فصل: الفصل الثاني والعشرون: يشتمل على الإجارة وعلى الصرف ويدخل فيه استهلاك المشترى في عقد الصرف قبل القبض:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحيط البرهاني في الفقه النعماني



.كتاب الصرف:

هذا الكتاب يشتمل على أربعة وعشرين فصلًا:
1- في بيان معنى هذا الاسم.
2- في بيع الدين بالدين.
3- في الساعات التي يشترط فيها قبض البدلين حقيقة.
4- في الدراهم المغشوشة تباع بالفضة الخالصة.
5- في الفلوس.
6- في خيار الرؤية والرد بالعيب والاستحقاق في باب الصرف.
7- في الرهن والحوالة وفي الكفالة في الصرف.
8- في الحط عن بدل الصرف والزيادة فيه.
9- وفي الصلح في الصرف.
10- في بيع الإناء وزنًا فيزيد أو ينقص.
11- في السيوف وفي بيع الحلي الذي فيه اللآلئ والجواهر، وفي بيع المملوكات ما يجوز وما لا يجوز.
12- في الوكالة في الصرف.
13- في الصرف مع مملوكه وقرابته وشريكه ومضاربه والوصي.
14- في الصرف في المرض.
15- في الاستبدال ببدل الصرف.
16- فيما يكون قصاصًا ببدل الصرف وما لا يكون.
17- في بيع الموزون بجنسه أو بخلاف جنسه وفي بيع المكيل كذلك.
18- في تصرف المتصارقين في ثمن الصرف قبل القبض.
19- في بيع الصرف مرابحة.
20- في الصرف في دار الحرب.
21- في الصرف في الغصب والوديعة.
22- يشتمل على الإجازة وعلى الصرف، ويدخل فيه استهلاك المشتري في عقد الصرف قبل القبض.
23- في الصرف في المعادن وتراب الصوّاغين ويدخل فيه الاستئجار لتخلص الذهب والفضة من تراب المعادن.
24- في المتفرقات.

.الفصل الأول: في بيان معنى هذا الاسم وشرط جواز هذا المسمى وحكمه:

أما بيان معنى هذا الاسم فنقول: الصرف اسم لنوع وهو مبادلة الأثمان بعضها ببعض، إما مبادلة الذهب أو مبادلة الفضة بالفضة أو مبادلة أحد الجنسين بصاحبه مفردًا كان أو مجموعًا مع غيره هذا هو لفظ (القدوري)، وقوله: أو مجموعًا مع غيره يريد به مثلًا إذا باع ثوبًا وذهبًا بفضة، فحصة الذهب صرف؛ لأنه يقابله ثمن وحصة الثوب بيع.
والأموال أنواع ثلاثة:
نوع منها: هو ثمن في العقد على كل حال وهو الدراهم والدنانير.
ونوع منها: وهو مبيع في العقد على كل حال وهو ما ليس من ذوات الأمثال كالعروض والحيوانات وأشباهها.
ونوع منها: هو بين المبيع وهو المكيلات والموزونات، وقد ذكرنا ذلك بتمامه في أول كتاب البيوع، والمبيع يخالف الثمن في أحكام كثيرة قد ذكرنا في ذلك في أول كتاب البيوع.
وأما بيان شرائط جواز هذا المسمى فنقول: شرائط جواز هذا المسمى على الخصوص ثلاثة:
أحدها: أن لا يفترقا عن تقابض، والمراد منه: تفرق الأبدان لا الذهاب عن موضع الجلوس للعقد لما نتبين بعد هذا إن شاء الله تعالى، ثم قبض أحد البدلين قبل التفرق في بيع الدرهم (بالدرهم)، وفي بيع الدينار بالدينار، وفي بيع الدرهم بالدينار، واشتراطه على موافقة القياس؛ لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان في عقود المعاوضات بالتعيين، إما يتعينان بالقبض فشرطنا قبض أحد بدلي الصرف لتزول الدينية عن أحد بدلي الصرف، وإنه على موافقة القياس كما في سائر البياعات، أما اشتراط قبض البدل الآخر على مخالفة القياس.
ألا ترى أنه لم يشترط ذلك في سائر البياعات، وكذلك اشتراط قبض أحد بدلي الصرف فيما يتعين بالتعين من الذهب والفضة وهو ما إذا باع البئر بالبئر أو مع القلب بالقلب على مخالفة القياس، فإن في سائر البياعات، إذا بيع عين بعين لا يشترط قبضهما، ولا قبض أحدهما قبل التفرق يجب أن يكون في الصرف، كذلك شرط قبض أحد البدلين إذا بيع عين القلب بالقلب، وشرط قبض البدلين إذا بيع الدراهم بالدراهم، والدنانير بالدنانير، عرف ذلك بالنصوص من جملة ذلك قوله عليه السلام: «الفضة بالفضة وزن بوزن يد بيد والذهب بالذهب وزن بوزن يد بيد».
فإن قيل: كيف يجوز أن يقال بأن قبض بدلي الصرف قبل الافتراق شرط جواز العقد لإحالة العقد، وشرط العقد ما يشترط حالة العقد كالشهادة في باب النكاح والمالية في بيع العين بالثمن، فأما ما يجب بعد العقد يكون حكم العقد لا شرط جواز العقد.
قلنا: شرط جواز العقد ما يشترط مقارنًا للعقد إلا أن اشتراط القبض مقارنًا لحالة العقد من حيث الحقيقة غير ممكن من غير تراض لما فيه من إثبات اليد على مال الغير بغير رضاه فعلقت الجواز بقبض يوجد في المجلس؛ لأن مجلس العقد حكم حالة العقد كما في الإيجاب والقبول، فصار القبض الموجود بعد العقد في مجلس العقد كالموجود وقت العقد من حيث الحكم، ولو كان موجودًا وقت العقد من حيث الحكم، ثم اختلف المشايخ فيما بينهم أن التعارض قبل الافتراق شرط صحة العقد أو شرط بقاء العقد على الصحة وإلى كل واحد أشار محمد رحمه الله في (الكتاب)، فعلى قول من يقول: أنه شرط بقاء العقد على الصحة لا يتأتى هذا، وعلى قول من يقول شرط صحة العقد يتأتى الإشكال، ولكن وجه الجواب ما ذكرنا.
الشرط الثاني: أن لا يكون في هذا العقد خيار الشرط لأحدهما؛ لأن الخيار استثناء لحكم العقد وهو الملك عن العقد، فيمتنع الملك ما بقي الخيار، وإذا امتنع الملك يمتنع القبض الذي يحصل به التعيين الذي هو شرط جواز هذا العقد.
الشرط الثالث: أن لا يكون في هذا العقد أجل؛ لأن شرط الأجل يتقدم استحقاق القبض الذي به يحصل به التعيين، فرجع الكل إلى معنى واحد أن الفساد بسبب انعدام القبض الذي يحصل التعيين، وخيار الرؤية وخيار العيب يخالف خيار الشرط في هذا الباب؛ لأنه بختار العيب والرؤية لا يمتنع الملك فكان القبض الذي يحصل به التعيين ثابتًا، فيصح العقد ولا كذلك الأجل وخيار الشرط، فهذا هو الفرق بين هذه الفصول، وإن افترقا من غير تقابض أو شرط الخيار أو الأجل فسد البيع ثم لا يصح بعد ذلك، أما إذا افترقا من غير تقابض؛ فلأنه فات شرط الصحة وهو التقابض، وأما إذا كان فيه خيار الشرط، فكذلك لهذا المعنى أيضًا، وأما إذا كان فيه أجل قائم يفسد العقد إذا لم يتقابضا، فأما إذا تقابضا لا يفسد العقد؛ لأن الإقباض يكون إسقاطًا للأجل ولو شرطا الخيار ثم أبطلا قبل الافتراق أو كان الخيار لأحدهما فأبطله الذي هو له قبل الافتراق جاز استحسانًا عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله.
والكلام فيه نظير الكلام فيما إذا شرط الخيار في بيع العين أربعة أيام ثم أسقط الخيار قبل دخول اليوم الرابع، وقد مر الكلام فيه في كتاب البيوع، وإن كان لأحدهما أجل فيما عليه أولهما فأبطل ما لهما من الأجل قبل التفرق جاز استحسانًا، وعن أبي يوسف أن صاحب الأجل إذا أسقط الأجل لا يبطل حتى يرضى به صاحبه.
وفرق بين هذا وبين الخيار والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية؛ لأن الأجل يثبت حقًا لصاحب الأجل وصاحب الحق يتمكن من إسقاطه من غير أن يتوقف ذلك على رضا غيره كذا هاهنا وصاحب الحق يتمكن من إسقاطه من غير أن يتوقف إلي.
ثمّ فرق بين بيع الدراهم (بالدراهم) والدنانير بالدنانير وبيع الفلوس بالدراهم أو بالدنانير، حيث لم يشترط في بيع الفلوس بالدراهم أو بالدنانير قبض البدلين قبل الافتراق، ويكتفي بقبض أحد البدلين.
والفرق: أن قضية القياس أن لا يجب قبض البدلين كما في سائر العقود التي ليست بصرف، وإن كان العقد صرفًا قبل الافتراق لكن عرفنا اشتراطه في عقد الصرف وهو بيع الدرهم بالدرهم وبيع الدينار بالدينار وبيع أحد الجنسين بالآخر بالنص، والنص الوارد ثمة لا يكون واردًا في بيع الفلس بالدراهم؛ لأن ثمة الفلوس دون ثمنية الدراهم والدنانير؛ لأن ثمنية الفلوس عارضة على شرف الزوال بالكساد فرد بيع الفلس بالدراهم أو بالدنانير على أصل القياس.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد: إذا اشترى فلوسًا بدراهم على أن بائع الدراهم بالخيار فدفع الدراهم ولم يقبض الفلوس حتى افترقا، فالبيع فاسد؛ لأن قابض الدراهم لم يملك الدراهم لما شرط الخيار لبائع الدراهم؛ لأن خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه فكأنهما افترقا من غير قبض أصلًا، وإن كان الخيار لبائع الفلوس وقد قبض الدراهم، فالبيع جائز؛ لأن بائع الفلوس يملك الدراهم هاهنا بالقبض، لأنه مشتري الدراهم وخيار المشتري لا يمنع الملك له فيما اشترى، فلا يمنع صحة القبض، وقد وجد قبض أحد البدلين، وإنه كافٍ في بيع الفلوس بالدراهم أو الدنانير، وعلى قول أبي حنيفة: ينبغي أن لا يجوز هذا العقد؛ لأن عنده خيار الشرط كما يمنع ثبوت الملك للبائع في البدل الذي من جانب المشتري يمنع ثبوت الملك للمشتري في البدل الذي من جانب صاحبه، فلا يملك مشتري الدراهم بالقبض فيتحقق الدينية من الجانبين.
ولو شرط النّساء في أحد البدلين في بيع الدراهم بالدنانير، وأشباه ذلك ثم إن المشروط له النسيئة نقد البعض دون البعض فسد البيع في الكل في قول أبي حنيفة، وذلك بأن يشتري دينارًا بعشرة دراهم إلى شهر فنقد خمسة ثم افترقا لا يجوز في حصة الخمسة، فإن اشترى بخمسة نقد وبخمسة نسيئة فنقد الخمسة فافترقا فالصرف فاسد كله؛ لأن العقد وقع على الفساد، ولو نقد العشرة كلها جاز وهذا نقض لما كان قبله ذكر المسألة على هذا الوجه في (المنتقى).
وفي (القدوري): لو اشترى دينارًا بعشرة دراهم بعينه ثم نقد بعض العشرة دون البعض فسد البيع في الكل في قول أبي حنيفة، وعندهما يصح بمقدار ما قبض ولو قبض الدراهم وهي مستحقة فالقبض صحيح، وإذا أجازه المالك ينفذ.
ومما يتصل بهذا الفصل معرفة حد التفرق فاعلم بأن التفرق الذي يوجب بطلان عقد الصرف قبل التقابض فيأخذ كل واحد منهما في جهة أو يذهب أحدهما ويبقى الآخر، فهذا تفرق معتبر يوجب بطلان العقد سواء أكان البيع دينًا بدين كالدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير أو أحدهما بصاحبه.
أو كان عينًا بعين كالأواني والقلب وهذا؛ لأن القلب والآنية وإن كان يتعين بالتعيين إلا أن معنى الثمنية لا تبطل بالصنعة؛ لأن هذا معنى لازم بأصل التخليق فألحق بجنسه وهو الدراهم والدنانير، فيشترط قبض البدلين في المجلس كما في الدراهم والدنانير.
ولو قاما عن مجلس الصرف فذهبا معًا في جهة واحدة فرسخًا أو ما أشبهه ثم تقابضا قبل أن يفارق أحدهما صاحبه جاز العقد، وهذا دليل على أن المعتبر التفرق بالأبدان لا بالذهاب عن مجلس العقد، قال: وكذلك لو طال قعودهما في مجلس العقد أو ناما في مجلس العقد أو أغمي عليهما ثم تقابضا قبل أن يفارق أحدهما صاحبه جاز هكذا ذكر القدوري في (كتابه).
وذكر مسألة النوم والقعود والإغماء علي بن الجعد عن أبي يوسف على نحو ما ذكر القدوري، وذكر ابن رستم عن محمد مسألة الذهاب معًا ميلًا أو أكثر على نحو ما ذكر القدوري، وذكر مسألة النوم بخلاف ما ذكر القدوري فقال: إذا ناما أو نام أحدهما فهذه فرقة، ولو ناما جالسين لم تكن فرقة.
وعن محمد رواية أخرى: إذا نام طويلًا بطل الصرف، وإن كان يسيرًا فهو على صرفه فهذه المسألة دليل أيضًا أن العبرة للتفرق بالأبدان، والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال «وإن استنظرك أن يدخل بيته فلا تنتظره»، وقال أيضًا: وإن وثب من سطح فثب معه، وكذلك إذا قام أحدهما عن المجلس وبقي الآخر كذلك لا يبطل الصرف ما لم يتفرقا؛ لأنهما لو قاما معًا لا يبطل الصرف فإذا قام أحدهما أولى.
قال القدوري في (كتابه): ولا يشبه هذا خيار المخيرة، يريد به: أن خيار المخيرة يبطل بالقيام عن المجلس؛ لأن خيار المخيرة يبطل بالإعراض والقيام عن المجلس دليل الإعراض.
قلنا: بطلان الصرف بالافتراق بالأبدان قبل قبض البدلين، وذلك يتحقق بمجرد قيام أحدهما أو قيامهما عن المجلس.
وعن محمد رحمه الله رواية أخرى: أنه جعل الصرف بمنزلة خيار المخيرة حتى قال: يبطل بما هو دليل الإعراض كالقيام عن المجلس والنوم طويلًا وأشباه ذلك.
وعن محمد: إذا كان لرجل على غيره ألف درهم ولذلك الغير عليه مئة دينار فأرسل من عليه الدراهم إلى صاحبه رسولًا، وقال: بعتك الدنانير التي عليك بالدراهم التي لك علي فقال صاحبه: قد قبلت فهو باطل علل، قال: من قبل أنهما تصارفا وهما مفترقان ومعنى هذا الكلام أن عبارة الرسول تنتقل إلى المرسل، فكأن المرسل باشر البيع مع صاحبه وهما مفترقان، إلا أن الافتراق في غير الصرف ليس بضائر.
وعن محمد فيمن قال لقوم: اشهدوا أني اشتريت من ابني الصغير هذا الدينار بعشرة دراهم، ثم قام قبل أن يزن العشرة فهو باطل؛ لأنه لا يمكن اعتبار الافتراق بالأبدان؛ لأن العاقد هو فيعتبر المجلس والله أعلم.

