فصل: سنة ثمان وخسمين وسبعمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: السلوك لمعرفة دول الملوك (نسخة منقحة)



.سنة ست وخمسين وسبعمائة:

في المحرم: شرع الأمير شيخو في هدم أملاك ابتاعها بخط صليبة جامع ابن طولون. فكانت مساحتها زيادة على فدان، واختط موضعها خانكاه، وحمامين وحوانيت، يعلوها رباع. وجد في بنائها بحيث أنه عمل فيها بنفسه ومماليكه، حتى انتهت عمارتها، وأشهد عليه بوقفها. ووقف عليها عدة جهات بأرض مصر والشام. ورتب بها دروس الفقه للمذاهب الأربعة، وشيخاً للصوفية، ومدرساً للحديث النبوي، وشيخاً لإقراء القرآن الكريم بالقراءات السبع، وغير ذلك من الفراشين والقومة والمباشرين.
وشرط على الفقهاء والصوفية الا يتزوج منهم الا طائفة عينهم من كل مذهب، وأن يقيم العزاب بالخانكاه ليلاً ونهاراً. وشرط الا يكون فيهم ولا منهم قاض ولا شاهد، يتكسب بتحمل الشهادة. فلما كان يوم عرفة منها ركب في جماعة الأمراء وأعيان الدولة وقضاة القضاة ومشايخ العلم إلى هذه الخانكاه. وقد قرر في تدريس الشافعية بهاء الدين أحمد ابن الشيخ الإمام تقي الدين على بن عبد الكافي السبكي، والشيخ خليل الجندي في تدريس المالكية، والقاضي ناصر الدين نصر الله في تدريس الحنابلة، شريكاً لقاضي القضاة موفق الدين عبد الله الحنبلي. والقى المدرسون الثلاثة دروس الفقه على مذاهبهم، وطلبتهم قد تحلقوا بين أيديهم فيما بين الظهر إلى العصر. فلما صلوا العصر فرش الأمير شيخو سجادة مشيخة التصوف بيده، وأجلس الشيخ أكمل الدين محمد بن محمود الحنفي عليها. ثم لما انقضى الحضور انفضوا. فكان يوماً مشهوداً. ولم يسخر في بنائها أحد من المقيدين الذين بالسجون، كما هي عادة أمراء الدولة في عمايرهم، ولا سخر من الناس أحداً بغير أجرة في شيء من أعمال هذه الخانكاه، بل كانت توفى للعمال أجرهم. وأنشد أدباء العصر في هذه الخانكاه عدة أشعار، منها قول الأديب صلاح الدين صلاح بن الزين لبيكم:
لقد شاد شيخو خانكاه بديعة ** تفوق على الروض المكلل بالندا

بناها ولم يعمل بها من مقيد ** ولكن على أهل الوظايف قيدا

وقال الأديب شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الواحد الشهير بابن أبي حجلة المغربي، من مقامه عملها في الخانكاه المذكورة:
ومدرسة للعلم فيها مواطن ** فشيخو بها فرد وإيثارة جمع

