فصل: تفسير الآيات (52- 54):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التسهيل لعلوم التنزيل



.تفسير الآيات (45- 46):

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)}
{لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً} تقليل لمدة بقائهم في الدنيا أو في القبور {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} يعني يوم الحشر فهوعلى هذا حال من الضمير في يلبثوا {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} شرط جوابه وإلينا مرجعهم. والمعنى إن أريناك بعض عذابهم في الدنيا فذلك وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا مرجعهم {ثُمَّ الله شَهِيدٌ} ذكرت ثم لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر، قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها وهو العقاب، فالترتيب على هذا صحيح {فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ} قيل: مجيئه في الآخرة للفصل، وقيل: مجيئه في الدنيا وهو بعثه.

.تفسير الآيات (48- 51):

{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51)}
{وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد} كلام فيه استبعاد واستخفاف {بياتا} أي بالليل {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون} المعنى أي شيء يستعجلون من العذاب وهو ما لا طاقة لكم به، وقوله: ماذا جواب إن أتاكم، والجملة متعلقة بأرأيتم {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} دخلت همزة التقرير على ثم العاطفة، والمعنى إذا وقع العذاب وعاينتموه آمنتم به الآن، وذلك لا ينفعكم لأنكم كنتم تستعجلونه ومكذبين به.

.تفسير الآيات (52- 54):

{ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54)}
{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ} أي يسألونك هل الوعيد حق أو هل الشرع والدين حق؟ والأول أرجح، لقوله: وما أنتم بمعجزين: أي لا تفوتون من الوعيد {قُلْ إِي} أي نعم {ظَلَمَتْ} صفة لنفس، أي لو ملك الظالم الدنيا لافتدى بها من عذاب الآخرة {وَأَسَرُّواْ الندامة} أي أخفوها في نفوسهم، وقيل: أظهروها.

.تفسير الآيات (57- 58):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)}
{مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني القرآن {وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور} أي يشفي ما فيها من الجهل والشك {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فبذلك فَلْيَفْرَحُواْ} يتعلق بفضل بقوله: فليفرحوا، وكرر الباء في قوله فبذلك تأكيداً، والمعنى: الأمر أن يفرحوا بفضل الله وبرحمته لا بغيرهما، والفضل والرحمة عموم، وقد قيل: الفضل الإسلام، والرحمة القرآن {هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي فضل الله ورحمته خير مما يجمعون من حطام الدنيا.

.تفسير الآيات (59- 60):

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60)}
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ} الآية: مخاطبة لكفار العرب الذي حرّموا البَحيرة والسائبة وغير ذلك {قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} متعلق بأرأيتم، وكرر قل للتأكيد، ولما قسم الأمر إلى إذن الله لهم وافترائهم ثبت افتراؤهم، لأنهم معترفون أن الله لم يأذن لهم في ذلك {وَمَا ظَنُّ} وعيد للذين يفترون {يَوْمَ القيامة} ظرف منصوب بالظن، والمعنى: أي شيء يظنون أن يفعل بهم في ذلك اليوم.

.تفسير الآية رقم (61):

{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)}
{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} الشأن الأمر، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وجميع الخلق، ولذلك قال في آخرها: وما تعملون من عمل بمخاطبة الجماعة، ومعنى الآية: إحاطة علم الله بكل شيء {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ} الضمير عائد على القرآن وإن لم يتقدم ذكره لدلالة ما بعده عليه، كأنه قال: ما تتلو شيئاً من القرآن، وقيل: يعود على الشأن، والأول أرجح، لأن الاضمار قبل الذكر تفخيم للشيء {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} يقال: أفاض الرجل في الأمر إذا أخذ فيه بجدّ {وَمَا يَعْزُبُ} ما يغيب {مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ} وزنها والذرة صغار النمل، قال الزمخشري: إن قلت لم قدمت الأرض على السماء بخلاف سورة سبأ؟ فالجواب: أن السماء تقدمت في سبأ لأن حقها التقديم، وقدمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادة على أهل الأرض {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ} من قرأهما بالفتح فهو عطف على لفظ مثقال، ومن قرأهما بالرفع فهو عطف على موضعه أو رفع بالابتداء.