.الفصل الثاني: في بيع الدين بالدين وبالعين:

وإذا باع الرجل دينارًا بدراهم وليس عند هذا دراهم، ولا عند ذلك الدينار فنقد هذا الدراهم، وذلك الدينار وتقابضا قبل أن يفترقا جاز.
فرق بين هذا وبينما إذا باع مكيلًا ليس عنده من آخر تمكيل ليس عند الآخر، ونقد كل واحد منهما ما باعه وتقابضا حيث لا يجوز، والفرق: أن في مسألة المكيل ما يقع عليه لفظ البيع مبيع فيصير بائعًا ما ليس عنده، وذلك لا يجوز أما في مسألة الدراهم بالدنانير يصير مشتريًا بما ليس عنده، والشراء بما ليس عند الإنسان صحيح.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: إذا اشترى فلوسًا بدراهم وليس عند هذا فلوس ولا عند هذا دراهم، ثم إن أحدهما دفع وتفرق جاز؛ لأن كل واحد منهما ثمن فيصير كل واحد منهما مشتريًا بثمن ليس عنده وذلك جائز، وإنما اكتفى بنقد أحدهما لما ذكرنا قبل هذا: أن في بيع الفلوس بالدراهم يكتفي بقبض أحد البدلين قبل الافتراق.
وإن لم ينقد واحد منهما حتى تفرقا لم يجز؛ لأن هذا دين بدين، فإذا اشترى دينارًا بدراهم وليس عند هذا دينار ولا عند هذا دراهم فنقد أحدهما وتفرقا لم يجز؛ لأن هذا صرف، وفي الصرف يشترط قبض البدلين قبل التفرق، ولو باع تبر فضة بفلوس بغير أعيانها وتفرقا قبل أن يتقابضا فهو جائز؛ لأن الدين هاهنا بمنزلة العروض، فكأنه باع عرضًا بفلوس بغير أعيانها، وهناك لا يشترط التقابض كذا هاهنا ولم يكن الدين عنده لم يجز بمنزلة ما لو باع عرضًا ليس عنده بفلوس، وإذا اشترى شيئًا بدين وهما يعلمان أنه لا دين عليه لا يجوز الشراء، ويكون هذا بمنزلة ما لو اشترى بغير ثمن؛ لأنه سمى ما لا يصير ثمنًا، ولو اشترى بدين مظنون ثم تصادقا على أنه لا دين فالشراء صحيح بمثل ذلك الدين.

.الفصل الثالث: في الساعات التي يشترط فيها قبض البدلين حقيقة:

وما يكتفي فيه بقبض أحدهما حكمًا، وما يكتفي منها بقبض أحدهما حقيقة، وما لا يكتفي.
مسائل هذا الفصل قد ذكرناها بتمامها في أول الفصل السادس من البيوع فلا نعيد ذكرها.

.الفصل الرابع: في الدراهم المغشوشة تباع بالفضة الخالصة:

وفي الدراهم المغشوشة يشتري بها متاع وزنًا أو عددًا بعينها أو بغير عينها.
مسائل هذا الفصل وقد ذكرنا في أول الفصل السادس من البيوع فلا نعيدها.

.الفصل الخامس: في الفلوس:

