فصل: سنة أربع وسبعمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: السلوك لمعرفة دول الملوك (نسخة منقحة)



.سنة ثلاث وسبعمائة:

فيها انتدب الأمراء لعمارة ما خرب من الجوامع بالزلزلة، وأنفقوا فيها مالا جزيلاً.
وقدم الأمير برلغي الأشرفي من الحجاز، وشكى من قلة مهابة الشريفين أبي الغيث وعطيفة وكثرة طمع العبيد في المجاورين بمكة. فأفرج عن الشريفين حميضة ورميثة من السجن، وأحضرا إلى المجلس السلطاني وخلع عليهما بكلفتانزركش، فلم يلبسها حميضة إلا بعد التمنع والتهديد بالعود إلى الحبس. وأجلسا فوق جميع الأمراء، ونزلا إلى منازلهما وحمل إليهما سائر ما يحتاجان إليه، وهاداهما الأمراء، وأجريت لهما الرواتب والجرايات والكسوات، وركبا مع السلطان في الميدان، ولعب حميضة مع السلطان بالكرة.
وفيها سارت العساكر من القاهرة للغارة على بلاد سيس، وعليهم الأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح، ومعه الأمير علم الدين سنجر الصوابي والأمير شمس الدين سنقر شاه المنصوري ومضافيهم، وكتب إلى طرابلس وحماة وصفد وحلب بخروج العساكر إليها. فوصل الأمير بدر الدين بكتاش إلى دمشق في ثاني عشر رمضان، وخرج منها بعسكر دمشق، فسار إلى حلب وأتته عساكر البلاد، فمرض وأقام بحلب، وسار ابنه بالعساكر، وحرقوا مزارع سيس وخربوا الضياع وأسروا أهلها، ونازلوا تل حمدون وقد امتنع بقلعتها جماعة كثيرة من الأرمن، فقاتلوهم حتى فتحت بالأمان، وأخذوا منها ستة ملوك من ملوك الأرمن. فشق ذلك على تكفور ملك سيس، وقصد نكاية الملوك على تسليمهم قلعة تل حمدون بالأمان، وكتب إلى نائب حلب بأن ملوك القلاع هم الذين كانوا يمنعون من حمل الخراج، فلا تفرجوا عن أحد منهم، فليس عندي من يزن المال سواهم. فأمر النائب بقتلهم، فضربت رقاب الملوك الخمسة، وأسلم منهم صاحب قلعة نجيمة والتزم بأخذ سيس، فحمل إلى مصر وكتب صحبته بعود العساكر بالغنائم، فسر الأمراء والسلطان بذلك، وأكرم صاحب قلعة نجيمة، وكتب بعود العساكر.
وقدم البريد بموت الأمير عز الدين أيبك الحموي نائب حمص، فكتب بلبان الجوكندار نائب قلعة دمشق باستقراره في نيابة حمص، وتوجه إليها في ثامن عشرى جمادى الأولى، وولى عوضه نيابة قلعة دمشق بهادر السنجري.
وفيها وقع موتان في الخيول ببلاد الشام، فمات من حلب ودمشق نحو الثمانين ألف فرس، وفشا الموتان في خيول مصر أيضاً، فهلك كثير منها. ووقع ببلاد الساحل جراد كثير، وفيها ارتفعت أسعار الغلال بمصر، وبلغ الأردب القمح أربعين درهماً لتقاصر زيادة النيل، ثم انحط السعر عن قليل وأبيع بخمسة وعشرين درهماً.
وفيها سار الأمير بدر الدين جنغلي بن شمس الدين البابا أحد مقدمي التتار وافداً إلى الأبواب السلطانية بأهله وأتباعه، فلما قدم البريد بمسيره كتب إلى نائب حلب، فتلقاه وبالغ في إكرامه، وتلقاه نائب دمشق ودخل به في حادي عشر ذي القعدة. ومازالت الإقامات تتلقاه حتى قدم إلى القاهرة، فخرج الأمير بيبرس الجاشنكير إلى لقائه ومعه الأمراء إلى قبة النصر، وصعد به إلى أن قبل الأرض بين يدي السلطان في ثالث ذي الحجة، وأنزل في دار بقلعة الجبل.
وفيها أخرج الأمير بهاء الدين قراقوش الظاهري على إمرة بصفد، وأنعم على جنغلي بإمرته- وهى طبلخاناه، وكتب له بزيادة مائة ألف درهم. ثم نقل إلى إمرة مائة، وأنعم على أمير على من ألزامه بإمرة عشرة، وعلى نيروز من ألزامه بتقدمة ألف، وبعث الأمراء إليه بالهدايا.
وفيها قدم رسول ملك الفرنج الريدراكون البرشلوني بهدية جليلة القدر للسلطان وللأمراء، وسأل فتح كنائس النصارى فأجيب إلى ذلك، وفتحت كنيسة اليعاقبة بحارة زويلة وكنيسة الملكيين بالبندقانيين. وجهز جوابه مع فخر الدين عثمان أستادار الأمير عز الدين الأفرم، فاقترض نحو الستين ألف درهم، وبالغ في التجمل. فلما كان وقت السفر دفع الرسل ملطفاً من ملكهم إلى السلطان يسأل في فك رجل ممن أسر بجزيرة أرواد، فأفرج عنه وسار معهم إلى الإسكندرية، فبعث بعض الأسرى يعرف السلطان بأن: هذا الذي أفرج عنه ابن ملك كبير، ولو أردتم فيه مركباً ملآن بالذهب لحمله إليكم في فكه، فكتب برده فعاد من الإسكندرية وقيد على ما كان. وركب الرسل البحر، حتى إذا أبعدوا عن الإسكندرية أنزلوا الأمير فخر الدين عثمان في قارب وأمروه بالعود، وأخذوا كل ما معه. فألقاه الريح على ساحل الإسكندرية، وحمل إلى مصر، فشكا إلى الأمراء أن الذي أخذ له دين عليه، فلم يلتفت أحد إليه، وكتب إلى الإسكندرية بإيقاع الحوطة على من يرد من فرنج برشلونة.