.تفسير الآيات (62- 64):

{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)}
{أَوْلِيَآءَ الله} اختلف الناس في معنى الولي اختلافاً كثيراً، والحق فيه ما فسره الله بعد هذا بقوله: {الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}، فمن جمع بين الإيمان والتقوى فهو الولي، وإعراب {الذين آمَنُواْ} صفة للأولياء، أو منصوب على التخصيص، أو مرفوع بإضمار: هم الذين ولا يكون ابتداء مستأنفاً لئلا ينقطع مما قبله {لَهُمُ البشرى فِي الحياوة الدنيا وَفِي الآخرة} أما بشرى الآخرة فهي الجنة اتفاقاً، وأما بشرى الدنيا فيه الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: محبة الناس للرجل الصالح، وقيل: ما بشّر به في القرآن من الثواب {لاَ تَبْدِيلَ لكلمات الله} أي لا تغيير لأقواله ولا خُلْفَ لمواعيده، وقد استدل ابن عمر على أن القرآن لا يقدر أحد أن يبدله.

.تفسير الآيات (65- 66):

{وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66)}
{وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} يعني ما يقوله الكفار من التكذيب {إِنَّ العزة للَّهِ} إخبارٌ في ضمنه وعدٌ للنبي صلى الله عليه وسلم بالنصر، وتسلية له {وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن} فيها وجهان: أحدهما أن تكون ما نافية وأوجبت بقوله: إلا الظن: وكرر إن يتبعون توكيداً، والمعنى ما يتبع الكفار إلا الظن، والوجه الثاني: أن تكون ما استفهامية، ويتم الكلام عند قوله شركاء، والمعنى أي شيء يتبعون على وجه التحقير لما يتبعونه، ثم ابتدأ الإخبار بقوله إن يتبعون إلا الظن، والعامل في شركاء على الوجهين يدعون.

.تفسير الآيات (67- 68):

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68)}
{لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} من السكون وهو ضدّ الحركة {والنهار مُبْصِراً} أي مضيئاً تبصرون فيه الأشياء {قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً} الضمير للنصارى ولمن قال: إن الملائكة بنات الله {هُوَ الغني} وصف يقتضي نفي الولد والردّ على من نسبه إليه، لأن الغني المطلق لا يفتقر إلى اتخاذ ولد {لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} بيان وتأكيد للغني، وباقي الآية توبيخ للكفار ووعيد لهم.

.تفسير الآيات (70- 73):

{مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)}
{متاع فِي الدنيا} تقديره: لهم متاع في الدنيا {نُوحٍ} روي أن اسمه عبد الغفار، وإنما سمي نوحاً لكثرة نوحه على نفسه من خوف الله {كَبُرَ عَلَيْكُمْ} أي صعب وشق {مَّقَامِي} أي قيامي لوعظكم والكلام معكم، وقيل: معناه مكاني يعني نفسه، كقولك: فعلت ذلك لمكان فلان {فأجمعوا} بقطع الهمزة من أجمع الأمر إذا عزم عليه، وقرئ بألف وصل من الجمع {وَشُرَكَآءَكُمْ} أي ما تعبدون من دون الله، وإعرابه: مفعول معه، أو مفعول بفعل مضمر تقديره: ادعو شركاءكم، وهذا على القراءة بقطع الهمزة، وأما على الوصل فهو معطوف {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} أي لا يكون قصدكم إلى هلاكي مستوراً ولكن مكشوفاً تجاهرونني به وهو من قولك: غم الهلال إذا لم يظهر، والمراد بقوله: أمركم في الموضعين إهلاككم لنوح عليه السلام، أي: لا تقصروا في إهلاكي إن قدرتم على ذلك {ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ} أي انفذوا فيما تريدون، ومعنى الآية أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: إن صعب عليكم دعائي لكم إلى الله فاصنعوا بي غاية ما تريدون، وإني لا أبالي بكم لتوكلي على الله وثقتي به سبحانه {وَجَعَلْنَاهُمْ خلائف} أي يخلفون من هلك بالغرق.

.تفسير الآيات (74- 77):

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77)}
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً} يعني: هوداً وصالحاً وإبراهيم وغيرهم {أَسِحْرٌ هذا} قيل إنه معمول أتقولون، فهو من كلام قوم فرعون وهذا ضعيف، لأنهم كانوا يصممون على أنه سحر لقولهم: {إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} فكيف يستفهمون عنه.
وقيل: إنه كلام موسى تقريراً وتوبيخاً فيوقف على قوله: {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ}، ويكون معمول أتقولون محذوف تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم إنه لسحر، ويدل على هذا المحذوف ما حكى عنهم من قولهم: إن هذا لسحر مبين، فلما تم الكلام ابتدأ موسى توبيخهم بقوله: أسحر هذا ولا يفلح الساحرون؟ وهذا هو اختيار شيخنا الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير رحمه الله.