لئن بات فيها في القلوب مهابة ** فواقفها ليث وأشياخها سبع

وفي يوم الإثنين ثاني صفر: عزل تاج الدين محمد بن علم الدين محمد بن أبى بكر الأخنائي، عن قضاء المالكية بالقاهرة، واستقر في نظر خزانة الخاص، عوضاً عن ابن الجوجرى، وخلع عليه.
واستقر في قضاء المالكية الشيخ نور الدين أبو الحسن على بن عبد النصير بن علي السخاوي، فمرض بعد شهر ولزم الفراش حتى مات بعد اثنين وسبعين يوماً، بعد ما أفاق من مرضه إفاقة. وبلغه أنه لما أيس منه عزل، فسال الأمير شيخو أن بجدد السلطان له ولاية، فخلع عليه، وعمل الأمير شيخو وليمة لعافيته، فمات يوم الثامن من الوليمة، فاستدعى تاج الدين الإخنائي وخلع عليه، وأعيد إلى قضاء القضاة المالكية مع نظر خزانة الخاص، فاستناب في نظر الخاص أخاه برهان الدين إبراهيم.
وفيه كتب توقيع لتاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين على السبكي بأن يكون نائباً عن أبيه في قضاء القضاة بدمشق، ومستقلاً بعد وفاته. ورسم بحضور التقى إلى القاهرة، بسعى ولده بهاء الدين أحمد في ذلك، فكتم التقى عن أهل دمشق هذا وخرج- وهو مريض- في محفة ليزور القدس، فقدم القاهرة وقد اشتد مرضه، فمات بعد أيام. واستقر عوضه في قضاء القضاة بدمشق ابنه تاج الدين عبد الوهاب.
وفي يوم الإثنين تاسع صفر: قبض على الأمير أرغون الكاملي خوفاً من شره، وسجن بالإسكندرية. واستقر كريم الدين أكرم ابن شيخ في نظر الدولة، وأعيد شهاب الدين أحمد بن ياسين بن محمد الرياحي إلى قضاء المالكية بحلب، بعد وفاة زين عمر بن سعيد يحيى التلمستاني المغربي. واستقر خالد بن داود شاد الدواوين بأمرة عشرة، ولبس الشربوش في يوم عاشرة واستقر الحاج محمد بن يوسف مقدم الدولة عوضاً عن الحاج أحمد بن زيد. والزم ابن زيد بحمل ثلاثمائة ألف درهم، فحملها، فتتبع ابن يوسف أثاره حتى أظهر له من دفائن وودائع نحو أربعمائة ألف درهم. ثم صرف ابن يوسف وأعيد ابن زيد. وقبض على ابن يوسف، وعلى خالد بن داود شاد الدواوين وسلما لأحمد بن زيد، فعاقبهما والزمهما بحمل المال، فلم يزل خالد في العقوبة حتى مات وأنعم السلطان على ولده الأمير أحمد بإمرة مائة تقدمة الف، وأفرد له ديواناً.
وقدم الخبر بهجوم الفرنج على طرابلس الغرب، وأخذها، وقتل عامة أهلها. فلما بلغ ذلك أبو عنان فارس بن أبى الحسن علي بن يعقوب- متملك فاس- اشتراها من الفرنج. بمال كبير وعمرها.
وفيه سافر الأمير عمر شاه إلى الصعيد، وقد خرج سودى بن مانع وأخوه عن الطاعة، فأخذهما ووسطهما في عدة من أصحابهما، وعاد.
وفيه قدم أولاد قراجا بن دلغادر بتقادم، فأعيد كبيرهم إلى الإمرة.
وقدم الأمير فياض بن مهنا بقول جليل، فأكرم، وأجريت له الرواتب على العادة، فشفع في الشريف ثفبة، فأفرج عنه وعن أخيه وابن عمه مغامس فأقاموا مدة قليلة، ثم فر ثقبة إلى مكة، فطلب فلم يقدر عليه.
وفي سابع جمادى الأولى: أعيد تاج الدين محمد الأخنائي إلى قضاء المالكية، بعد موت نور الدين على السخاوى.
وفي يوم الأربعاء سادس جمادى الأخر: ولد للاصر شيخو ولد ذكر من أبنة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فاحتفل احتفالاً زائد في عقيقته ومات الوليد بعد أيام، وعميت أمه عقيب ولادته. وفي خامس عشره قطعت يد الشريف المزور، وضرب أصحابه بالمقارع وشهروا، وكان في التزوير ومحاكاة الخطوط عجباً، وسجن بسبب ذلك مراراً.
وفيه سقط مطر في غير أوانه، عم الوجه البحري، ونزل معه برد قتل عدة أغنام كثيرة، بلغ وزد البردة أوقية وأوقيتين، ومنها ما نزل في قدر الرغيف الكبير. وتلف زرع كثير من السيل وهبت قبل هذه، المطرة ريح عاصفة غرق منها عدة مراكب.
وفي هذه السنة: ابتدأ الأمير صرغتمش في هدم مساكن بجوار الجامع الطولوني، واختط موضعها مدرسة في خامس رمضان، وكشف أوقاف الجامع بنفسه، ورم شعثها.
وقدم الخبر بأن في شهر ربيع الآخر أمطرت السماء بأرض الروم برداً أهلك منه نحو مائة وخمسين قرية، فجعلها دكاً، وكاد وزن البردة الواحدة نحو رطل وثلث بالحلبي، وذلك في شهر نيسان.