بعض مسائل هذا الفصل ذكرنا في أول الفصل السادس من البيوع أيضًا: فذكر هاهنا ما لم يذكر ثمة، فمن جملة ما لم يذكر ثمة:
إذا اشترى الرجل متاعًا بعينه أو فاكهة بعينها بفلوس ليست عنده فهو جائز؛ لأن الفلوس كالدراهم والدنانير، ولو اشترى شيئًا بعينه مما ذكرنا بدراهم أو بدنانير ليست عنده جاز الشراء كذا هاهنا.
وإذا اشترى متاعًا بعينه بفلوس بعينها فله أن يعطي غيرها مما يروج بين الناس لما ذكرنا أن الفلوس ثمن، فصار الشراء بالفلوس بمنزلة الشراء بالدراهم.
ولو اشترى متاعًا بعينه بدراهم بعينها كان له أن يعطي مثل تلك الدراهم كذا هاهنا.
فإن قيل الفلوس إنما صارت ثمنًا باصطلاح الناس لا بالشرع، فإذا عينا الفلوس في العقد فقد قصدا تعليق العقد بالمعين وجعله مثمنًا يجب أن يبطل الاصطلاح على الثمينة في حقهما، كما قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فيمن باع فلسًا بعينه بفلسين بأعيانهما، فإنه يجوز وينفسخ الاصطلاح على الثمينة في حقهما تحقيقًا لجواز البيع إذ لا يجوز هذا البيع مع بقاء الثمينة.
والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: إن التعيين محتمل، يجوز أن يكون لتعليق العقد بالمعين، ويجوز أن يكون لبيان قدر الواجب وصفته فكأنه قال: بعت منك بمثل هذه الفلوس، فإن كان البيع لتعليق العقد به ينفسخ ذلك الاصطلاح السابق، وإن كان لبيان القدر الواجب في الذمة وصفته لا ينفسخ الاصطلاح السابق، فلا ينفسخ الاصطلاح بالاحتمال حتى لو تصادقا أنهما قصدا تعليق العقد بعينه يقول بأنه يبطل ذلك الاصطلاح وتصير الفلوس مثمنًا لا يجوز للمشتري أن يعطي البائع مثلها، وفيما إذا أورد من المسألة الاصطلاح على الثمنية لم يبطل بسبب التعيين لكون التعيين محتملًا على ما ذكرنا، كما في هذه المسألة، وإنما بطل الاصطلاح ثمة مقتضى جواز البيع؛ لأن البيع لا يجوز وهما ثمنان؛ لأن بيع الثمن واحد باثنين لا يجوز كبيع الدرهم بالدرهمين، وهاهنا الجواز ثابت من غير يقين، فإن بيع المتاع بفلوس في الذمة جاز فلا تبطل الثمنية لا مقتضى جواز البيع ولا مقتضى التعين ولو أعطى تلك الفلوس فافترقا ثم وجد فيها فلسًا لا يتفق فرده واستبدله هل ينتقض العقد.
ففي هذه الصورة وهو ما إذا كان الفلوس ثمن متاع لا يبطل العقد سواء كان المردود قليلًا أو كثيرًا استبدل أو لم يستبدل؛ لأن أكثر ما فيه أن القبض في الفلوس قد انتقض بالرد وصار كأن لم يكن إلا أنه لو لم يقبض الفلوس وافترقا لا ينتقض العقد؛ لأن الافتراق حصل عن عين بدين كذا هاهنا.
وإن كانت الفلوس ثمن الدراهم فهو على وجهين: إما إذا كانت الدراهم مقبوضة أو لم تكن مقبوضة، فإن كانت الدراهم مقبوضة ورد الذي لا يتفق واستبدل أو لم يستبدل فالعقد باق على الصحة؛ فكذلك لو وجد الكل في هذه لا تتفق الصورة فردها واستبدل، فالعقد باق على الصحة؛ لأن أكثر ما فيه أن قبض الدراهم ينتقض بالرد، ويصير كأن لم يكن فكأنه لم يقبض الفلوس، ولكن لو لم يقبض الفلوس والدراهم مقبوضة فافترقا لا ينتقض العقد لما ذكرنا أن بيع الفلوس بالدراهم يكتفى بقبض أحد البدلين قبل الافتراق.
فإن لم تكن الدراهم مقبوضة إن وجد كل الفلوس لا تتفق فردها بطل العقد في قول أبي حنيفة وزفر، استبدل في مجلس الرد أو لم يستبدل، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إن استبدل في مجلس الرد فالعقد صحيح على حاله، وإن لم يستبدل انتقض العقد، وإن كان البعض لا يتفق فردها، فالقياس: أن ينتقض بقدره قليلًا كان أو كثيرًا، استبدل في مجلس الرد أو لم يستبدل في قول أبي حنيفة وهو قول زفر رحمهما الله، ولكن أبا حنيفة استحسن في القليل إذا رده واستبدل في مجلس الرد أن لا ينتقض العقد أصلًا.
واختلفت الروايات عن أبي حنيفة في تحديد القليل، فقال في روايته: إذا زاد على النصف فهو كثير وما دونه قليل، في رواية: إذا بلغ النصف فهو كثير، وفي رواية قال: إذا زاد على الثلث وقال أبو يوسف ومحمد: إذا ردها واستبدل في مجلس الرد لا ينتقض العقد قليلًا كان المردود أو كثيرًا، هذا إذا كانت الفلوس فلوسًا قد تروج وقد لا تروج، فأما إذا كانت الفلوس فلوسًا لا تروج بحال، وقد تفرقا فرد الفلوس، ينتقض العقد استبدل في المجلس أو لم يستبدل، فإن وجد بعض الفلوس بهذه الصفة فرد ينتقض العقد بقدره استبدل في مجلس الرد أو لم يستبدل.
وإذا اشترى الرجل بدانق فلسًا أو بقيراط فلسًا، فهذا جائز استحسانًا هكذا ذكر في (الأصل).
قال شمس الأئمة الحلواني: هذا إذا كان الدانق أو القيراط معلومًا فيما بين الناس لا يختلف في معاملاتهم، فإذا كان مختلفًا يأخذ بعضهم عشرة وبعضهم تسعة لا يجوز العقد لمكان المنازعة، ولم يذكر شيخ الإسلام خواهرزاده وشمس الأئمة السرخسي هذا الفصل على هذا التفصيل في شرحهما.
ولو اشترى شيئًا (بدرهم فلوس) قال في (الكتاب): كان مثل ذلك في القياس والاستحسان الذي ذكرنا في الدانق أنه يجوز، ثم قال: وهو في الدراهم فحش ولم ينص على الجواز وعدم الجواز، وقال زفر: لا يجوز فيهما، وقال أبو يوسف: إنه يجوز فيهما.
وروى هشام عن محمد: أنه يجوز فيما دون الدراهم ولا يجوز في الدراهم.
وجه قول زفر: أن الدانق والدرهم ذكر الوزن والفلوس عددي فيلغو ذكر الوزن ويبقى ذكر الفلوس ومجرد ذكر الفلوس من غير ذكر العدد لا يكفي لجواز العقد.
وأبو يوسف رحمه الله يقول بذكر الدانق والدرهم يصير عدد الفلس معلومًا؛ لأن قدر ما يؤخذ الدرهم من الفلوس معلوم في السوق، وكذلك قدر الدانق من الفلوس معلوم في السوق، فتسمية الدرهم والدانق كتسمية ذلك العدد في الإعلام على وجه لا تتمكن المنازعة فيه بينهما.
ومحمد يقول فيما دون الدرهم ذكر الاستعمال للعبارة عما يوجد بدون عدد الفلوس فيقام مقام تسمية ذلك العدد، أما في الدراهم وما فوق ذلك لم يكثر استعماله للعبارة عما يوجد به من الفلوس، فلا يقام هو مقام تسمية ذلك العدد فبقي عبارة عن الفضة؛ لأن مطلق اسم الدانق يقع على الدانق من الفضة، ألا ترى أنه لو قال لغيره: بعتك هذا بدانق ينصرف إلى الدانق من الفضة، فإذا ذكر بعد ذلك الفلوس صار تقدير المسألة كأنه قال: بعتك هذا بدانق فضة على أن تعطيني مقام الفضة فلوسًا فيكون هذا صفقة في صفقة فلا يجوز.
قال: إذا أعطى رجل رجلًا درهمًا، وقال: أعطني بنصفه كذا فلسًا وبنصفه درهمًا صغيرًا، وزنه نصف درهم، فهذا جائز؛ لأنه جمع بين عقدين كل واحد منهما يجوز حالة الإنفراد؛ لأنه جمع بين عقد الصرف وعقد البيع؛ لأن ما يخص الدرهم الصغير من الدرهم الكبير صرف، وما يخص الفلوس من الدرهم الكبير بيع فنحكم بالجواز حالة الاجتماع، فإن تفرقا قبل قبض الدرهم الصغير والفلوس، فالعقد قائم في الفلوس منتقض في حصة الدرهم الصغير؛ لأن في حصة الدرهم الصغير صرف، وقد افترقا قبل قبض أحد البدلين، وفي حصة الفلوس العقد بيع، وقد قبض بدله من الدرهم الكبير، ففي حصة الفلوس افتراق العقد حصل عن عين بدين، فإن لم يكن دفع الدرهم الكثير حتى افترقا بطل البيع في الكل.
ولو قال: أعطني بنصف هذا الدرهم كذا كذا فلسًا، وأعطني بنصفه درهمًا صغيرًا وزنه نصف درهم إلا حبة، فإن العقد يفسد كله عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز في حصة الفلوس وهذا؛ لأن العقد فسد في الدرهم الصغير لمكان الربا، فإن مقابله نصف درهم إلا حبة يكون ربًا، ومن أصل أبي حنيفة أن العقد إذا فسد بعضه يعني الربا يفسد الكل عرف ذلك في كتاب البيوع.
وكان الفقيه أبو بكر الأعمش، والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري، والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمهم الله يقولون: الصحيح أن العقد يجوز في حصة الفلوس عندهم جميعًا على ما عليه وضع المسألة في (الأصل)؛ لأن الصفقة صفقتان على ما عليه وضع المسألة في (الأصل) أعطني بنصفه كذا فلسًا وأعطني بنصفه الباقي درهمًا صغيرًا، فإذا تكرر قوله أعطني تكرر العقد ففساد أحدهما لا يوجب فساد الآخر بمنزلة ما لو قال لغيره: بعني بنصف هذه الألف عبدًا، وبعني بنصفها كذا كذا رطلًا من خمر، وهناك لا يبطل العقد في العبد، وإن بطل في الخمر لما كانت الصفقة متفرقة.
وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني والفقيه مظفر بن اليمان والشيخ الإمام شيخ الإسلام خواهرزاده: أنهم صححوا ما ذكر في (الكتاب)، ووجه ذلك: أن الصفقة متحدة هاهنا؛ لأنها لو تفرقت تفرقت بتكرر قوله أعطني مساومة وبتكرار المساومة لا يتكرر البيع، ألا ترى أن بذكر المساومة لا ينعقد البيع ما لم يقل: اشتريت، وإذا كان لا ينعقد البيع ما لم يقل اشتريت، وإذا كان لا ينعقد البيع بذكر المساومة فبتكراره كيف يتكرر العقد فكانت الصفقة واحدة والتقريب ما ذكرنا.
ولو قال: أعطني به كذا وكذا فلسًا ودرهمًا صغيرًا، وزنه نصف درهم إلا قيراطًا كان ذلك كله جائز بخلاف المسألة الأولى، في المسألة الأولى صرح بالفساد حيث جعل بإزاء الدرهم الصغيرة نصف درهم من الدرهم الكبير إلا حبة، والعاقدان متى صرحا بفساد العقد لا يحمل على وجه الصحة، أما في هذه المسألة لم يصرحا بفساد العقد، فإنه لم يتيقن للدرهم الصغير حصة الدرهم الكبير، فإنه لم يقل وأعطني بنصف الدرهم الكبير درهمًا صغيرًا وزنه مثل نصف الدرهم الكبير إلا قيراطًا فيجعل بإزاء الدرهم الكبير مثل وزنه، وذلك نصف درهم إلا قيراطًا، والباقي من الدرهم الكبير يجعل بإزاء الفلوس بخلاف المسألة المتقدمة على ما ذكرنا.
ولو اشترى فلوسًا بدرهم وافترقا، ثم وجد شيئًا من الفلوس مستحقًا ولم يجزه المستحق، فإن كان مشتري الفلوس نقد الدرهم، فإنه يستبدل مثله ويجوز العقد؛ لأن أكثر ما في الباب أن القبض في المستحق قد انتقض إلا أن الدراهم مقبوضة، وقد ذكرنا أن في بيع الفلس بالدرهم يكتفي بقبض أحد البدلين قبل الافتراق، ألا ترى أنه لو استحق كل الفلوس فردها أو لم يقبض الفلوس أصلًا حتى تفرقا، وكان مشتري الفلوس نقد الدرهم يبقى العقد على الصحة فهاهنا أولى، وإن لم يكن نقد الدرهم فالعقد ينتقض بقدر المستحق إن كان المستحق بعض الفلوس، وفي الكل إن كان المستحق جميع الفلوس؛ لأن القبض في المستحق قد انتقض فصار كأن لم يكن فكان الافتراق عن دين بدين، إما في الكل، وإما في البعض، وإذا وقع الشراء بالفلوس الرائجة وكسدت الفلوس قبل القبض، أو كان المشتري فلوسًا وكسدت قبل القبض فقد ذكرنا هذه المسألة مع أخواتها وما يتصل بها في كتاب البيوع فلا يفيد ذكرها.