.تفسير الآيات (78- 82):

{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)}
{لِتَلْفِتَنَا} أي لتصرفنا وتردّنا عن دين آبائنا {وَتَكُونَ لَكُمَا الكبريآء} أي الملك، والخطاب لموسى وأخيه عليهما السلام {مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر} ما موصولة مرفوعة بالابتداء والسحر الخبر وقرئ السحر بالاستفهام فما على هذا استفهامية، والسحر خبر ابتداء مضمر {وَيُحِقُّ الله الحق} يحتمل أن يكون من كلامم موسى أو إخبار من الله تعالى.

.تفسير الآية رقم (83):

{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)}
{فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} الضمير عائد على موسى، ومعنى الذرية شبان وفتيان من بني إسرائيل آمنوا به على خوف من فرعون، وقيل: إن الضمير عائد على فرعون، فالذرية على هذا من قوم فرعون، وروي في هذا أنها امرأة فرعون وخازنته وامرأة خازنه، وهذا بعيد، لأن هؤلاء لا يقال لهم ذرية، ولأن الضمير ينبغي أن يعود على أقرب مذكور {خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ} الضمير يعود على الذرية أي آمنت الذرية من بني إسرائيل، على خوف من فرعون وملأ من بني إسرائيل، لأن الأكابر من بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم من الإيمان خوفاً من فرعون، وقيل: يعود على فرعون بمعنى آل فرعون كما يقال ربيعة ومضر أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له {أَن يَفْتِنَهُمْ} بدل من فرعون {لَعَالٍ فِي الأرض} أي متكبر قاهر.

.تفسير الآيات (85- 87):

{فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)}
{رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين} أي لا تمكنهم من عذابنا فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما عذبناهم فيفتنون بذلك {أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} أي اتخذ لهم بيوتاً للصلاة والعبادة، وقيل: إنه أراد الإسكندرية {واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي مساجد وقيل: موجهة إلى جهة القبلة، فإن قيل: لم خص موسى وهارون بالخطاب في قوله أن تبوآ. ثم خاطب معهما بنو إسرائيل في قوله: واجعلوا، فالجواب: أن قوله تبوّآ من الأمور التي يختص بها الأنبياء وأولوا الأمر {وَبَشِّرِ المؤمنين} أمر لموسى عليه السلام، وقيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم.

.تفسير الآية رقم (88):

{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)}
{رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} دعاء بلفظ الأمر، وقيل: اللام لام كي وتتعلق بقوله: آتيت {اطمس على أموالهم} أي أهلكها {واشدد على قُلُوبِهِمْ} أي اجعلها شديدة القسوة {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} جواب للدعاء الذي هو اشدد، ودعاء بلفظ النفي.

.تفسير الآيات (89- 92):

{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)}
{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} الخطاب لموسى وهارون على أنه لم يذكر الدعاء إلى عن موسى وحده، لكن كان موسى يدعو وهارون يؤمن على دعائه، {فاستقيما} أي اثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة إلى الله {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ} أي لحقهم يقال: تبعه حتى أتبعه، هكذا قال الزمخشري.
وقال ابن عطية أتبع بمعنى تبع وأما اتبع بالتشديد فهو: طلب الأثر، سواء أدرك أو لم يدرك {لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ} يعني الله عز وجل، وفي لفظ فرعون مجهلة وتعنت لأنه لم يصرح باسم الله {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} أي قيل له: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار، وذلك لا يُقبل منك {نُنَجِّيكَ} أي نبعدك مما جرى لقومك من الوصول إلى قعر البحر، وقيل: نلقيك على نجوة من الأرض أي على موضع مرتفع {بِبَدَنِكَ} أي بجسدك جسداً بدون روح، وقيل بدرعك، وكانت له درع من ذهب يعرف بها والمحذوف في موضع الحال والباء للمصاحبة {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} أي لمن وراءك آية وهم بنو إسرائيل.