وفيها كملت عمارة المدرسة الناصرية بين القصرين.
وفيها نقل السلطان أمه من التربة المجاورة للمشهد النفيسي إلى التربة الناصرية بين القصرين، وموضع هذه المدرسة الناصرية كان داراً عرفت أخيراً بالأمير سيف الدين بلبان الرشيدي، فاشتراها الملك العادل كتبغا وشرع في بنائها مدرسة، وعمل بوابتها من أنقاض مدينة عكا، وهى بوابة كنيسة بها. فلما حضرت هذه البوابة إلى القاهرة- مع الأمير علم الدين الدواداري، متولي تخريب عكا وصور وعثليث وغيرها من القلاع التي فتحها الملك الأشرف خليل بن قلاوون- أخذها الأمير بيدرا، وقتل وهي على حالها، فعملها كتبغا على هذه المدرسة. وخلع كتبغا قبل أن تكمل، فاشتراها السلطان على يد قاضي القضاة رين الدين محلى بن مخلوف وأتمها، وعمل لها الأوقاف الجليلة ومن جملتها قيسارية أمير على بخط الشرابشيين، والربع المعروف بالدهشة قريباً من باب زويلة، وحوانيت بباب الزهومة، والحمام المعروفة بالفخرية بجوار المدرسة السيفية، ودار أم السلطان، وحمامي الشيخ خضر بظاهر القاهرة، بخط بستان ابن صيرم والجامع الظافري، ودار الطعم خارج مدينة دمشق. ورتب بها قاضي القضاة زين الدين على بن مخلوف مدرس المالكية، وقاضي القضاة شمس الدين احمد السروجي مدرس الحنفية، وقاضي القضاة شرف الدين عبد الغني الحراني مدرس الحنابلة، وصدر الدين محمد بن المرحل مدرس الشافعية.
وفيها ولد للسلطان من زوجته أردكين الأشرفية ابن على، ولقبه بالملك المنصور، وعمل له مهما أراد أن يستمر سبعة أيام، فلم يوافقه الأمراء على ذلك وعمل يوماً واحداً وفيها شرع الأمير سلار النائب في التجهيز إلى الحجاز.
وفيها تشاجر الوزير عز الدين أيبك البغدادي وناصر الدين محمد بن الشيخي متولي الجيزة، وسببها تعاظم ابن الشيخي على الوزير، وانحصار الأقباط منه لوفور حرمته وشدة ضبطه، فاتفقوا مع الوزير على أن يحققوا في جهته وجهات مماليكه من الأموال الديوانية مبلغاً كثيراً، فتحدث الوزير في ذلك مع الأمير سلار النائب، لعلمه بكراهته في ابن الشيخي. فطلب ابن الشيخي والدواوين وحضر الأمراء، وانتدب لمحاققته التاج الطويل مستوفي الدولة. وأفحش التاج الطويل في مخاطبته، وهو يخرج مما يلزم به بحجج يظهرها، ثم اشتد حنقه وقام على قدميه وقال: وحق نعمة مولانا السلطان هؤلاء! الأقباط أكلوا الأموال، وإن تسلمتهم لآخذن منهم للسلطان ثلاثمائة ألف دينار أكتب بها خطي. فقال له التاج: صرت أنت تأمر وتنهي يا ناصر الدين، ولو طلعت رأسك في السماء كنت عندي ضامناً بتقارير مكتتبة عليك كسائر الضمان. فغضب الأمير بيبرس الجاشنكير، وقال للتاج: والك ما كفي كذبكم حتى تجعل أميراً مثل ضامن والله ما يأكل مال السلطان غيركم، وأمر بإقامته من المجلس. وقال الأمير بيبرس لابن الشيخي: إيش قلت؟ تحمل من جهة هؤلاء ما قلت؟ قال: نعم!، فرسم للوزير والحجاب بجمع الدواوين وتسليمهم له وانفضوا، فلم يبت أحد من الكتاب عنده، فا خلا ناظري الدولة وهما تاج الدين عبد الرحيم بن السنهوري، وشهاب الدين غازي بن الواسطي، وألزمهم بعمل حساب الدولة لثلاث سنين وضيق عليهم، وأهان التاج الطويل ونكل به. وأخذ التاج بن سعيد الدولة في مساعدة ابن الشيخي، وصار يأتيه في الليل ويرتبه، طهر في جهة الكتاب شىء كثير، فشكره بيبرس وعرف الأمراء بذلك، فرعوا له بعقوبة الكتاب واستخراج المال منهم، فقام الشهاب بن الواسطي في الحط على ابن الشيخي قياماً زائداً، وقال: يا أمراء! هذا ما يحل، وما بلغ قدر هذا الرجل بالأمس وهو في دكان يخيط الأقباع، ثم فقير دائر يستعطي، ثم ضامن في ساحل الغلة، قد صار في حفدة ومماليك، وعمل ولاية القاهرة بأقبح سيرة. فبلغ ذلك ابن الشيخي فأوقع الحوطة عليه، وسأل الأمير بيبرس فيه فسلمها له، فلما دخل عليه مع الرسل أخرق به وأمر أن يعرى من ثيابه، فمازال به الحاضرون حتى عفا عنه من خلع ثيابه، وضربه تحت رجليه ثلاث ضربات. ثم خاف العاقبة فأكرم ابن الوسطي وتلطف به وبالكتاب، وحمل منهم ثلاثمائة ألف درهم، وأفرج عنهم بعد مشاورة الأمير بيبرس. فشق ذلك على الوزير، وسعى في السفر إلى الحجاز مع الأمير سلار، فأجيب إلى ذلك.