.الفصل السادس: في خيار الرؤية والرد بالعيب والاستحقاق في باب الصرف:

وإذا اشترى دينارًا بعشرة دراهم وتقابضا، ثم وجد مشتري الدراهم الدراهم كلها (مستحقة)، فإن كانا في مجلس العقد يتوقف على إجازة المستحق، فإن أجاز جاز، وإن لم يجز بطل القبض وصار كأنه لم يكن، فإن قبض دراهم أخرى في مجلس العقد فالصرف صحيح ويجعل كأنه أخر القبض إلى آخر المجلس، وإن لم يقبض بطل العقد، وإن وجدها ستوقة وكان ذلك في مجلس العقد ليس له أن يجوز به؛ لأن الستوقة ليست من جنس بدل الصرف، فيصير مستبدلًا ببدل الصرف قبل القبض، وإن لم يجوز ورده إن استبدل في المجلس جاز وجعل كأنه أخر القبض إلى آخر المجلس، وإن وجدها زيوفًا أو نبهرجة، وكان ذلك في مجلس العقد إن تجوز به المسلم إليه جاز؛ لأن الزيوف من جنس بدل الصرف؛ لأن الزيوف ما كان الفضة فيه غالبًا على الغش والعبرة للغالب، فكان الكل فضة فالتجوز به لا يصير مستبدلًا ببدل الصرف، وإن رده واستبدله في مجلس العقد جاز، وإن افترقا قبل الاستبدال بطل الصرف، وأما إذا وجدها أو بعضها مستحقة وكان ذلك بعد الافتراق بأبدانهما إن أجازه المستحق وكانت الدراهم قائمة جاز؛ لأن خيار الإجازة لا يمنع صحة القبض على سبيل التوقف فلا يتبين أن الافتراق حصل من غير قبض بدل الصرف، وإذا صح القبض على سبيل التوقف جاز بإجازته إذا كان رأس المال قائمًا، وإذا رد بطل الصرف كله إن كان الكل مستحقًا، وإن كان البعض مستحقًا بطل الصرف بقدره قلّ أو كثر؛ لأن القبض في المستحق موقوف بين أن يكون قبض رأس المال متى أجاز، وبين أن لا يكون قبض رأس المال متى لم يجز.
والموقوف بين شيئين إذا تعين أحدهما كان هو الثابت من الأصل، فكان قبض رأس المال لم يوجد أصلًا، وأما إذا وجدها ستوقة أو وجد شيئًا منها ستوقة وكان ذلك بعد الافتراق بأبدانهما إن وجد الكل ستوقة بطل الصرف كله، وإن وجد البعض ستوقة بطل الصرف بقدره تجوز به، أو رده واستبدل مكانه أو لم يستبدل لما ذكرنا أن الستوقة ليست من جنس الدراهم، فتبين أن الافتراق حصل قبل قبض كل بدل الصرف أو قبل قبض بعضه.
وفي (نوادر ابن سماعة) وضع هذه المسألة في الإناء فقال: رجل باع من آخر إناء فضة وزنها عشرة بعشرة وتقابضا وتفرقا، ثم وجد بائع الإناء نصف الدنانير ستوقة ردها وله نصف الإناء وللمشتري نصف الإناء وزاد فيه فقال: ولا خيار للمشتري وعلل وقال: لأن هذا جاء من قبله حين لم يستوف الثمن جيادًا قبل أن يفارقه، وإن وجدها زيوفًا أو وجد بعضها زيوفًا وكان ذلك بعد الافتراق بأبدانهما، وإن رده إن لم يستبدل في مجلس الرد يبطل الصرف في المردود بلا خلاف، وإن استبدل في مجلس الرد القياس أن يبطل الصرف في المردود وبه أخذ زفر في الاستحسان لا يبطل.
والاختلاف في هذا نظير الاختلاف في رأس مال السلم إذا وجده المسلم إليه مستحقًا أو ستوقة أو زيوفًا، وقد ذكرنا الحجج في مسائل السلم في كتاب البيوع، ثم اتفقت الروايات عن أبي حنيفة: أن ما زاد على النصف كثير، وفي النصف روايتان، في رواية جعله كثيرًا، وفي رواية جعله قليلًا، وفي رواية قال: إذا زاد على الثلث فهو كثير وقد مر هذا في كتاب البيوع أيضًا.
وإذا اشترى الرجل سيفًا محلى بدراهم أكثر مما فيه وتقابضا وتفرقا ثم وجد بالسيف عيبًا في جفنة أو نصله أو حمائله، فله أن يرد الكل ما وجد فيه العيب وما لم يجد؛ لأنه شيء واحد، وإن رده وقبله صاحبه بغير قضاء قاض، ثم فارقه قبل أن يقبض البدل بطل الرد عند علمائنا الثلاثة وعاد العقد على حاله، وقال زفر: لا يبطل الرد وعلى هذا الخلاف إذا تقايلا الصرف ثم افترقا قبل قبض البدل بطلت الإقالة عند علمائنا الثلاثة قالوا: الإقالة بعد القبض والرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء فسخ من وجه بيع جديد من وجه فاعتبرنا بيعًا جديدًا في حق وجوب قبض البدل بعد الإقالة قبل الافتراق.
قلنا: إذا افترقا بعد الإقالة قبل قبض بدل الصرف تبطل الإقالة واعتبرناه فسخًا في حق جواز الاستبدال، فقلنا: إذا استبدل بعد الإقالة ببدل الصرف يجوز عملًا بالمعينين جميعًا بقدر الإمكان، ولو كان الرد بالعيب بعد القبض بقضاء ثم افترقا قبل أن يقبض البدل لا تبطل الإقالة؛ لأن الرد بالعيب بعد القبض فسخ في حق الكل وقبض البدل إنما يجب بحكم عقد الصرف لا بحكم فسخ الصرف ولا كذلك الرد بعد القبض بغير قضاء.
ولو اشترى حلي ذهب فيه جوهر مفضض فوجد بالجوهر عيبًا، فأراد أن يرد الجوهر دون الحلي ليس له ذلك ويقال له: إما أن ترد الكل أو تترك الكل.
وهذا لأن الانتفاع المقصود منه وهو انتفاع التحلي لا يتأتى إلا بالكل، فصار بالنظر إلى المقصود كان الكل شيء واحد، فهو بمنزلة ما لو اشترى مصراعي باب أو مصراعي خف وأراد أن يرد الذي وجد العيب به وحده لم يكن له ذلك والمعنى ما ذكرنا.
ولو أن رجلًا اشترى من رجل إبريق فضة فيه ألف درهم بألف درهم، أو اشترى من رجل ألف درهم بمئة دينار وتقابضا، ثم وجد الدراهم ستوقة أو رصاصًا فردها فله أن يفارقه قبل قبض الثمن وقبل قبض الإبريق؛ لأن رد الدراهم حصل بحكم فساد الصرف بسبب الستوقة والرصاص صار فاسدًا لحصول الافتراق قبل قبض أحد البدلين والرد بحكم الفساد فسخ من كل وجه.
وإذا كان هذا الرد فسخًا من كل وجه صار نظير الرد بالعيب بقضاء القاضي، وهناك لا يضرهما الافتراق قبل قبض البدل فكذا هاهنا، ولو كانت الدراهم زيوفًا فردها على قول أبي حنيفة رحمه الله إن لم يقبض الدنانير حتى تفرقا لم يضرهما ذلك؛ لأن الرد بالزيافة عند أبي حنيفة إذا كان كثيرًا، والرد بالستوقة والرصاص سواء حتى لا يبقى العقد جائزًا، وإن استبدل في مجلس الرد؛ لأنه رد بسبب الفساد فيكون فسخًا من كل وجه.
ولو اشترى إناء فضة فلا بيع بينهما؛ لأنه أشار وسمى، والمشار إليه من خلاف جنس المسمى، فيتعلق العقد بالمسمى، وإنه معدوم فلا يقع البيع، ولو كانت فضة سوداء أو حمراء فيها رصاص أو صفر، وهو الذي أفسدها فهو بالخيار، وإن شاء أخذها وإن شاء ردها وهذا؛ لأن المشار إليه من جنس المسمى فأرسله سمي لها فضة في الناس فيتعلق العقد، بالمشار إليه، وإنه موجود فيقع العقد إلا أن به عيب فيثبت الخيار للمشتري لمكان العيب، ولو كانت الفضة رديئة من غير غش فليس له الرد؛ لأن حق الرد إنما يثبت لفوات المشروط.
كما لو اشترى عبدًا على أنه كاتب فوجده غير كاتبًا، والنقصان يمكن في المعقود عليه بأن وجد المبيع ثابت الطرف أو ما أشبه ذلك ولم يوجد بشيء من ذلك، أما فوات المشروط؛ لأنه لم يشترط عند العقد إلا كون الإناء من الفضة، والإناء من الفضة كما لو شرط، وإما تمكن النقصان في المعقود عليه العين، وبسبب الرداءة لا يمكن النقصان في العين.
يوضحه: أن العيب ما تخلوا عنه أصل الفطرة السليمة، وصفة الرداءة بأصل الخلقة، ألا ترى أن بالرداءة تنعدم صفة الجودة، وبمطلق العقد لا يستحق صفة الجودة، إنما يستحق صفة السلامة.
فإذا اشترى إبريق فضة بذهب، ووجد به عيبًا فهلك في يده أو حدث به عيب آخر، فله أن يرجع بنقصان العيب وهذا ظاهر، فلو كان الثمن فضة فلم يرجع بالنقصان.
والفرق: أن الثمن كان من جنس الإبريق فمتى رجع بالنقصان يرجع بشيء من الثمن، وعند ذلك يظهر التفاضل فيتحقق الربا، وإذا كان الثمن من خلاف جنس الإبريق فمتى رجع بالنقصان لا يظهر التفاضل فلا يتحقق الربا.
ولو اشترى دينارًا بعشرة وتقابضا والدراهم زيوف فأنفقه المشتري وهو لا يعلم فلا شيء له على البائع في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف رحمه الله: يرد مثل ما قبض ويرجع بالجياد.
وقال القدوري في (شرحه): والظاهر من قول محمد: أنه مع أبي يوسف، وذكر الكرخي قول أبي حنيفة رحمه الله مع محمد.
فوجه قول أبي يوسف: أن صفة الجودة متقومه وقد أمكن استدراكه برد مثل المقبوض والرجوع بالجياد، فيرد مثل المقبوض ويستوفي ما كان حقًا له، ولأبي حنيفة: أن المستوفي في مثل جنس حقه أصلًا، إلا أن له حق الرد بسبب العيب، فيتعين المقبوض للرد؛ لأنه لو ردّ عيبًا آخر فبقي لا يمكن تحقيق معنى الرد.
ولو اشترى دينارًا بعشرة دراهم استحق نصف الدينار، رجع بنصف الدراهم وله نصف الدينار، ولا خيار له في الباقي؛ لأن الشركة في هذا ليس بعيب، وكذلك سر الفضة؛ لأن الشركة فيها ليس بعيب ولا يضرها التبعيض، ولو كان المبيع قلبًا فاستحق البعض منه كان للمشتري أن يرد الباقي، إن شاء وإن شاء أمسكه بحصة؛ لأن الشركة هاهنا عيب ويرد الباقي بعيب الشركة.
ولو باع درهمًا بدينار، ثم قال: برئت لك من كل عيب بهذا الدرهم فوجده ستوقًا لم يبرأ.
والفرق: أن البراءة وقعت من عيب بالدراهم والزيف درهم قام به العيب الزيافة تحت البراءة، أما الستوقة ليست بدرهم فلا يمكن أن يجعل هذا واحدًا تحت البراءة.
وعن محمد فيمن قال: أبيعك هذه الدراهم وأراها إياه، ثم وجدها زيوفًا قال: ببدلها إلا أن يقول: هي زيوف أو يبرأ عن عيبها؛ وهذا لأنها وإن عينت لا تتعين، فصار وجود التعيين والعدم بمنزلة، ومطلق الدراهم تنصرف إلى الجياد فاستحق صفة الجودة بمطلق الاسم، وقد فاتت صفة الجودة إذا وجدها زيفًا، فكان له أن يبدلها قال: إلا أن شراء عن عينها فحينئذٍ لا يبقى له خيار العيب.
وعن محمد: فيمن اشترى دينارًا وتقابضا، ثم إن مشتري الدينار باع الدينار من ثالث، ثم وجد الثالث به عيبًا فردها على الأوسط بغير قضاء، كان للأوسط أن يرده على الأول قال: ولا يشبه هذا العروض، والفرق: أن الدنانير المعيبة لا تملك بالعقد؛ لأنها لا تتعين في العقد بالتعيين، وإنما يقع العقد على دراهم في الذمة، والملك في المعيبة يثبت بالقبض، وقد انتقض قبض الثالث بالرد فعاد إلى الأوسط قد تم ملكه فكان له الرد، فأما العروض، فإنها تملك بالعقد عيبًا؛ لأنها تتعين بالتعيين في العقد، فإنما يعود إلى البائع بفسخ ذلك المبيع بالرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء إن كان فسخًا في المتعاقدين فهو عقد جديد في حق الثالث، فلم يعد إلى الأوسط قد تم ملكه في حق البائع الأول، فلا يكون له الرد على البائع الأول.
قال القدوري في (شرحه): وليس في الدنانير والدراهم خيار الرؤية إذا كان الكل نوعًا واحدًا، وكذلك سائر الديون في العقود وهذا؛ لأن الرد في خيار الرؤية لا يفيد إما؛ لأنه ينفسخ العقد بالرد؛ لأن العقد لم يرد على هذا المعين فكيف ينفسخ العقد برده؛ أو لأنه لو رده يأخذ مثله فيثبت له خيار الرؤية أيضًا، وكذلك في الكرة الثالثة فيؤدي إلى ما لا يتناهى، ولو كان شيئًا بعينه إناءً أو تبرًا أو حليًا مصوغًا، فله أن يرد بالعيب وخيار الرؤية؛ لأن الرد بخيار الرؤية هاهنا مقيد؛ لأنها تتعين في العقد فينفسخ العقد فيه بالرد بخيار الرؤية، ولو استحق بعضه وهو بعينه قبل القبض أو بعده، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ ما بقي بالحصة، وإن شاء ترك فإن استحق ولم يحكم به للمستحق حتى أجاز المستحق جاز وكان الثمن فيما أجازه للمستحق يأخذه البائع ويسلمه إليه؛ وهذا لأن الظاهر الرواية العقد الذي جرى بين البائع والمشتري لا ينفسخ بمجرد الاستحقاق، وكذلك بحكم القاضي وسيأتي ذلك في (أدب القاضي) إن شاء الله.
وإذا لم ينفسخ ذلك العقد بمجرد الاستحقاق تلحقه الإجازة من المستحق، ويصير كان للعقد من الابتداء ورد بأن المستحق فيصير البائع وكيلًا من جهته وحقوق العقد تتعلق بالوكيل فيأخذ البائع الثمن من المشتري ويدفع إلى المستحق لهذا، وعن أبي يوسف: أن المستحق إذا قال عند الخصومة: أنا أقيم البينة لآخر العقد فحكم له أجاز بإجازته، وإن لم يقل ذلك لم يجز وهاهنا روايات أخر وسيأتي جملة ذلك في (أدب القاضي).
ومما يتصل بهذا الفصل:
إذا اشترى دينارًا بعشرة دراهم وتقابضا ثم جاء بائع الدينار بدراهم زيوف وقال: وجدتها في ذلك الدراهم وأنكر مشتري الدينار أن تكون هذه الدراهم من دراهمه، فالمسألة على وجوه: إما إن أقر بائع الدينار قبل ذلك فقال: قبضت الجياد أو قال: قبضت حقي أو قال: قبضت رأس المال أو قال: استوفيت الدراهم أو قال: قبضت الدراهم أو قال: قبضت ولم يرد عليه.
ففي الوجه الأول والثاني والثالث والرابع: لا تسمع دعوى بائع الدينار وحتى لا يستحلف مشتري الدينار على ذلك؛ لأن بائع الدينار متناقض في هذه الدعوى.
وفي الوجه الخامس: وهو إذا قال: قبضت الدراهم فالقول قول بائع الدينار وعلى مشتري الدينار البينة أنه أعطاه الجياد استحسانًا.
وجه ذلك: أن بائع الدينار بدعواه أنها من دراهمه وهي زيوف ينكر قبض حقه، ولم يسبق منه إقرار يناقض دعواه؛ لأن الذي سبق منه ليس إلا الإقرار بقبض الدراهم، ومطلق اسم الدراهم يتناول الزيوف فكان بائع الدينار قال: لم أقبض حقي، وقال مشتري الدينار: أوفيت حقك فكان القول قول بائع الدينار وكان على المشتري البينة أنه أوفاه.
وكذلك الجواب في الوجه السادس: وهو ما إذا قال بائع الدينار: قبضت ولم يزد على هذه؛ لأنه لو قال: قبضت الدراهم كان القول قوله في دعوى الزيافة فهاهنا أولى، ولو قال: وجدتها ستوقة أو رصاصًا لا شك أن لا يقبل قوله في الوجوه الأربعة، ففي دعوى الستوقة والرصاص أولى.
وكذلك في الوجه الخامس: لا يقبل قوله، وفي الوجه السادس يقبل قوله.
فرق بين الوجه السادس وبين الوجه الخامس.
والفرق: أن في الوجه الخامس بائع الدينار مناقض في دعوى الستوقة والرصاص، فكأنه أقر أنه قبض الدراهم ثم قال: لم أقبض الدراهم، أما في الوجه السادس: فهو ليس بمناقض في دعوى الستوقة والرصاص؛ لأنه ذكر القبض، أما ما ذكر شيئًا آخر والقبض يرد على الستوق والرصاص كما يرد على الجيد، فهذا هو الفرق بين الصورتين.

