منه الحياء والإيمان، وأن يعلم أن الله حق، وأن الساعة حق قائمة، وأن الله يبعث من في القبور‏.‏

وقال أبو قاسم البغوي‏:‏ ثنا أبو سعيد، ثنا أبو أسامة، قال‏:‏ قال رجل لسفيان الثوري‏:‏ أتشهد على الحجاج وعلى أبي مسلم الخراساني أنهما في النار‏؟‏ قال‏:‏ لا ‏!‏ إن أقرَّا بالتوحيد‏.‏

وقال الرياشي‏:‏ حدثنا عباس الأزرق، عن السري بن يحيى، قال‏:‏ مر الحجاج في يوم جمعة فسمع استغاثة، فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقيل‏:‏ أهل السجون يقولون‏:‏ قتلنا الحر، فقال‏:‏ قولوا لهم‏:‏ اخسؤوا فيها ولا تكلمون‏.‏ قال‏:‏ فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة حتى قصمه الله قاصم كل جبار‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ رأيته وهو يأتي الجمعة وقد كاد يهلك من العلة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/158‏)‏

وقال الأصمعي‏:‏ لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته، فقال في خطبته‏:‏ إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم فقالوا‏:‏ مات الحجاج، ومات الحجاج، فمَهْ ‏؟‏‏!‏ فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت‏؟‏ والله ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس‏.‏

قال الله له‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 15‏]‏، فأنظره إلى يوم الدين‏.‏

ولقد دعا الله العبد الصالح فقال‏:‏ ‏{‏وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 35‏]‏، فأعطاه الله ذلك إلا البقاء‏.‏

ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال‏:‏ ‏{‏تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 101‏]‏، فما عسى أن يكون أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل‏.‏

كأني والله بكل حي منكم ميتاً، وبكل رطب يابساً، ثم نقل في أثياب أكفانه ثلاثة أذرع طولاً، في ذراع عرضاً، فأكلت الأرض لحمه، ومصت صديده، وانصرف الخبيث من ولده يقسم الخبيث من ماله، إن الذين يعقلون يعقلون ما أقول، ثم نزل‏.‏

وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني‏:‏ عن أبيه، عن جده، عن عمر بن عبد العزيز، أنه قال‏:‏ ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على حبه القرآن، وإعطائه أهله عليه، وقوله حين حضرته الوفاة‏:‏ اللهم اغفر لي، فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل‏.‏

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا‏:‏ حدثنا علي بن الجعد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر‏.‏ قال‏:‏ كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج، فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت‏:‏ اللهم اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل‏.‏

قال‏:‏ وحدثني بعض أهل العلم قال‏:‏ قيل للحسن‏:‏ إن الحجاج قال عند الموت كذا وكذا، قال‏:‏ قالها‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم ‏!‏ قال‏:‏ فما عسى‏.‏

وقال أبو العباس المري، عن الرياشي، عن الأصمعي، قال‏:‏ لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول‏:‏

يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا * بأنني رجل من ساكني النار

أيحلفون على عمياء ويحهم * ما علمهم بعظيم العفو غفار

قال‏:‏ فأخبر بذلك الحسن، فقال‏:‏ بالله إن نجا لينجون بهما‏.‏

وزاد بعضهم في ذلك‏:‏

إن الموالي إذا شابت عبيدهم * في رقهم عتقوهم عتق أبرار

وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً * قد شبت في الرق فاعتقني من النار

وقال ابن أبي الدنيا‏:‏ ثنا أحمد بن عبد الله التيمي، قال‏:‏ لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته، حتى أشرفت جارية فبكت، فقالت‏:‏ ألا إن مطعم الطعام، وميتم الأيتام، ومرمل النساء، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات، ثم أنشأت تقول‏:‏

اليوم يرحمنا من كان يبغضنا * واليوم يأمننا من كان يخشانا ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/159‏)‏

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، أنه أخبر بموت الحجاج مراراً، فلما تحقق وفاته قال‏:‏ ‏{‏فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 45‏]‏‏.‏

وروى غير واحد‏:‏ أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكراً لله تعالى، وكان مختفياً فظهر، وقال‏:‏ اللهم أمتَّه فأذهب عنا سنته‏.‏

وقال حماد بن أبي سليمان‏:‏ لما أخبرت إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح‏.‏

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة‏:‏ ثنا سليمان بن أبي شيخ، ثنا صالح بن سليمان، قال‏:‏ قال زياد بن الربيع بن الحارث لأهل السجن‏:‏ يموت الحجاج في مرضه هذا في ليلة كذا وكذا، فلما كانت تلك الليلة لم ينم أهل السجن فرحاً، جلسوا ينظرون حتى يسمعوا الناعية، وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان‏.‏