وسعى ابن الشيخي بالأمير بكتمر أمير جندار والأمير برلغي وينجار، ووعدهم أنه يؤجرهم البلاد والدواليب ويقوم عنهم بكلفها، وأهدى إليهم حتى ملأ أعين أعدائه وأصدقائه، وعمل للأمير سلار من ألات السفر شيئاً كثيراً، ومازال يسعى بحاشية سلار، وهو يمتنع من إجابتهم، ويردهم أقبح رد لبغضه فيه حتى خدعوه وأجاب. فاستقر ابن الشيخي في الوزارة يوم الإثنين تاسع عشر شوال، بغير رضا سلار، إلا أنه لم يجد بداً من ولايته. ونزل في موكب عظيم إلى داره بجوار المشهد الحسيني من القاهرة، وتعاظم على الناس تعاظماً زائداً.
وفيها سار الأمير سلار النائب إلى الحجاز، ومعه نحو الثلاثين أميراً: منهم سنقر الكمالي الحاجب، وعلم الدين سنجر الجاولي، وسنقر الأعسر، وكوري، وسودي، وبكتوت القرماني، وبكتوت الشجاعي، والطواشي شهاب الدين مرشد. وتأخر الأمير سلار، بعد خروج الركب مع الأمير سيف الدين أناق الحسامي أمير الركب، وبعث إلى الحجاز في البحر عشرة آلاف أردب غلة وبعث سنقر الأعسر ألف أردب، وبعث سائر الأمراء القمح للتفرقة في أهل الحرمين، فعم النفع بهم.
وفيها ورد الخبر بموت غازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو ملك المغل، في ثالث عشر شوال بنواحي الري، من مرض حاد، وكانت مدته ثمان ستين وعشرة أشهر. وقام بعده أخوه خدا بندا بن أرغون، وجلس على تخت الملك في ثالث عشرى ذي الحجة، وتلقب بغياث الدين محمد، وكتب إلى السلطان بجلوسه، وطلبه للصلح وإخماد الفتنة، وسير إليه رسله. وفيها توجه الوزير ناصر الدين محمد بن الشيخي إلى الإسكندرية، وألزم المباشرين بعمل الحساب. وكان متحصل الإسكندرية لا ينال ديوان السلطان منه إلا القليل، فإن الأمراء بيبرس وسلار وبرلغي والجوكندار ما منهم إلا من له بها نائب يتحدث في المتجر. فقام نائب الإسكندرية، ومنع الوزير من التحدث حتى يحضر الأمير سلار من الحجاز، فاتفق وصول مركب بمتجر للفرنج بلغ موجبه أربعين ألف دينار.
وفيها خرج السلطان إلى البحيرة للصيد، وقد عبأ له الوزير الإقامات. ونزل السلطان بتروجة، واستدعى شهاب الدين أحمد بن عبادة، الذي أقامه قاضي القضاة زين الدين على بن مخلوف وصى السلطان وكيلا على جباية أموال أملاك السلطان ونائباً عنه لاشتغاله بوظيفة القضاء. وطلب السلطان منه دراهم يشتري بها هدية من الإسكندرية، فلم يجد عنده من مال السلطان ما يكفيه، فبعثه ليقترض من تجار الإسكندرية مبلغاً. فاجتمع ابن عبادة بالوزير، وشكا له ما فيه السلطان من الضيق والحاجة، وأنه حضر ليقترض له من التجار ما يشتري به هدية لجواريه ونسائه. فقال له ابن الشيخي: ارجع، وأنا غداً عند السلطان بألفي دينار. فعاد ابن عبادة، وأعلم السلطان بذلك، فسر سروراً كبيراً. وقدم الوزير بالمبلغ وقدمه للسلطان. فاستروح السلطان معه بالكلام، وشكا إليه ما هو فيه من ضيق مع الأمراء، فوعده بأن مصير الأمر إليه، وقوى قلبه وشجعه على الفتك بالأمراء، وهون عليه أمرهم، وقام وقد حفظ عليه الجمدارية ما قاله في حق الأمراء. وعاد السلطان إلى القلعة، وقدم الوزير من الإسكندرية بمال كثير وكساو جليلة، وشكا إلى الأمير بيبرس نائب الإسكندرية.
وقدم الخبر من الأردو بأنه قد جرد مقدم اسمه قبرتو ليقيم بديار بكر، عوض جنكلي ابن البابا المهاجر إلى الإسلام. فكتب نائب الشام مطالعة بذلك، وفيها:
أتى من بلاد المشركين مقدم ** تعالن لما أن دعوه قبرتوا

وإني لأرجو أن يجىء عقيبها ** بشير لنا أن اللعين قبرتوا

وبلغ النيل ستة عشر ذراعاً وستة عشر أصبعاً، بعدما توقف، وتحسنت الغلال.