.الفصل السابع: في الرهن والحوالة والكفالة والصرف:

قال محمد: إذا اشترى الرجل من آخر عشرة دراهم بدينار فنقد الدينار واحد بالدراهم رهنًا فهو جائز، يجب بأن يعلم بأن الرهن والحوالة والكفالة ببدل الصرف جائز عند علمائنا الثلاثة؛ لأن بدل الصرف دين فتصح الحوالة والكفالة والارتهان به كما في سائر الديون، فإذا جازت هذه التصرفات نقول بعد هذا إن قبض من المحتال عليه والكفيل قبل الافتراق أو هلك الرهن في يد المرتهن قبل الافتراق ثم الصرف بينهما ويعتبر قيام مجلس المتعاقدين ولا يعتبر افتراق الكفيل والمحتال عليه وعدم افتراقهما؛ لأن القبض من حقوق العقد فيتعلق بالمتعاقدين فيعتبر قيام مجلس المتعاقدين لا مجلس غيرهما.
ولو افترق المتعاقدان والرهن قائم بطل الصرف؛ لأن الافتراق حصل قبل قبض أحد البدلين؛ لأن المرتهن إنما يصير مستوفيًا ما وقع الارتهان به بعد الهلاك، فإذا افترق قبل الهلاك فقد حصل الافتراق قبل قبض أحد البدلين فكان الصرف باطلًا، وإذا بطل الصرف بالافتراق بقي الرهن مضمونًا على المرتهن بأقل من قيمته ومن الدين، وإن برئ الرهن عن الدين لما فسد الرهن بالافتراق؛ لأنه برئ يحلف فإن الدينار يعود إلى ملك المرتهن.
والأصل: أن الراهن إذا أبرأ عن الدين يحلف لا يبطل ضمان الرهن، كما لو استوفى المرتهن الدين حقيقة، فإنه لا يبطل ضمان الرهن، وإن برئ الرهن عن الدين بإيفاء الدين؛ لأنه برئ يحلف فبقي ضمان الرهن على حاله كذا هاهنا.
بخلاف ما لو أبرأ المرتهن الراهن عن الدين حيث يبطل ضمان الرهن؛ لأن الراهن هناك برئ عن الدين من غير حلف، أما هاهنا بخلافه أو يقول ضمان الرهن حكم يثبت بالقبض، والقبض باق على ما بطل عقد الصرف بالافتراق، فعند الهلاك يتم الاستيفاء فيما انعقد ضمانه بالقبض، وقد بطل العقد الموجب للاستيفاء فيلزمه رد المستوفي كما لو استوفاه حقيقة.
قال: وإذا اشترى الرجل من آخر شيئًا محلى بدينار وقبض السيف ودفع الدينار، وهناك رهنًا فالحكم ما ذكرنا في المسألة المتقدمة أنه رهن إن هلك الرهن قبل افتراقهما بقي الصرف على الصحة، فإن افترقا والرهن قائم بطل الصرف وبقي الرهن مضمونًا بالأقل من قيمته ومن الدين لما ذكرنا.
وإن حصل الارتهان بالسيف بأن نقد المشتري الدينار وأخذ السيف رهنًا فهلك الرهن عنده قبل أن يفترقا، فإن بائع السيف على مشتري السيف ولا يصير مشتري السيف مستوفيًا السيف بالهلاك؛ إما لأن الاستيفاء العين من العين لا يتصور؛ وإما لأن المرتهن إنما يصير مستوفيًا حقه بالهلاك إذا صح الرهن، ولم يصح الرهن هاهنا؛ لأن الرهن حصل بالعين وهو السيف فالرهن بالأعيان لا يصح على ما يأتي بيانه في كتاب الرهن إن شاء الله تعالى.
وإذا لم يصر المرتهن مستوفيًا السيف بهلاك الرهن يؤمر بائع السيف رد السيف على المشتري كما الرهن، ويضمن المرتهن للراهن الأقل من قيمة السيف ومن الرهن؛ لأن الرهن بالعين فاسد وليس بباطل والفاسد من العقود بعد القبض ملحق بالصحيح في حق إفادة حكمه ما أمكن كما في البيع الفاسد، ولم يمكن اعتباره بالصحيح في حق الضمان بأن يجعله مضمونًا بالعين الذي حصل به الارتهان فيجعله مضمونًا بالأقل من قيمته ومن قيمة العين الذي ارتهن به أو يقول قبض الرهن هاهنا حصل بجهة الاستيفاء، والمقبوض على جهة الشيء كالمقبوض على حقيقته في الضمان فجعلنا الرهن مضمونًا، وجعلناه مضمونًا بالأقل من قيمته من السيف كما ذكرنا.
قال: وكذلك لو كان مكان السيف منطقة أو سرج مفضض، أو إناء مصوغ أو فضة تبر، وهذا دليل على أن التبر يتعين بالتعيين في العقد، فإنه جعله كالسيف، فإنه لا يجوز أخذ الرهن بعينه.

.الفصل الثامن: في الحط عن بدل الصرف والزيادة فيه:

قال محمد رحمه الله: وإذا اشترى الرجل سيفًا محلى بمئة درهم وحلية السيف خمسون وتقابضا، ثم إن بائع السيف حط عن ثمنه درهمًا فهو جائز؛ لأن الحط تعلق بأصل العقد، ويخرج ذلك المحطوط من أن يكون ثمنًا مكانه من الابتداء، وباع السيف بتسعة وتسعين درهمًا، فيكون بمقابلة الحلية مثل وزنها والباقي بمقابلة السيف.
ولو أن رجلًا ابتاع من رجل قلب فضة فيه عشرة دراهم بعشرة دراهم وتقابضا، ثم إن بائع القلب حط عن ثمنه درهمًا، وقبل المشتري وقبض الدراهم المحطوط من البائع فسد البيع كله في قول أبي حنيفة، وقول أبي يوسف ومحمد: الحط باطل، غير أن عند أبي يوسف لا يصير المحطوط هبة مبتدأ حق كان على مشتري القلب أن يرد الدرهم على بائعه والعقد الأول صحيح، وفي قول محمد: يصير ذلك هبة مبتدأة حتى كان للمشتري أن يمتنع عن تسليم الدراهم إلى البائع.
وجه قول أبي يوسف ومحمد في بطلان الحط: أن الحط لو صح لبطل من حيث صح.
بيانه: أن الحط لو صح التحق بأصل العقد فيصير العقد فاسدًا من الأصل لمكان الربا، وإذا فسد العقد من الأصل، فهو معنى قولنا: أنه لو صح العقد لبطل من حيث صح فلا يصح بهذا الطريق.
قلنا: أنه إذا حط جميع الثمن لا يصح حتى لا يفسد العقد؛ لأنه لو صح لبطل من حيث صح؛ لأنه يلتحق بأصل العقد ويبقى العقد بلا ثمن فلا يصح من الابتداء كذلك هاهنا.
فبعد هذا قال محمد رحمه الله: يجعل المحطوط هبة مبتدأة؛ لأن الحط لو صح حقيقة أفاد معنى الهبة وهو التمليك بغير عوض فعند تعذر تصحيحه بحقيقته يجعل كناية عن الهبة صيانة للتصرف عن الإلغاء وأبو يوسف لا يجعله هبة مبتدأة؛ إذ ليس في الحط معنى الهبة؛ لأن الهبة إيجاب ملك مبتدأ، والحط إخراج المحطوط عن الإيجاب وليس فيه إيجاب ملك مبتدأ.
وأبو حنيفة يقول: إن تعذر تصحيح الحط بحقيقته؛ لأنه لو صح لبطل من حيث صح أمكن أن يجعل مجازًا عن إنشاء العقد بما وراء المحطوط.
بيان هذا الكلام: أن في الموضع الذي صح الحط حقيقة بأن لم يكن ثمة ربا كان من حكمه أن يصير العقد الموجود بما وراء المحطوط من الأصل، فعند تعذر العمل بالحقيقة نجعل الحط كناية عن إنشاء العقد بما وراء المحطوط كأن البائع، قال لمشتري القلب ثانيًا: بعتك هذا القلب بتسعة دراهم وقبل المشتري، وهناك ينفسخ العقد الأول ويثبت الثاني، وإن كان انعقاد الثاني بوصف الفساد إلا أن الفاسد من البيع بمنزلة الصحيح حتى يقع الحنث في اليمين على أن لا يبيع بالبيع الفاسد فيرتفع الأول بالثاني كما كان الثاني صحيحًا.
وهكذا نقول في حط جميع الثمن إنّ عند تعذر تصحيحه يجعل كناية عن حكمه إلا أن حكمه بغير ثمن قال: فإذا جعلناه كناية عنه صار كأن البائع قال للمشتري ثانيًا: بعتك بغير شيء، ولو قال هكذا لا ينعقد الثاني ولا ينفسخ الأول؛ لأن انفساخ الأول حكم انعقاد الثاني هذا إذا حط بائع القلب عن ثمن القلب درهمًا، وقبل البائع ذلك.
فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله: تصح الزيادة ويلتحق بأصل العقد ويفسد العقد كله، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمه الله: سوّى بين الحط والزيادة فحكم تصحيحهما والتحاقهما بأصل العقد وبفساد العقد بسببهما، وكذلك أبو يوسف سوى بين الزيادة والهبة فلم يصححهما لا بحقيقتهما ولا هبة مبتدأة، ومحمد رحمه الله فرق بين الزيادة والحط فصحح الحط هبة مبتدأة ولم يصحح الزيادة هبة مبتدأة.
والفرق: أن الحط في معنى الهبة؛ لأن المحطوط يصير ملكًا للمحطوط عنه بغير عوض وليس في الزيادة معنى الهبة؛ لأن الزيادة لو صحت يلتحق بأصل العقد ويأخذ حصته من المبيع، والهبة تمليك بغير عوض، والتمليك بغير عوض لا يصلح كناية عن التمليك بعوض فلهذا افترقا.
ولو اشترى قلب فضة وثوبًا بعشرين درهمًا وفي القلب عشرة دراهم وتقابضا، ثم حط البائع درهمًا من ثمنها جميعًا، فإن المحطوط يكون عنهما بصفة في الثوب فيصح البيع في الثوب بحصة من العشرين، ويحط عن ثمنه نصف درهم وهذا بلا خلاف، وكذلك يصح نصف الحط في القلب عند أبي حنيفة رحمه الله حتى يفسد العقد في كل القلب؛ لأنه يكون بمقابلته أقل من وزنه إلا أن هذا فساد طارئ فلا يفسد العقد في حصة الثوب.
وعلى قول أبي يوسف ومحمد: لا يصح الحط في حصة القلب إلا أن محمدًا يجعله هبة مبتدأة، وهذا بخلاف ما لو قال البائع: حططتك درهمًا عن ثمنها، ولم يقل جميعًا، فإن الحط يصح كله ويصرف إلى الثوب ويقع العقد جائزًا.
ووجه الفرق بينهما: أنه قال: متى حططت عنك من ثمنها ولم يقل جميعًا، فلم يصرح بالفساد فيحتال بصحة الحط ما أمكن؛ لأن ظاهر عقله ودينه يحمله ذلك، وإنما قلنا: أنه لم يصرح بالفساد؛ لأنه وإن كنى عن سين بقوله: هما، إلا أنه يجوز أن يكني عن سين ويراد به أحدهما؛ وهذا لأن الكناية عن الجمع بصريح الجمع، وصريح الجمع يذكر ويراد به الخصوص فكذا الكناية عن الجمع.
وإذا كان محتملًا عن الجمع، وإذا كان محتملًا للخصوص حمل عليه بظاهر عقله ودينه احتيالًا للصحة، بخلاف ما لو قال من ثمنها جميعًا؛ لأنه صرح بالفساد؛ لأنه لا يمكن حمله على أحدهما مع قوله جميعًا كلمة تأكيد، وكلمة التأكيد متى ذكر عقيب صريح الجمع، فإنها تذكر لمنع الخصوص لا فائدة له سوى ذلك كما في قوله: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [الحجر: 30] فكذا إذا ذكرت عقيب الكناية عن الجمع كان ذكرها لمنع الخصوص فحمل عليها، وإذا حمل عليها صار كأنه نص فقال: حططت عنك نصف درهم من ثمن القلب، ونصف درهم من ثمن الثوب، وهو قال: صرح بهذا كان ذلك تصريحًا منه بالفساد هاهنا.
فإن قيل: هذا يشكل بما إذا نقد عشرة وقال: هذا المنقود من ثمنها جميعها، فإنه يجعل المنقود من ثمن القلب استحسانًا، وقد ذكر كلمة التأكيد عقيب الكناية عن الجمع، ولم يمنع ذلك الحمل على الخصوص.
قلنا: ذكر كلمة التأكيد بعد الكناية عن الجمع في مسألة النقد لا يصح؛ لأنه لو لم يذكر كلمة التأكيد بأن قال: من ثمنها ولم يقل جميعًا لم يكن الخصوص ثابتًا من جهته، وإنما كان ثابتًا من جهة الشرع جعل الفضة مستحقة بالفضة في العقد، قال عليه السلام: «الفضة بالفضة»، فكذا في القبض تكون مستحقة بالفضة شرعًا، لأن للقبض شبهًا بالعقد من حيث إن القبض يفيد ملك التصرف، كما أن العقد يفيد ملك الرقبة، وإذا كان التخصيص قبل ذكر كلمة التأكيد في مسألة النقد من جهة الشرع لم يمنع الخصوص بسببها، والعدم بمنزلة.
ولو عدمت فإنه يجعل المنقود عن القلب فكذا إذا جعل ذكرها كعدمها بخلاف مسألة الحط؛ لأن هناك الخصوص ثابت بدون ذكر كلمة التأكيد من جهته بظاهر عقله ودينه؛ لأن الحط ليس ببيع، ولا هو في البيع، وإنما هو أخذ بعض الثمن من العقد بغير عوض يحصل للبائع.
واستحقاق الفضة بالفضة ثابت شرعًا في البيع أو فيما هو في معنى البيع وهو القبض ولم يثبت استحقاق الفضة بجنسها شرعًا في الحط، فكان الخصوص في الحط بدون ذكر كلمة التأكيد ثابتًا من جهة العبد ولا من جهة الشرع، فجاز أن تعمل كلمة التأكيد من جهة العبد في منع الخصوص، وإذا امتنع الخصوص بذكر كلمة التأكيد انصرف الحط إليهما، والتحق بأصل العقد، فكأنه أنشأ البيع وقال: اشتريت منك هذا القلب بتسعة ونصف، ولو صرح بذلك يفسد العقد في القلب ولا يفسد في الثوب كذا هاهنا.