.ومات في هذه السنة من الأعيان:

ممن له ذكر شهاب الدين أحمد بن حسن بن محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفرات المالكي- موقع الحكم- في ليلة الاثنين عاشر ذي القعدة، وكان عاقلاً ديناً فاضلاً.
وتوفي الشيخ الإمام قاضى القضاة بدمشق، تقي الدين أبو الحسن على بن زين الدين عبد الكافي بن على بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن سوار بن سليم الأنصاري السبكي بحزيرة النيل من شاطىء النيل خارج القاهرة، في ليلة الإثنين رابع جمادى الآخر. ومولده في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة بناحية سبك من المنوفية، أحد أعمال مصر. قرأ القراءات على التقى الصايغ، والتفسير على العلم العراقي، وسمع على الحافظ الدمياطي، وتفقه للشافعي، وولى قضاء دمشق بعد الجلال القزويني في تاسع عشر جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وانتهت اليه رياسة العلم.
وتوفي قاضى القضاة المالكي نور الدين أبو الحسن علي بن عبد النصير بن علي السخاوي المالكي، ليلة الإثنين رابع جمادى الأولى، ودفن بالقرافة.
وتوفي زين الدين أبو حفص عمر بن سعيد بن يحيى التلمساني المالكي، قاضي قضاة المالكية بحلب، عن نيف وستين سنة، منها في قضاء حلب نحو خمس سنين.
وتوفي تاج الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد المنعم بن عبد العزيز بن عبد الحق السعدي البارنباري، كاتب سر طرابلس، وله شعر جيد.
وتوفي الأديب الشاعر شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عبد الله، يلقب بالضفدع، ويشهر بالخياط، الدمشقي في طريق الحجاز. قدم القاهرة، ومدح الأعيان، وجمع شعره في عدة أجزاء، وتكسب بتحمل الشهادة في دمشق. وكان لا يؤمن هجوه لطول لسانه وتعرضه لكل أحد.
وتوفي العلامة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يوسف بن محمد الحلبي النحوي المقرىء، الفقيه الشافعي، المعروف بابن السمين في عاشر جمادى الآخرة. قرأ النحو على أبى حيان، والقراءات على التقى الصايغ، وسمع بآخره من يونس الدبابيسي، وتصدر للإقراء بجامع ابن طولون. وناب في الحكم بالقاهرة، وولى نظر الأوقاف، وصنف تفسير القرآن فأطال فيه جداً حتى جاء في عشرين سفراً كباراً، وصنف إعراب القرآن، وشرح التسهيل والشاطبية. وكان فقيهاً بارعاً في النحو والتفسير وعلم القراءات، وتكلم في علم الأصول، وكان خيراً ديناً.
وتوفي فخر الدين عثمان بن علم الدين يوسف بن أبي بكر بن محمد الأنصاري النويري المالكي، في ذي الحجة. ومولده سنة ثلاث وستين وستمائة. وحفظ الموطأ، وسمع على جماعة. بمصر والشام والحرمين، وتفقه، ودرس وأفتى، وأحكم المذهب. وكان كثير الحج والمجاورة والتاله.
ومات الأمير قبلاى النائب، يوم الأربعاء ثالث ربيع الأول.
ومات شهاب الدين، شاهد الجيش، يوم الإثنين ثالث عشرين صفر.
ومات زين الدين الخضر بن تاج الدين محمد بن زين الدين الخضر بن جمال عبد الرحمن بن علم الدين سليمان بن نور الدين على المعروف بابن الزين خضر في آخر ربيع الأول. ومولده سنة عشر وسبعمائة. سمع على الحجاز وقرأ في النحو وغيره، وكتب في الإنشاء ونوه به كاتب السر علاء الدين على بن فضل الله، واعتمد عليه، وأقره يكتب بين يدي نائب السلطة، وكان يكتب سريعاً من رأس القلم ما شاء، وكان ينطق بالجيم كافاً.
ومات الأمير ملك آص، في ثامن عشر رمضان بدمشق، وكان جاشنكير ثم ولى شاد الدواوين بدمشق، ونيابة جعبر، وسجن بالإسكندرية، ثم أقام بدمشق بطالا حتى مات.
ومات الأمير قردم بدمشق يوم الأحد تاسع عشر شهر رمضان. كان أمير أخور، ثم أخرج إلى دمشق بطالا، وقبض عليه، ثم صار بدمشق من جملة الأمراء حتى مات. والله تعالى أعلم بالصواب.