.ومات في هذه السنة:

عز الدين أيبك الحموي، وكان من مماليك المنصور نائب حماة، فطلبه منه الملك الظاهر بيبرس هو وأبو خرص فيسرهما إليه فأمرهما، ثم ولي الأشرف خليل أيبك هذا نيابة دمشق بعد سنجر الشجاعي، وعزله العادل كتبغا بغرلوا. ولي صرخد ثم حمص، وبها مات في تاسع عشر شهر ربيع الآخر.
ومات الأمير بيبرس التلاوي في تاسع شهر رجب، وكان يلي شد دمشق- وفيه ظلم وعسف- مدة سنة وسبعة وأربعين يوماً، منها أيام مرضه حتى هلك سبعة أشهر، واستقر عوضه في وظيفة الشد قيران الدواداري.
ومات القان إبل خان معز الدين غازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طولوي ابن جنكزخان، ببلاد قزوين في ثاني عشر شوال، وحمل إلى تربته خارج توريز. وكان جلوسه على تخت الملك في سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وأسلم في سنة أربع وتسعين وستمائة، ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ على رؤوس الناس، ففشا الإسلام بذلك في التتار، وأظهر غازان العدل، وتسمى بمحمود، وملك العراقين وخراسان وفارس والجزيرة والروم، وتسمى بالقان، وأفرد نفسه بالذكر في الخطبة، وضرب السكة باعه دون القان الأكبر، وطرد نائبه من بلاده، ولم يسبقه أحد من آبائه إلى هذا، فاقتدى به من جاء بعده، وكان أجل ملوك بيت هولاكو، إلا أنه كان ييخل بالنسبة إليهم.
ومات شمس الدين سلمان إبراهيم بن إسماعيل الملطي الدمشقي الحنفي أحد نواب الحكم بدمشق والقاهرة، وكان ديناً مباركاً.
ومات علاء الدين على بن عبد الرحيم بن مراجل الدمشقي، والد الصاحب تقي الدين سليمان بن مراجل، في سادس عشر ذي القعدة بدمشق، وقدم إلى القاهرة سنة إحدى وسبعمائة، وكان ماهراً في الحساب، أديباً فاضلاً.
ومات زين الدين عبد الله بن مروان بن عبد الله بن فيع بن الحسن الفارقي الشافعي، في حادي عشرى صفر بدمشق، ومولده سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وقد درس الفقه، وخطب بجامع بنى أمية قبل موته بتسعة أشهر، فولى الخطابة بعده صدر الدين محمد بن الوكيل المعروف بابن المرحل، فلم ترض الناس به، فولى شرف الدين القزاري ومات فتح الدين أبو محمد عبد الله بن الصاحب عز الدين محمد بن أحمد بن خالد ابن محمد القيسراني بالقاهرة يوم الجمعة خامس عشرى شهر ربيع الآخر، ومولده في سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وقد وزر جده الموفق خالد للملك العادل نور الدين محمود بن زنكي وولى الفتح هذا وزارة دمشق، ثم صرف عنها، وقدم إلى القاهرة، وباشر توقيع الدست بقلعة الجبل، وعني بالعلم، وله تصانيف ونظم حسن.
ومات نصير بن أحمد بن على المناوي المعروف بالنصير الحمامي، الأديب البارع، في.
ومات الشريف أبو فارس عبد العزيز بن عبد الغني بن سرور بن سلامة المنوفي، أحد أصحاب الشيخ أبي الحجاج الأقصري- ويقال إنه شريف حسني- في ليلة الإثنين خامس عشر ذي الحجة بمصر، عن مائة وعشرين سنة، وهو صحيح الأعضاء سليم الحواس رصين العقل، وله ديوان شعر.
ومات الأمير بكتمر السلاح دار الظاهري في ؟؟.

.سنة أربع وسبعمائة:

في مستهل المحرم: قدم البريد بوصول الأمير سيف الدين قطايا بن سيغرا أمير بني كلاب في عدة من مشايخ العرب، ثم قدم فأكرمه السلطان والأمراء، وأعيدوا إلى حلب. وكان من خبر قطايا أنه لما خرج عن طاعة السلطان، وعاث في أعمال حلب وأفسد، طلبه عساكر حلب، ففر إلى بلاد الشرق، وأقام مع المغل، فأكرموه مدة حياة الملك محمود غازان حتى مات، فلم يجد بعدئذ ما كان بعهده، فترامى على نائب حلب، ومازال يستعطفه في أن يأذن له في العود بعد الشفاعة له إلى السلطان، فأجاب سؤاله وكاتب فيه، فعفي عن ذنبه، أعيدت له إقطاعاته بحلب.