قال: وإذا اشترى الرجل سيفًا محلى بخمسين درهمًا وحلية السيف خمسون، ثم إن البائع حط عن ثمن السيف درهمًا جاز الحط؛ وصرف الحط إلى ما راء الحط احتيالًا بتصحيح الحط؛ لأنه لم يصرح بالفساد لما حط عن ثمن السيف؛ لأن السيف كما يذكر ويراد به الحلية مع النصل، يذكر ويراد به ما وراء الحلية، وإذا كان ما ذكر محتملًا للخصوص خص منه الحلية وصرف الحط إلى ثمن النصل احتيالًا للجواز بظاهر عقله ودينه وأمكن القول به؛ لأنه تخصيص لإيفاء حكم في المخصوص لإتيان حكم آخر في المخصوص، فظاهر الحال حجة لإيفاء ما كان إن لم يصلح لرفع ما كان ثابتًا.
قال: ولو أن رجلًا اشترى آخر قلب فضة بعشرين دينارًا أو تقابضا، ثم إن بائع القلب حط عن المشتري عشرة دنانير فذلك جائز؛ لأن هذا الحط لو صح لا يبطل من حيث صح؛ لأنه يلتحق بأصل العقد، ويجعل من الابتداء كأنه باع قلب فضة بعشرة دنانير، وبيع القلب من الفضة بعشرة دنانير جائز كيف ما كان لاختلاف الجنس، ثم يبقى الحط جائزًا، وإن لم يقبض مشتري القلب قدر المحطوط من بائع القلب في مجلس الحط؛ لأن الحط ليس بصرف لا حقيقة ولا معنىً؛ لأنه إخراج بعض الثمن عن العقد من غير عوض يحصل للبائع، فإن قدر الحط يرجع إلى ملك المشتري من غير عوض، وإذا لم يكن فيه معنى البيع لا يمكن أن يعتبر صرفًا في حق الثالث فلا يجب القبض بخلاف الإقالة؛ لأنها بيع معنى فيمكن أن يعتبر صرفًا في حق الثالث فيجب القبض.
قال: وإذا اشترى قلب فضة فيه عشرة دراهم بدينار ثم إن أحدهما زاد صاحبه شيئًا ينطر إن زاد بائع القلب وكانت الزيادة ثوبًا ورضي به مشتري القلب فالزيادة جائزة؛ لأن الزيادة لو صحت لا تبطل من حيث صحت؛ لأنها تلتحق بأصل العقد من الابتداء، ورد على قلب فضة فيه عشرة دراهم، وعلى ثوب بدينار بذلك وذلك جائز، فهاهنا كذلك.
ولا يشترط قبض الثوب في المجلس؛ لأن ما يخص الثوب من الدينار بيع وليس بصرف، فإن كانت الزيادة ذهبًا وكانت من قبل البائع ينطر إن كانت الزيادة دينارًا أو أكثر صحت الزيادة عند أبي حنيفة رحمه الله ويبطل العقد؛ لأن الدينار يكون بالدينار فيبقى القلب ربا، إن كانت الزيادة دينارًا ويبقى القلب مع شئ من الدينار ربا إن كانت الزيادة أكثر من الدينار.
وأما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: لا تصح الزيادة ويبقى العقد على الصحة، وإن كانت الزيادة نصف دينار فهو جائز، وتلتحق الزيادة بأصل العقد، وصار كأنه باع قلب فضة ونصف دينار بدينار وذلك جائز، إلا أنه يشرط قبض الزيادة في مجلس الزيادة بدل الصرف.
فإن قيل: كان ينبغي أن لا يصح العقد في الزيادة، وإن وجد قبض الزيادة في مجلس الزيادة، لأن الزيادة متى صحت التحقت بأصل العقد وصارت كالموجود لدى العقد، فإذا صارت كالموجود لدى العقد كأنه باع قلب فضة ونصف دينار بدينار، وقبض الدينار وسلم القلب ولم يسلم نصف الدينار حتى تفرقا، وهناك لا يصح العقد في الزيادة وهي نصف الدينار كذا هاهنا.
والجواب: لأن الزيادة متى صحت التحقت بأصل العقد القائم وقت الزيادة، ولا يستند إلى وقت إنشاء العقد حتى لا يثبت الملك في الزيادة مستندًا إلى وقت إنشاء العقد، وإنما يثبت الملك في الزيادة من وقت شرط الزيادة وهذا؛ لأن ثبوت الزيادة وقول العاقد ردت، وإنه وجد الآن والحكم لا يثبت.
فهو معنى قولنا: أن الزيادة لا تلتحق بإنشاء العقد السابق، وإنما تلتحق بأصل العقد القائم حكمًا؛ وهذا لأن أصل العقد السابق قائم في الحال حكمًا ولهذا يرد عليه الفسخ، وإذا التحقت بالزيادة بالعقد القائم وقت شرط الزيادة كان مجلس الزيادة في حق الزيادة كمجلس العقد، فلهذا يصح قبض الزيادة في مجلس الزيادة، وإن لم يقبض الزيادة في مجلس الزيادة بطل العقد في الزيادة بما يخصها من الدينار؛ ولأن بعض الدينار صار بمقابلة الزيادة وقد بطل العقد في الزيادة فيبطل فيما يخصها من الدينار هذا إذا كانت الزيادة من بائع القلب ثوبًا أو ذهبًا.
وإن كانت الزيادة من بائع القلب، فإنه يجوز وإن كثرت؛ لأنه يصير بائعًا القلب مع الفضة بدينار فيجوز كيف ما كان، وإن كانت الزيادة ذهبًا، فإن كانت دينارًا أو أكثر جازت الزيادة، ويصير كأن مشتري القلب اشترى القلب بدينار أو بأكثر منهما وكل ذلك جائز، إلا أنه يشترط قبض الزيادة في مجلس الزيادة، وإن لم يقبضها بطل الصرف في القلب بحصة الزيادة من القلب صرف، فإذا لم يوجد قبض الزيادة في المجلس بطل الصرف في الزيادة فيبطل فيما يخصها من القلب ضرورة، وإن كان مشتري القلب زاد فضة، فإن كانت الفضة مثل القلب أو أكثر لا يجوز؛ لأن القلب يكون بمثله من الفضة فيبقى الدينار مع شئ من الفضة ربا، وإن كانت الفضة أقل من القلب يجوز وتصير الفضة بمثلها من القلب، والباقي من القلب يكون بإزاء الدينار فيجوز.
وإذا اشترى سيفًا محلى فيه خمسون درهمًا بمئة درهم وتقابضا، ثم زاد مشتري السيف درهمًا أو دينارًا فهو جائز، وتصرف الزيادة إلى ما وراء الحلية وهو النصل بظاهر عقله ودينه احتيالًا للجواز، وإن تفرقا قبل قبض الزيادة لا تبطل الزيادة لما ذكرنا أن الزيادة في ثمن النصل لا في ثمن الحلية، ولو كان بائع السيف هو الذي زاد دينارًا صحت الزيادة وصار كأنه باع سيفًا فيه خمسون درهمًا ودينارًا بمئة درهم، فإن لم يقبض وتفرقا انتقض العقد في الدراهم بحصة الدينار لما ذكرنا أن من حيث المعنى، كأنه باع سيفًا فيه خمسون درهمًا ودينارًا بمئة درهم، فإن لم يقبض وتفرقا انتقض العقد في الدراهم بحصة الدينار لما ذكرنا أن من حيث المعنى، كأنه باع سيفًا فيه خمسون درهمًا ودينارًا بمئة درهم فخمسون درهمًا من الثمن يكون بمقابلةِ الحلية، والخمسون الباقية تقسم على الدينار وعلى قيمة النصل، فما أصاب الدينار يجب رده؛ لأن العقد قد انتقض فيه بترك قبض الدينار في المجلس.
قال في (الجامع): إذا اشترى فضة بمئة دينار وتقابضا وهو قائم التقيا فزاد المشتري البائع في الثمن عشرة دنانير تصح الزيادة، ويشترط قبض الزيادة، ولا يشترط قبض الإبريق في الحال، وإن كانت الزيادة مقابل الإبريق في الحال إلا أن الزيادة للحال لا مقابل الإبريق حقيقة، وإنما مقابله تسمية؛ لأن الإبريق صار مملوكًا له بكماله بأصل الثمن، وبالزيادة لا يزداد ملكه ولم ينفسخ العقد بشرط الزيادة؛ لأن الزيادة لا تقابل الإبريق للحال حقيقة، وإنما تقابله صورة، غير أنها إذا صحت التحقت بأصل العقد فتثبت المقابلة من وقت وجود العقد من حيث المعنى، وإنه أقوى من المقابلة من حيث الصورة، وقبضُ الإبريق موجود وقت العقد حقيقة فوقعت الغيبة عن اشتراط قبضه وقت المقابلة صورة، أما في حق الزيادة لا يمكن اعتبار القبض وقت المقابلة معنى فاعتبرناه وقت وجود المقابلة صورة والله أعلم.