.سنة سبع وخمسين وسبعمائة:

فيها ولى أويس بن الشيخ حسن بن أقبغا بن أيلكا لسطان بغداد بعد موت أبيه.
وولى كمال الدين أبو القاسم عمر بن الفخر، بن عمرو، عثمان بن هبة الله المعري، قضاء القضاة الشافعية بحلب، بعد وفاة نجم الدين محمد الزرعي.
وهجم على طرابلس الشام الفرنج في عدة شوانى، وأفسدوا ثم عادوا.
ووقع حريق بمدينة دمشق، فتلف منه عدة مواضع، ظاهر باب الفرج، منها ستمائة حانوت سوى البيوت، عدم فيها ما تزيد قيمته على ألف الف درهم. ثم وقع حريق آخر بالعقيبة- ثم حريق آخر بالصالحية، وحريق أخر داخل باب الصغير، مثل الحريق الذي بباب الفرج. ثم وقع في أماكن أخرى من البلد.
واستولى الفرنج على صيدا، وقتلوا وأسروا، وقتل منهم أيضاً جماعة وعادوا.
وفي شهر ربيع الأول: هبت بالقاهرة ومصر ريح غريبة، من أول النهار إلى المغرب، اصفر منها الجو، ثم احمر ثم اسود. واستمرت الريح إلى نصف الليل، فسقطت عدة أماكن، وامتلأت الأرض من تراب أصفر، ثم أمطرت السماء وسكن الريح.
وفي جمادى الأولى: ظهر كوكب له ذؤابة، وكان كبيراً مضيئاً.
وفيها كمل بناء مدرسة الأمير صرغتمش، بجوار جامع أحمد بن طولون. ورتب في تدريس الحنفية بها قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي أبو حنيفة الفارابي الأتقائي الحنفي، وقرر عنده عدة من طلبة الحنفية، وشرط أن يكونوا أفاقية، وعمل بها درسا للحديث النبوي، وحضر في يوم الثلاثاء تاسعه صرغتمش، ومعه الأمراء، والقضاة والمشايخ، فألقى القوام الدرس، ثم مد سماط جليل، وملئت البركة سكرا مذابا، فأكل الناس وشربوا، ثم انفضوا.
وفيها يقول العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصايغ الحنفي:
ليهنك يا صرغتمش ما بنيته ** لأخراك في دنياك من حسن بنيان

به يزدهي الرخيم كالزهر بهجة ** فلله من زهر ولله من بان

وقال النقيب صلاح الدين صلاح بن الزين لبيكم الرفاعي:
صَرْغَتمش قد شاد يا حبذا ** مدرسة بديعة فائقة

كأنها من حسنها جنة ** وقد غدت قبابها شاهقة

وقد حكى رخامها روضة ** أزهارها من طيبها عابقة

وقال الشهاب أحمد بن أبى حجلة:
فلها به فضل على الأقران ما ** بالبان في الأغصان فضل البان

وقد أنبت الترخيم في محرابها ** زاهراً كدر قلائد العقيان

فكأنه كسرى أنو شروان قد ** وضعوا عليه التاج في الإيوان

لو لم يبت وأبو حنيفة شيخها ** ماشبهت بشقائق النعمان

حبر يطوف بمصر بحر علومه ** حتى كأن الناس في طوفان

يثنى إليه العلم فضل زمانه ** وأبو حنيفتنا الإمام الثاني

وفيها أمر بإحضار الشيخ جمال الدين محمد بن محمد بن محمد بن نباتة المصري من دمشق، فقدم القاهرة، فلم ينجح سعيه وأقام خاملاً.
وفيها وقع حريق عظيم ببلاد الساحل، وأراضي كسروان من بلاد الشام، عم من بلاد طرابلس إلى معاملة بيروت، أتلف كثيراً من الوحش والأمتعة، وشجر الزيتون. وكان عجباً من العجب، فإن ورقة من شجرة سقطت في بيت فاحترق جميع ما فيها، واستمرت ثلاثة أيام، ثم وقع مطرا فأطفاه.
وفيها عمرت مدينة عمان من البلقاء للأمير صَرْغَتمش، ونقل إليها الولاية والقضاء من حسبان، وجعلت أم تلك البلاد. وهي بلد قديم من بناء عمان ابن أخي لوط، بناها بعد هلاك قوم لوط. وقيل هي مدينة دقيانوس الملك الذي أخرج منها أصحاب الكهف، والرقيم هناك موضع معروف، وبها ملعب سليمان بن داود عليهما السلام.
وفيها ولى شيخنا الشيخ جمال الدين عبد الرحيم الأسنوي وكالة بيت المال، بعد وفاة الشريف شرف الدين على نقيب الأشراف. وولى نقابة الأشراف الشريف شهاب الدين بن أبي الركب.