وقدم البريد بوقوع الفتنة بين الأمراء أسندمر كرجي نائب طرابلس، والأمير بالوج الحسامي من أمرائها، من أجل أن أسندمر استخدم في ديوانه سامرياً كاتباً يقال له أبو السرور، فزاد تحكمه، وأخذ يتجر لمخدومه في عدة بضائع، وركب الخيول المسومة بالسروج المحلاة بالذهب والفضة، وتصرف في عامة الأمور بطرابلس حتى كثرت أمواله وسعاداته، وتزايد شره وضرره، وكثرت شكاية الناس منه. فقام الأمير بالوج في ذلك وتحدث مع أمراء طرابلس في إزالته عن المسلمين، وواعدهم على نصرته ومعاونته إياهم. ثم قام في يوم الموكب للنائب أسندمر، وذكر له ما أصاب الناس من كاتبه السامري، وما هم فيه من الضرر، فرد عليه رد اً غير جيد، وجبهه بالتكذيب فيما نقله، وأغلظ عليه حتى اشتد غضب الأمير بالوج منه- وكان قوي النفس شرس الأخلاق- وحلف بالأيمان المغلظة ليضربن رقبة السامري، وقام من مجلس النائب. فكتب فيه النائب أسندمر يشكو منه شكوى طويلة عريضة، فأعيد جوابه بالقبض على الأمير بالوج وحبسه، فأخذ سيفه وسجنه، فاشتدت عند ذلك وطأة السامري على الناس، فتجردوا له وكتبوا فيه محاضر بقوادح حفظت عنه، وأثبتوها بدمشق. فكتب الأمير جمال الدين أقوش الأفرم نائب الشام فيه، فقام الأمير بيبرس الجاشنكير في ذلك. وكتب بحمل السامره إلى دمشق وتسليمه للقاضي المالكي. والإفراج عن بالوج، فأفرج عنه وأنعم عليه، وقيد السامري وسلمه للبريد، فسار به إلى حمص، فاتفق قتله بها، واتهم أسندمر أنه دس عليه من ضرب عنقه حتى لا يتمكن منه، فحملت رأسه إلى دمشق.
وفيهما حكم قاضي المالكية بإراقة دم شمس الدين محمد بن الباجريقي ففر من دمشق وقدم الأمير سلار من الحب في نصف صفر، وقد فعل في الحجاز أفعالاً جميلة منها: أنه كتب أسماء المجاورين بمكة وأوفى عنهم جميع ما كان عليهم من الديون لأربابها، وأعطى لكل منهم بعد وفاء دينه مئونة سنة، ووصلت مراكبه إلى جدة سالمة، ففرق ما فيها على سائر أهل مكة جليلهم وحقيرهم، وكتب سائر الفقراء وجميع الأشراف، وحمل إليهم الدنانير والدراهم والغلة بقدر كفاية كل منهم سنة، فلم تبق بمكة امرأة ولا رجل ولا صغير ولا كبير ولا غني ولا فقير عبد أو حر شريف أو غير شريف إلا وعمه ذلك، ثم استدعى الزيلع وفرق فيهم الذهب والفضة والغلال والسكر والحلوى حتى عم سائرهم، وبعث مباشريه إلى جدة، ففعلوا فيها كما فعل هو بمكة. وحمل ما بقي إلى المدينة النبوية، فما بلغ وادي بني سالم وجد العرب قد أخذوا عدة جمال من الحجاج، فتبعهم واخذ منهم خمسين رجلاً، فأفتاه الفقهاء بأنهم محاربون، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وعم أهل المدينة بالعطايا كما عم أهل مكة، فكان الناس بالحرمين يقولون: يا سلار! كفاك الله هم النار، ولم يسمع عن أحد فعل من الخير كما فعل.
وقدم البريد من حلب بحضور جماعة من المغل وافدين إلى بلاد الإسلام، نحو مائتي فارس بنسائهم وأولادهم، وفيهم عدة من أقارب غازان وبعض أولاد سنقر الأشقر، فكتب بإكرامهم، فقدموا إلى القاهرة في جمادى الأولى وقدم معهم أخوا سلار، وهما فخر الدين داود، وسيف الدين جبا، وقدمت أيضاً أم سلار. فرتبت لهم الرواتب، وأعطوا الإقطاعات، وفرق جماعة منهم على الأمراء. وأنشأ سلار لأمه داراً بإسطبل الجوق الذي عمله العادل كتبغا ميداناً، ثم عرف بحكر الخازن، ورقى أخويه وأعطاهم الإمريات وقدم الأمير حسام الدين أزدمر المجيري، وعماد الدين على بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العلي بن معرف بن السكري، من بلاد الشرق إلى دمشق في رابع عشرى شعبان، ودخلا القاهرة أول رمضان، ومعهما كتاب خر بندا وهديته، فتضمن كتابه جلوسه على تخت الملك بعد أخيه محمود غازان، وخاطب السلطان بالأخوة، وسأل إخماد الفتن، وطلب الصلح، وقال في آخر كلامه: عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه. فأجيب وجهزت له الهدية، وأكرم رسوله، وسفر معه علاء الدين على ابن الأمير سيف الدين بلبان القلنجقي أحد مقدمي الحلقة، والصدر سليمان المالكي المرتقى أحد العدول، فتوجهوا في أول ذي القعدة، وعاد علاء الدين وسليمان المالكي في رمضان من سنة خمس وسبعمائة. وقدم بدر الدين محمد بن فضل الله بن مجلي من بلاد غازان إلى دمشق في ثالث عشرى جمادى الآخرة.
وقدم رسل الملك طقطاي صاحب سراي وبر القبجاق في أول ربيع الأول، وأنزلوا بمناظر الكبش، وأجريت لهم الرواتب. ثم حضروا بهديتهم وكتاب ملكهم، وهو يتضمن الركوب لحرب غازان ليكون في المساعدة عليه، فأجيب بأن الله قد كفاهم أمر غازان، وأن أخاه خربندا قد أذعن للصلح، وجهزت له هدية خرج بها مع الرسل الأمير سيف الدين بلبان الصرخدي إلى الإسكندرية، وساروا في البحر.