وقيل‏:‏ كان ذلك لخمس بقين من رمضان، وقيل‏:‏ في شوال من هذه السنة، وكان عمره إذ ذاك خمساً وخمسين سنة، لأن مولده كان عام الجماعة سنة أربعين، وقيل‏:‏ بعدها بسنة، وقيل‏:‏ قبلها بسنة‏.‏

مات بواسط، وعفى قبره، وأجرى عليه الماء لكيلا ينبش ويحرق، والله أعلم‏.‏

وقال الأصمعي‏:‏ ما كان أعجب حال الحجاج، ما ترك إلا ثلاثمائة درهم‏.‏

وقال الواقدي‏:‏ ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد، حدثني عبد الرحمن بن عبيد الله بن فرق، ثنا عمي، قال‏:‏ زعموا أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمائة درهم، ومصحفاً وسيفاً وسرجاً ورحلاً ومائة درع موقوفة‏.‏

وقال شهاب بن خراش‏:‏ حدثني عمي يزيد بن حوشب قال‏:‏ بعث إلى أبو جعفر المنصور، فقال‏:‏ حدثني بوصية الحجاج بن يوسف، فقال‏:‏ اعفني يا أمير المؤمنين، فقال‏:‏ حدثني بها، فقلت‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيى، وعليها يموت، وعليها يبعث، وأوصى بتسعمائة درع حديد، ستمائة منها لمنافقي أهل العراق يغزون بها، وثلاثمائة للترك‏.‏ قال‏:‏ فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي - وكان قائماً على رأسه - فقال‏:‏ هذه والله الشيعة لا شيعتكم‏.‏

وقال الأصمعي، عن أبيه، قال‏:‏ رأيت الحجاج في المنام، فقلت‏:‏ ما فعل الله بك‏؟‏ فقال‏:‏ قتلني بكل قتلة قتلت بها إنساناً، قال‏:‏ ثم رأيته بعد الحول، فقلت‏:‏ يا أبا محمد ما صنع الله بك‏؟‏ فقال‏:‏ يا ماص بظر أمه أما سألت عن هذا عام أول‏؟‏

وقال القاضي أبو يوسف‏:‏ كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين رأيت الحجاج البارحة في النوم، قال‏:‏ في أي زي رأيته‏؟‏ قال‏:‏ في زي قبيح، فقلت‏:‏ ما فعل الله بك‏؟‏ فقال‏:‏ ما أنت وذاك يا ماص بظر أمه ‏!‏ فقال هارون‏:‏ صدق والله، أنت رأيت الحجاج حقاً، ما كان أبو محمد ليدع صرامته حياً وميتاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/160‏)‏

وقال حنبل بن إسحاق‏:‏ ثنا هارون بن معروف، ثنا ضمرة بن أبي شوذب، عن أشعث الخراز‏.‏ قال‏:‏ رأيت الحجاج في المنام في حالة سيئة، فقلت‏:‏ يا أبا محمد ما صنع بك ربك‏؟‏ قال‏:‏ ما قتلت أحداً قتلة إلا قتلني بها‏.‏ قال‏:‏ ثم أمر بي إلى النار، قلت‏:‏ ثم مه‏؟‏ قال‏:‏ ثم أرجو ما يرجوا أهل لا إله إلا الله‏.‏

قال‏:‏ وكان ابن سيرين يقول‏:‏ إني لأرجو له، فبلغ ذلك الحسن فقال‏:‏ أما والله ليخلفن الله رجاءه فيه‏.‏

وقال أحمد بن أبي الحواري‏:‏ سمعت أبا سليمان الداراني يقول‏:‏ كان الحسن البصري لا يجلس مجلساً إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه، قال‏:‏ فرآه في منامه، فقال له‏:‏ أنت الحجاج‏؟‏ قال‏:‏ أنا الحجاج، قال‏:‏ ما فعل الله بك‏؟‏ قال‏:‏ قتلت بكل قتيل قتلته، ثم عزلت مع الموحدين‏.‏ قال‏:‏ فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه، والله أعلم‏.‏

وقال ابن أبي الدنيا‏:‏ حدثنا حمزة بن العباس، حدثنا عبد الله بن عثمان، أنبأ ابن المبارك، أنبأنا سفيان‏.‏ قال‏:‏ قدم الحجاج على عبد الملك بن مروان وافداً ومعه معاوية بن قرة، فسأل عبد الملك معاوية عن الحجاج فقال‏:‏ إن صدقناكم قتلتمونا، وإن كذبناكم خشينا الله عز وجل، فنظر إليه الحجاج فقال له عبد الملك‏:‏ لا تعرض له، فنفاه إلى السند فكان له بها مواقف‏.‏