.ومات في هذه السنة من الأعيان ممن له ذكر:

شرف الدين أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم المناوي الشافعي، في يوم الثلاثاء خامس شهر رجب، ناب في الحكم بالقاهرة، وتفقه، وشارك في الحديث، وأفتى ودرس، وشرح فرائض الرسيط.
وتوفى كمال الدين أبو محمد وأبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن مهدي النشائي الشافعي، في يوم الأحد حادي عشر صفر. ومولده في أوائل ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وستمائة. تفقه على أبيه وبرع ودرس بالجامع الخطيري ببولاق. وهو أول من ولى خطابته وإمامته وتدريسه. وصنف كتاب جامع المختصرات، وكتاب المنتقى، وعلق على التنبيه استدراكات.
ومات متملك بغداد الشيخ حسن بن حسين بن أقبغا بن أيلكان التتري، سبط أرغون بن أبغا بن هولاكو، وكانت مدته سبع عشرة سنة.
وتوفى الشريف شرف الدين أبو الحسن على بن حسين بن محمد الحسيني نقيب الأشراف، ووكيل بيت المال، ومحتسب القاهرة، في ثالث عشر جمادى الآخرة. مولده سنة إحدى وتسعين وستمائة. حدث وتفقه للشافعي وقرأ النحو، ودرس بالمشهد الحسيني، والمدرسة الفخرية، وكتب توضيح الحاوي، وأقرأه بمكة في مجاورته سنة إحدى وخمسين.
وتوفي نجم الدين أبو عبد اللّه محمد بن فخر الدين عثمان بن أحمد بن عمرو بن محمد الزرعي الحلبي الفقيه الشافعي، قاضي القضاة الشافعية بحلب. فكانت مدته نحو ست سنين. وكان فاضلاً ممدحاً أديباً ماهراً في النثر مع معرفة بالفقه والأصول والنحو.

.سنة ثمان وخسمين وسبعمائة:

فيها قبض على ابن الزبير ناظر الدولة، وعوقب حتى هلك.
وفى جمادى الآخر: خلع على شمس الدين محمد ابن الصاحب مدرس الصاحبية والشريفية. بمصر، واستقر محتسب القاهرة بعد وفاة علاء الدين علي بن الأطروش. واستقر شيخنا سراج الدين الهندي عوضه في قضاء العسكر.
وفي يوم الخميس ثامن شعبان: وثب قطا وقجا- ويقال باي قجا- أحد المماليك السلاح دارية على الأمير شَيْخُو وهو بدار العدل، وضربه بسيف ثلاث ضربات، في رأسه ووجهه وذراعه، فسقط وارتج المجلس. وقام السلطان عن كرسي الملك إلى قصره في خاصكيته، وتفرق الأمراء. وطار الخبر بأن الأمير شيخو قتل، فركب الأمير خليل ابن قوصون- ربيب شيخو ولبس، آلة الحرب، وساق في عدة وافرة إلى القلعة، وصعدها. بمن معه وهم ركاب، إلى رحبة دار العدل. وحمل شيخو على جنوية- على أنه قد مات- إلى إصطبله. وركب العسكر جميعهم إلى تحت القلعة بالسلاح. وركب الأمير صرغَتمش في عدة من الأمراء إلى الأمير شيخو، فوجدوا به رمقاً، فاعتذروا إليه مما وقع، وأنه لم يكن يعلم السلطان، وأنه قبض على الغريم وأمر بتسميره وتوسيطه. ثم قاموا فسمر المذكور، وطيف به على جمل، ثم وسط بعد ما قرر فلم يقر على أحد. وقال: قدمت له قصة لينقلني من الجامكية إلى الإقطاع فلم يفعل، فبقي في نفسي منه، وركب السلطان من الغد لعيادة شَيْخُو وحلف له أنه لم يعلم. بما جرى حتى وقع، ثم عاد. فمازال شيخو صاحب فراش حتى مات يوم الخميس خامس عشرين ذي القعدة، ودفن من الغد بخانكاته، وقبره بها، وكان قد قارب الستين سنة. وكان كثير المعروف، وهو أول من قيل له الأمير الكبير بمصر.
وفي شعبان: قدم رسل السلطان جانبك بن أزبك، فركب العسكر من الأمراء والمماليك والمقدمين وأجناد الحلقة إلى لقائهم بالزي الفاخر. وتمثلوا بين يدي السلطان، وقدموا معهم من الهدية، وهي عدة مماليك، وفرو سمور، وطيور جوارح. فكتب جوابهم وأعيدوا.
وفي هذا الشهر: حملت جارية بدمشق، من عتقاء الأمير تمر المهمندار، قريباً من سبعين يوماً، ثم طرحت أربعة عشر بنتاً وصبياً، يعرف الذكر من الأنثى في نحو أربعين يوماً.
ولما مات شيخو قبض السلطان على الأمير خليل بن قوصون، وغيره من أتباع شيخو، فيهم الأمير قجا السلاح دار أمير شكار، والأمير تقطاى الدوادار، والأمير قطلوبغا الذهبي، وأرغون الطرخاني، فنفي بعضهم إلى الشام، وسجن بعضهم بالإسكندرية، وانفرد الأمير صرغتمش بتدبير الدولة.
وفي يوم الجمعة: استقر الأمير تنكزبغا أمير مجلس والأمير أزدَمُر الخازندار أمير سلاح، والأمير كشتمر القاسمي حاجب الحجاب، والأمير علم دار دوادارا كبيراً. وأنعم على يلبغا العمري الخاصكي بإمارة طبلخاناه، وعلى مَنْكلى بُغا بإمرة طبلخاناه، وعلى أيْدَمُر بإمرة طبلخاناه، وعلى طَيبغا الطويل بإمر طبلخاناه. واستقر قطب الدين ابن عرب في حسبة القاهرة، بعد وفاة شمس الدين محمد ابن الصاحب فجأة وهو راكب على بغلته بين القصرين فسقط عنها، فلا يدرى أمات فسقط أو سقط فمات. واستقر تاج الدين بن الريشة في نظر الدولة.