وقدم عدة من التجار وشكوا من المؤيد هزبر الدين داود بن يوسف بن عمر بن على ابن رسول ملك اليمن، وكان مع ذلك قد قطع الهدية التي كانت تحمل من اليمن ومبلغها ستة آلاف دينار، يشتري بها أصناف وتسير إلى قلعة الإسماعيلية مع هدية تختص بالسلطان. وكان المظفر يوسف بن المنصور عمر بن على بن رسول حملها مدة أربعين سنة، ثم حملها ابنه الأشرف، فلما خرج عليه هزبر الدين داود بن المظفر يوسف بن المنصور بن على رسول قطع الجهتين واستخف بسلطان مصر، فكتب إليه بالإنكار والتهديد، وسير إليه مع ناصر الدين الطوري وشمس الدين ومحمد بن عدلان، ومعهما كتاب الخليفة أيضاً يالإنكار عليه والتهديد، وأمره أن يحمل المقرر على العادة.
وقدم أياي ملك دمقلة من بلاد النوبة بهدية ما بين جمال وأبقار ورقيق وشب وسنبادج، وطلب عسكراً، فأنزل بدار الضيافة وعن معه الأمير سيف الدين طقصبا والي قوص وجماعة الوافدية، وعدة من أجناده الحلقة نحو ثلاثمائة فارس، ومن أجناد الولاة بالوجه القبلي ومن العربان جماعة كبيرة. فاجتمعوا من البر والبحر بقوص، وسار بهم طقصبا مع أياي ملك النوبة.
وفيها بعث الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار إلى القاضي شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله كاتب السر أن يكتب نائب الشام كتاباً، فقال: لابد من مشاورة السلطان أو النائب فغضب بيبرس واستدعاه، فلما جاءه لم يكترث به، وقال له: كيف أقول لك- والك- اكتب ما تكتب؟فقال: تأدب يا أمير ولا تقول والك فقام بيبرس وضربه على رأسه ثلاث ضربات، فخرج من عنده إلى الأمير سلار النائب، وعرفه ما جرى عليه، فأقره عنده. واجتمع بالأمراء وقت الخدمة، وعرف الأمير بيبرس الجاشنكير الخبر فشق عليه وعلى بقية الأمراء ذلك، واتفقوا على بيبرس الدوادار فأخذ سيفه وعوق من بكرة النهار إلى الظهر، وعنف تعنيفاً زائداً، وعزل من الدوادارية، واستقر عوضه الأمير أيد مر.
وقدم البريد من دمشق بأن تقي الدين أحمد بن تيمية تنازع مع أهل دمشق في الصخرة التي بمسجد النارنج بجوار مصلى دمشق، وأن الأثر الذي بها هو قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ما يفعله الناس من التبرك به وتقبيله لا يجوز، وإنه مضى بالحجارين وقطع الصخرة في سادس عشر رجب، وقد أنكر عليه الناس ما فعله فأجيب إن كان الأمر على ما زعم فقد فعل الخير وأزال بدعة، وان كان الأمر بخلاف ما قال فإذا تبين صحته يقابل على ما فعله. وقدم أيدغدي الشمهرزوري رسولاً من جهة أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو بن أبي بكر بن جماعة المريني ملك المغرب، بهدية جليلة، وقدم معه ركب المغاربة يريدون الحج، وكان قد انقطع من بلاد المغرب منذ سنين.
فجهزهم أبو يعقوب، وبعث معهم مصحفاً غشاه بالذهب المرصع بالجوهر الرائع، ووقفه في الحرم. فأكرم أيدغدي وأنزل بالميدان، وأجريت عليه الرواتب، وكان أيدغدي هذا لما قبض على يعقوب في الأيام الظاهرية فر في جماعة من الأكراد إلى برقة، وقدم على أبي يعقوب بهدية. ففر به وقدمه حتى صار في منزلة وزير، وحسنت سيرته عندهم إلى أن بعثه أبو يعقوب بالهدية ليحج.
وفيها بنى الأمير موسى بن الصالح على بن قلاوون على ابنة الأمير سلار النائب مملوك أبيه الصالح. وعمل مهم عظيم جداً، وجهزت ابنة سلار بمائة وستين ألف دينار، ومشى في زفته الأمير بيبرس الجاشنكير وسائر الأمراء، وحمل كل منهم التقادم من الشمع وغيره. فحمل الأمراء إليه ثلاثمائة وثلاثين قنطاراً من الشمع.
وفيها أوقع بالوزير ناصر الدين محمد بن الشيخي: وسببه أن الأمير سلار النائب لما قدم من الحجاز عرفه الجمدارية اجتماعه بالسلطان على تروجة ومسارته له وحمله مبلغ ألفي دينار، وأنه فاوضه في أمر الأمراء، وشجعه عليهم، وأن السلطان كلما احتاج إلى شيء استدعى به منه، فيحمله إليه. فشق ذلك على سلار، وحرك منه ما في نفس من كراهته له. وكان الأمير بيبرس الجاشنكير قد عزم على الحج فأراد مبادرة ابن الشيخي قبل سفر بيبرس لئلا يوقع به في غيبته، فشق ذلك عليه، فاستشار الأمير علم الدين سنجر الجاولي في أمره، فاتفقا على إقامة شخص من الأقباط يرافعه ويحقق في جهته مال السلطان. وندب لذلك من وقع الاختيار عليه. فكتب أوراقاً، وجلس الأمراء في الخدمة، فعرفهم سلار ما بلغه عن الوزير ومماليكه وحط عليه. فقال الأمراء بأجمعهم: متى ظهر في قبله شىء قطع جلده بالمقارع، واستدعى. فلما حضر قال لي سلار: اسمع ما يقول هذا الرجل من أنك أخذت مال السلطان وخنته، وقد عرفت الشرط، وأشار للرجل بمحاققته. فقال ابن الشيخي لشؤم بخته: ومن هذا القطعة النحس حتى أتكلم معه، أو يسمع منه في حق مثلى ما يقوله. فاشتد عند ذلك غضب سلار، وقال له: يا قواد يا قطعة نحس إيش أنت حتى تكبر نفسك واذا حضر واحد يعرفنا خيانتك تخرق به قدامنا، أما لنا حرمة عندك؟ وأمر الحاجب فضربه على رأسه إلى أن خرب شاشه. وسلمه إلى شاد الدواوين وأمره بمعاقبته ومعاقبة مماليكه كبك وبكتوت وغيره، فأخذ سيفه في آخر يوم من شعبان ومضى به هو ومماليكه وشاور عليه من الغد، فأمر بمطالبته بالحمل، فأخذ في تحصيل المال ولا يمر به يوم إلا ويخرق به عز الدين ايبك الشجاعي شاد الدواوين وينكل به، لما كان نفسه من تكبره عليه ومشيه في ركابه هو ووالى القاهرة عند قربه من داره. ثم إنه جلس بالصناعة في مصر، واستدعاه من القلعة، فنزل راكباً حماراً وشق به أسواق مصر إلى الصناعة، فثار به أهل مصر يريدون رجمه، وسبوه. ثم أعاده، ولم يزل على ذلك إلى يوم الأربعاء ثاني عشر رمضان فاستدعى سعد الدين محمد بن عطايا ناظر البيوت واستقر في الوزارة.
وجلس والأمير علم الدين سنجر الجاولي قائم بين يديه يؤخر ما يوقع عليه من الأوراق، وكان ابن عطايا قبل هذا بثلاثة أيام قد رؤى قائماً بين يدي الجاولي يقرأ عليه ورقة حساب. واستمر ابن الشيخي إلى ليلة عيد الفطر، وبيبرس الجاشنكير لا يتحدث في أمره بشىء، وإذا عرض عليه شاد الدواوين شيئاً من أموره قال له: مهما رسم نائب السلطان افعله. هذا وقد ثقل عليه في أمر ابن الشيخي زوجته بنت بهادر رأس نوبة وولداها جركتمر وأميرعلى وأخوهما خليل، وكانوا من خواص الأمير بيبرس، وهو يعدهم بخلاصه إلى أن اجتمع والأمراء عند النائب، فتحدث معه في خلاصه، فعرفه ما كان منه مع السلطان على تروجة، فأمسك عنه وقام.
وفيها توجه الأمير بيبرس الجاشنكير إلى الحجاز مرة ثانية في أول ذي القعدة، ومعه علاء الدين ايدغدي الشمهرزوري رسول ملك المغرب، والأمير بيبرس المنصوري الدوادار، والأمير بهاء الدين يعقوب في جماعة كثيرة من الأمراء. وكان فد خرج الركب في عالم كثير من الناس مع الأمير عز الدين أيبك الخازندار زوج ابنة الملك الظاهر بيبرس إلى البركة، فكثر الحجاج، وقسموا ثلاث ركوب: ركب مع الأمير بيبرس المنصوري، وركب مع الأمير يعقوبا، وركب مع أيبك، وعندما سار الأمير بيبرس الجاشنكير رسم النائب سلار لشاد الدواوين فضرب ابن الشيخي في يومه بالمقارع، واستمر يعاقبه حتى مات من العقوبة في سابعه.
وفيها سار الشريفان حميضة ورميثة من القاهرة مع الأمير عز الدين أيدمر الكوكندي إلى مكة، فقبض الأمير بيبرس الجاشنكير على الشريفين أبي الغيث وعطفة، وولى مكانهما حميضة ورميثة.
وفيها: وجد الحاج عدة مشاق: منها قلة الماء وغلاء السعر وهبوب سمائهم محرقة هلك منها خلق كثير من جفاف قرب الماء. وأخذ الحاج من وادي النار على طريق أخرى، فتاهوا وهلك منهم عالم كبير. وبلغ الشعير كل ويبة بأربعين درهماً، والدقيق كل وبية بستين.
وفيها: قدم الأمير بكتاش الفخري أمير سلاح بمن معه من غزاة سيس وفيها أجدب الشام من الغور إلى العريش، وجفت المياه، ونزح الناس عن أوطانهم من العطش وخلا من الصفقة القبلية ألفان وثمانمائة قرية.
وفيها ظهر في معدن الزمرد قطعة زنتها مائة وخمسة وسبعون مثقالًا، فأخفاها الضامن وحملها إلى بعض الملوك، فدفع له فيها مائة وعشرين ألف درهم فأبى بيعها، فأخذها منه وبعث بها إلى السلطان، فمات الضامن غماً.