.ومات في هذه السنة من الأعيان:

قاضي قضاة الحنفية بدمشق، نجم الدين أبو إسحاق إبراهيم بن العماد أبي الحسن علي ابن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم بن عبد الصمد الطرسوسي الحنفي، عن أربعين سنة. وكان مشكور السيرة، صنف كتاب رفع الكلفة عن الأخوان، في ذكر ما قدم القياس على الاستحسان، وكتاب الاختلافات الواقعة في المصنفات، وكتاب مناسك الحج- مطولاً- وكتاب محظورات الإحرام، وكتاب الإشارات في ضبط المشكلات،- عدة مجلدات- وكتاب الفتاوى في الفقه، وكتاب الإعلام في مصطلح الشهود والحكام وكتاب الفوايد المنظومة في الفقه.
ومات شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد المحسن العسجدي الشافعي، وقد قارب الثمانين.
ومات الأمير أرغون الكاملي بالقدس في تلك السنة، أصله من مماليك الكامل شعبان بن الناصر محمد فترقى في الخدم حتى صار من أمراء الألوف وولى نيابة حلب ونيابة دمشق، ثم قبض عليه وسجن، ثم نفي إلى القدس، فمات بها.
وتوفي الشيخ قوام الدين أبو حنيفة أمير بن كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي الفارابي الأتقاني في شوال، ولى تدريس مشهد الإمام أبى حنيفة- رحمه الله تعالى- ببغداد، ثم قدم إلى الشام، فاستدعى منها إلى القاهرة، واختص بالأمير صَرْغَتمش، وعمل له درساً بجامع المارديني، ثم ولاه تدريس مدرسته.
وتوفى محب الدين أبو عبد اللّه محمود بن علاء الدين على بن إسماعيل بن يوسف القونوي الشافعي في يوم الأربعاء ثامن عشرين ربيع الآخر. درس بالمدرسة الشريفية من القاهرة، وبالجامع المارديني. وشرح كتاب ابن الحاجب في الأصول، وكتب تعليقه في الفقه، وكتب إعتراضات على شرح الحاوي في الفقه لأبيه.
وتوفي علاء الدين أبو الحسن على بن محمد بن الأطروش الحنفي، محتسب القاهرة، وقاضي العسكر في تلك السنة. حدث، وكان فيه كرم، وهو معدود من رجال الدنيا في معناه. وله منازعات مع الضياء الشامي، في نظر المارستان وحسبة القاهرة. وكان يلي هذا مرة وهذا مرة. وولى أولاً حسبة دمشق. وكان أبوه يبيع السقط.