وفيها: توجه شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية في ذي الحجة من دمشق ومعه الأمير بهاء الدين قراقوش المنصوري، إلى أهل جبل كسروان يدعوهم إلى الطاعة فلم يجيبوا. فجمعت العساكر لقتالهم.
وفيها: قام بأمر المدينة النبوية الشريف ناصر الدين أبو عامر منصور، بعد موت أبيه الأمير عز الدين أبي سفر جماز بن شيحة في ربيع الآخر. وبلغ النيل سبعة عشر ذراعاً. وثمانية عشر إصبعاً.

.ومات في هذه السنة:

زين الدين أحمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين على بن محمد بن سليم بن حنا، في ليلة الخميس ثامن صفر، وكان فقيها شافعياً فاضلاً متديناً، رئيساً وافر الحرمة محباً لأهل الخير ومات فتح الدين أحمد بن محمد بن سلطان القوصي الشافعي، وكيل بيت المال بقوص وأحد أعيانها، في حادي عشر المحرم.
ومات شمس الدين أحمد بن على بن هبة الله بن السديد الإسنائي، خطيب إسنا ونائب الحكم بها وبأدفو وبقوص، في رجب؛ وكان قد انتهت إليه رياسة الصعيد، وبنى بقوص مدرسة، وكان قوى النفس كثير العطاء مهيبا ممدوحاً، يبذل في بقاء رياسته الآلاف، فيقال إنه بذل في نيابة الحكم بقوص ثمانين ألف درهم، فسار إلى مصر ومات بها.
ومات الأمير بيبرس الموفقي المنصوري أحد أمراء دمشق بها، في يوم الأربعاء ثالث عشرى جمادى الآخرة، مخنوقاً وهو سكران.
ومات الأمير الشريف عز الدين جماز بن شيحة أمير المدينة النبوية وقد أضر، وقام بالإمرة الأمير ناصر الدين منصور بن جماز.
ومات بهاء الدين عبد الحسن بن الصاحب محي الدين محمد بن أحمد بن هبة الله، ويعرف بأبي جرادة، مات بالقاهرة وكان سخياً مباركاً فاضلاً، حدث عن يوسف بن خليل وغيره.
ومات علم الدين عبد الكريم بن على بن عمر الأنصاري المعروف بالعلم العراقي، الفقيه الشافعي، مدرس التفسير بالقبة المنصورية، يوم الثلاثاء سادس صفر عن بضع وثمانين سنة، وكان عالم مصر.
ومات تاج الدين على بن أحمد بن عبد المحسن الحسينى العراقي الإسكندراني شيخ الإسكندرية، الإمام المحدث، في ذي الحجة، تفرد بالرواية عن جماعة، ورحل الناس إليه، وكان فقيهاً عالماً.
ومات نجم الدين عمر بن أبي القاسم بن عبد المنعم بن محمد بن الحسن بن الكاتب بن أبي الطيب الدمشقي، ناظر المارستان النوري بدمشق وناظر الخزانة ووكيل بيت المال بها، ليلة الثلاثاء نصف جمادى الآخرة، وكان فقيهاً مدرساً مشكوراً في ولاياته.
ومات أمين الدين محمد بن الشيخ قطب الدين محمد بن أحمد بمكة في المحرم، وسمع الحديث بمكة، وانتهت إليه مشيخة الحديث بها.
ومات شمس الدين محمد بن الصاحب شرف الدين إسماعيل بن أبي سعيد بن التيتي الآمدي، أحد الأمراء ونائب دار العدل بقلعة الجبل.
ومات الأمير مبارز الدين سوار الرومي أمير شكار، أحد الوافدية من الروم في الأيام الظاهرية، وكان كريماً شجاعاً متديناً.
ومات الأمير سيف الدين بهادر سمر مقتولًا بأيدي عرب الشام.
ومات الأمير الوزير ناصر الدين محمد- ويقال ديباى- الشيخي تحت العقوبة في سابع ذي القعدة، وأخرج على جنوية إلى القرافة، فدفن بها، وكان فيه مكارم وعصبة ومروءة ويكتب الخط المليح، ويعرف صناعة الحساب، مع الظلم والعسف والتكبر، وأحدث مظالم عديدة، وأصله من بلاد ماردين، وقدم مع شمس الدين محمد بن التيتي إلى دمشق، وسار منهما إلى القاهرة مجرداً فقيراً يمشي على قدميه، وتعيش في خياطة الأقباع ببعض أسواق القاهرة مدة، ثم تزيا بزي الأجناد وخدم مع الشادين، ولازم الوقوف في خدمة الحسام برناق شاد الكيالة زماناً حتى عرف دخل المباشرة وخرجها، فتلطف مع بعض مقطعي الكيالة وأوعدهم حتى ضمن ساحل الغلة ببولاق، فشدد فيه حتى فاض معه جملة، وخدم الصاحب فخر الدين بن الخليلي، وهادى الأمراء إلى أن ولى شد الدواوين بإمرة عشرة، وانتقل منها إلى شد الجيزية وولاية القاهرة وجمع بينهما، فصار من أمراء الطبلخاناه، وولى الوزارة، فكان فيها حتفه.
ومات الشريف شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشهاب أبي على الحسين بن شمس الدين أبي عبد الله محمد الأرموي نقيب الأشراف في تاسع عشر شوال، وولى نقابة الأشراف بعده الشريف بدر الدين بن عز الدين، وقتله بدمشق أبو السرور السامري كاتب الأمير سيف الدين أسندمر كرجي نائب طرابلس.