.الفصل التاسع: في الصلح في الصرف:

رجل اشترى من رجل عبدًا وتقابضا ثم وجد مشتري العبد بالعبد عيبًا، وخاصم البائع فيه فأقر البائع بالعيب وجحده وصالح المشتري عن العيب على دنانير فهذا (على) وجهين:
الأول: أن يكون بدل الصلح أقل من حصة العيب من الثمن بأن كان حصة العيب من الثمن عشرة دنانير، ووقع الصلح على أقل من عشرة دنانير وافترقا قبل التقابض فالصلح جائز.
من مشايخنا من قال: ما ذكر من الجواب يستقيم على قولهما، أما على قول أبي حنيفة: ينبغي أن لا يجوز الصلح إذا افترقا قبل التقابض.
وهذا الاختلاف يرجع إلى اختلافهم في المغصوب منه إذا صلح مع الغاصب بعد هلاك المغصوب على أكثر من قيمته على قول أبي حنيفة: يجوز؛ لأن حق المغصوب منه بمجرد الهلاك لا ينتقل عن العين إلى القيمة إلا بقضاء أو رضاء فقبل القضاء والصلح يكون الصلح واقعًا عن الجزء الغائب، وإنه دين معنى فيبطل الصلح بالافتراق عن المجلس قبل قبض البدل؛ لأن الافتراق يكون عن دين بدين.
وعلى قول أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: صلح المغصوب منه مع الغاصب على أكثر من قيمته لا يجوز؛ لأن عندهما حق المغصوب منه بمجرد الهلاك ينتقل عن العين إلى القيمة فيكون الصلح واقعًا عن القيمة، فلا يجوز على أكثر من القيمة لمكان الربا فكذا هاهنا حق المشتري ينتقل عن الجزء الغائب إلى حصة من الثمن، وذلك عشرة دنانير، فيكون الصلح واقعًا من حيث المعنى على عشرة دنانير على ثمانية دنانير، ولو كان هكذا حقيقة لا يبطل الصلح بالافتراق قبل قبض بدل الصلح؛ لأن هذا ليس بصرف بل هو استيفاء لبعض الحق وإسقاط لبعض الحق كذا هاهنا.
ومن المشايخ من قال: ما ذكر هاهنا قول الكل، وهذا القائل يقول بأن حق المشتري في الجزء الغائب ينتقل إلى حصته من الثمن من غير أن يحتاج فيه إلى قضاء القاضي أو التراضي.
وفرق هذا القائل على قول أبي حنيفة رحمه الله من هذه المسألة الغصب.
والفرق: أن في باب الغصب حق المالك كان في عين المغصوب قبل الهلاك لو انتقل إلى القيمة؛ إنما ينتقل بنفس الهلاك وليس من ضرورة الهلاك انتقال الحق إلى القيمة؛ لأن الهلاك على ملكه مقصور بأن أبرأ الغاصب عن ضمان الغصب، وإذا لم يكن من ضرورة الهلاك إسقاط الحق إلى القيمة يفي حق المغصوب منه في عين العبد، فإنما صالح عن عين المغصوب لا عن قيمته، فيجوز كيف ما وقع الصلح، فأما حق المشتري في الأصل في الثمن لا في المبيع، وإنما انتقل إلى المبيع وأجزأ به بالبيع، فإذا عجز البائع عن تسليم شيء منه قبل القبض عجزًا لا يرجى زواله انفسخ البيع وانتقل حقه إلى الثمن.
ألا ترى أنه لو هلك المبيع كله قبل القبض ينتقل حق المشتري إلى جملة الثمن ولا يحتاج فيه إلى القضاء والتراضي، فكذا إذا هلك البعض، وإذا انتقل حق المشتري إلى حصة الجزء الغائب من الثمن، فلا يبطل الافتراق قبل القبض لما قلنا لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
فأما إذا وقع الصلح على أكثر من حصة العين، فإن كانت الزيادة بحيث يتغابن الناس في مثلها يجوز، وإن كانت الزيادة بحيث لا يتغابن الناس في مثلها بأن وقع الصلح على اثني عشر دينارًا، فعلى قول أبي حنيفة: يجوز الصلح، وعلى قولهما: لا يجوز.
وجه قولهما: أن الصلح وقع عن حصة العيب من الثمن، فإذا كانت حصة العيب من الثمن عشرة، ووقع الصلح على اثني عشر فقد تمكن الربا.
ولأبي حنيفة: أنه إن تعذر تجويز هذا الصلح بطريق المعاوضة لمكان الربا أمكن تصحيحه بطريق أخر بأن يجعل البائع موفيًا حصة العيب بتمامه، وذلك عشرة حطا حاطا دينارين عن ثمن الباقي، ولو كان كذلك يصح ما صنع ويجب رد دينارين عن ثمن الباقي إن كان الثمن مقبوضًا ويسقط عن المشتري هذا القدر إن لم يكن الثمن مقبوضًا كذا هاهنا.
وإن كان البائع صالح المشتري عن العيب على دراهم، فإن قبض بدل الصلح قبل أن يتفرقا قبل قبض بدل الصلح بطل الصلح وقع عن حصة الجزء الغائب عن الثمن، وحصة الجزء الغائب من الثمن دنانير، فإذا صالحه على دراهم لا يمكن تصحيحه بطريق استيفاء البعض؛ لأن الجنس يختلف لو صح بطريق المعاوضة وتعذر تجويزه بطريق المعاوضة؛ لأنه صرف، والصرف لا يصح إذا وقع الافتراق قبل قبض أحد البدلين.
وإذا ادعى رجل على رجل مئة درهم فأنكر المدعى عليه ذلك، أو أقر ثم صالحه منها على عشرة دراهم حالة أو إلى أجل، ثم افترقا قبل القبض فالصلح جائز، أما إذا كان الصلح عن إقرار؛ فلأن هذا الصلح استيفاء للبعض وإبراء عن البعض في زعم المدعى عليه، وليس بصرف فلا يبطل بالافتراق قبل القبض، وكذلك لو كان فيه خيار لأحدهما فافترقا قبل التقابض لا يبطل الصلح؛ لأن أثر الخيار في فوات القبض، وهذا الصلح لا يبطل بفوات القبض فاشتراط الخيار كيف يؤثر فيه.
وإن كان صالحه على خمسةِ دنانير وافترقا قبل التقابض بطل الصلح، وإن افترقا بعد القبض فالصلح صحيح على خلاف جنس الحق، فلا يمكن تصحيحه إلا بطريق المعاوضة فيكون صرفًا، والتقابض في الصرف شرط.
وإذا ماتت المرأة وتركت ميراثًا من رقيق وثياب، وميراثها كله عبدًا بها فصالح الأب زوجها على مئة دينار فهذا على وجهين:
الأول: أن يعلم نصيب الزوج من الذهب المتروكة، وفي هذا الوجه إن كان بدل الصلح أكثر من نصيب الزوج من الذهب يجوز، وإن كان مثله أو أقل لا يجوز.
الثاني: إذا كان لا يعلم نصيب الزوج من الذهب المتروك، وفي هذا الوجه لا يجوز الصلح.
وكذلك إذا صالحه على خمسمئة درهم فهو على وجهين أيضًا: إما أن يعلم نصيب الزوج من الدراهم المتروكة أولم يعلم.
والجواب في الوجهين على ما ذكرنا في فصل الذهب، وإن كان صالحه على مئة درهم وخمسين دينارًا جاز الصلح كيف ما كان، أما إذا كان بدل الصلح من كل واحد من الجنسين يجعل مثله من جنسه من بدل الصلح والفاضل من بدل الصلح يجعل بإزاء العروض، وإذا كان بدل الصلح من كل واحد من الجنسين مثل حصة الزوج من ذلك؛ فلأن بدل الصلح من الذهب يصرف إلى الفضة من التركة، وبدل الصلح من الفضة يصرف إلى الذهب من التركة والمتاع والرقيق تحريًا للجواز وطلبًا للحصة، فإن وجد التقابض بقي الصلح في الكل على الصحة.
وإن لم يوجد التقابض يبطل الصلح هكذا ذكر في (الكتاب): ويجب أن يقال بأن الصلح في حصة الصرف يبطل، وكذلك في حصة اللألئ والجواهر التي لا يمكن نزعه إلا بضرر، وأما فيما عدا ذلك من الثياب والمتاع والعروض فالصلح يبقى على الصحة.
وهو نظير ما لو اشترى ثوبًا قيمته عشرة دراهم بعشرين دينارًا أو تفرقا من غير قبض يبطل العقد بحصة الصرف، ويبقى في الثوب بحصته على الصحة كذا هاهنا، وإن قبض الزوج الدراهم والدنانير التي هي بدل الصلح وكان الميراث في بيت الأب ولم يكن حاضرًا في مجلس الصلح، فإن الصلح يبطل بحصة من الذهب والفضة.
هكذا ذكر في (الكتاب): وهذا إذا كان الأب مقرًا للزوج بما عنده حتى يكون نصيب الزوج أمانة في يده؛ لأن قبض الأمانة لا تنوب عن قبض الشراء فيجعل الافتراق بغير قبض فتبطل حصة الصرف وحصة ما لا يمكن تسليمه إلا بضرر كالجوهر المرصع واللؤلؤ المرصع.
فإما إذا كان جاحدًا للزوج ما عنده فالصلح صحيح في الكل؛ ولأن الأب إذا كان جاحدًا للزوج ما عنده كان الأب غاصبًا نصيب الزوج، وقبض الغصب ينوب عن قبض الشراء، فإذا قبض بدل الصلح فالافتراق حصل بعد التقابض، فلا يبطل الصلح في حصة الصرف، وكذلك إذا كان الأب مقرًا للزوج بما عنده إلا أن المشتري كان غاصبًا حاضرًا في مجلس الصلح، فالصلح جائز في الكل؛ لأن الزوج قبض بدل الصلح والأب قبض نصيب الزوج من التركة؛ لأنه يمكن من قبضه حقيقة إذا كان حاضرًا في مجلس الصلح والتمكن من القبض حكمًا عرف ذلك في موضعه فحصل الافتراق بعد قبض البدلين وستأتي هذه المسألة من طرف المرأة مع زيادة كما يأتي في كتاب الصلح إن شاء الله.
ثم إذا ادعى رجل سيفًا محلى بعينه في يدي رجل فصالحه المدعى عليه عشرة دنانير يدفعها المدعى عليه على المدعي فقبض المدعي منها خمسة، واشترى بالخمسة الأخرى ثوبًا، فإن كانت الخمسة المقبوضة مقدار حصة الحلية فالصلح صحيح؛ لأن المنقود يجعل بإزاء الحلية مستحق في المجلس وقبض حصة والثوب ليس بمستحق.
وإذا جعلنا المنقود حصة الحلية حصل الافتراق بعد قبض البدلين فيما هو صرف؛ لأن موضوع المسألة المدعى عليه جاحدًا للسيف حتى يكون غاصبًا لها، وقبض الغصب ينوب عن قبض الشراء، وإن كان المدعى عليه مقرًا بالسيف كان حاضرًا في مجلس الصلح، وما بقي من بدل الصلح غير منقود فهو ثمن النصل والاستبدال بثمن النصل قبل القبض جائز، فإن كانت الخمسة المنقودة أقل من مقدار حصة الحلية فالصلح باطل في الكل.
أما في حصة الحلية فلا إشكال؛ لأنه بطل في بعضه فيبطل في الباقي؛ لأنه شئٌ واحد، وأما في حصة الشراء؛ لأنه دخل بعض الحلية في شراء الثوب والاستبدال ببدل الصرف قبل القبض لا يجوز لما فيه من فوات القبض، وإذا بطل شراء الثوب في البعض بطل في الباقي عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن شراء الثوب في البعض بطل معنى الربا؛ لأنه بطل لما فيه من فوات القبض في أحد البدلين في صرف يمكن ربا النساء، وإذا صار بعض بدل الحلية مشروطًا في شراء الثوب فقد بطل شراء بعض الثوب لمكان ربا فيه فيبطل في الباقي.
كما لو سلم حنطة في شعير وزيت وعندهما شراء الثوب يبطل بقدر ما صار من حصة الحلية داخلًا فيه ويبقى في الباقي كما في مسألة السلم.
وإذا اشترى الرجل إبريق فضة بمئة دينار وفي الإبريق ألف درهم وتقابضا، ثم وجد مشتري الإبريق بالإبريق (عيبًا) وهو قائم بعينه حتى كان له رد الإبريق فصالح بائع الإبريق المشتري على دينار وقبض المشتري الدينار أو لم يقبض حتى تفرقا فالصلح ماضٍ.
ذكر المسألة في (الأصل): من غير ذكر خلاف وهذا الجواب على قولهما مستقيم، وكذلك على قول أبي حنيفة رحمه الله على قول من يقول من المشايخ: أن الصلح وقع عن حصة العيب من الثمن؛ لأن حصة العيب من الثمن دينار وبدل الصلح دينار أيضًا، فيكون هذا الصلح واقعًا على جنس حقه فلا يكون صرفًا، وإن وقع الصلح على عشرة دراهم، فإن قبض المشتري الدراهم قبل أن يتفرقا فالصلح جائز، وإن لم يقبض حتى تفرقا بطل الصلح؛ لأن الصلح وقع على خلاف جنس الحق فيعتبر صرفًا، فإن كانت الدراهم التي وقع عليها أكثر من حصة العيب فالصلح جائز؛ لأن الصلح وقع ثمن حصة العيب عند الكل عند بعض المشايخ، وحصة العيب دينار وشراء الدينار بدراهم أكثر من قيمة الدينار جائز، وعند بعض المشايخ: الصلح وقع عن الجزء الغائب بالدراهم أكثر من قيمته يجوز.
وإذا ادعى رجل على رجل عشرة دراهم وعشرة دنانير وأنكر المدعى عليه وأقر، ثم صالحه المدعى عليه على خمسة دراهم من ذلك كله، فهذا جائز سواء كان نقدًا أو نسيئة وطريق الجواز أن يجعل المدعي مؤقتًا عن الدراهم التي ادعاها خمسة مبرئًا للمدعى عليه عن الخمسة دراهم وعن العشرة الدنانير.
وإذا اشترى الرجل قلب ذهب منه عشرة مثاقيل بمئة درهم وتقابضا واستهلك المشتري القلب، أو لم يستهلكه حتى وجد به عيبًا قديمًا قد كان دلسه البائع فصالحه البائع من ذلك على عشرة دراهم نسيئة فهو جائز، وأراد بقوله استهلك القلب أنه كسره لا حقيقة الاستهلاك بالآخر أو بالبيع؛ لأن ذلك يمنع الرجوع بنقصان العيب، وإنما جاز هذا الصلح؛ لأنه وقع على حصة العيب من الثمن، وإنه دراهم فيكون هذا صلحًا على جنس الحق، فيجوز سواء كان بدل الصلح هذا أو نسيئة، وإن صالحه على دنانير فالصلح جائز ويكون صرفًا؛ لأن الصلح على خلاف جنس الحق فيكون معاوضة فيكون صرفًا.
وإذا اشترى قلب فضة فيه عشرة دراهم بدنانير وتقابضا، ثم وجد في القلب عيبًا فنقضه فصالحه على قيراطي ذهب من الذهب على أن يريده المشتري ربع حنطة وفي بعض النسخ ربع كر حنطة وكانت الحنطة بعينها كان ذلك جائزًا.
وطريق الجواز: أن البائع بذل قيراطي ذهب من دينار بإزاء ربع كر حنطة، وبإزاء حصة العيب من الثمن، فإن حصة العيب من قيمة ربع كر حنطة على السواء، يقسم القيراطان عليهما نصفين فيكون أخذ القيراطين حصة العيب من الثمن، والقيراط الآخر حصة الحنطة وذلك جائز، فإن افترقا من غير قبض لا يبطل الصلح، أما حصة الحنطة؛ فلأن الافتراق فيها حصل عن عين بدين، وأما حصة العيب؛ فلأن الصلح فيها وقع على جنس الحق والصلح إذا وقع على جنس الحق لا يبطل بالافتراق قبل القبض، فإن تقابضا ثم وجد بالحنطة عيبًا رد بحصتها من القيراطين.
وفي (المنتقى): إذا كان للرجل على رجل دراهم بتجارة واصطلحا منها على دراهم لا يعرف وزنها قال: إني أنظر إلى التجارة به، فإن كان الغالب فيها النحاس فهو جائز على القليل والكثير، وإن كان الغالب فيها الفضة لا يجوز الصلح إلا على وزنها، وإن صالح على أقل لا يجوز من قبل أن هذا ليس على وجه الحط.
ألا ترى لو كان عليه ألف درهم غلة فصالح منها على تسعمئةٍ درهم بيض لا يجوز، ولو كان الدين بيضًا فصالح على تسعمئةٍ سود جاز وكان هذا حطأً، ولو صالحه على تسعمئةٍ ولم يشترط بيضًا جاز ذلك، وقال أبو يوسف: إن كان السود أفضل لم يجز الصلح على السود أقل من وزن البيض، وإن كان أسوأ جاز الصلح من أحدهما على الأخر بأقل من وزنه.

.الفصل العاشر: في بيع الإناء وزنًا فيزيد وينقص:

وإذا اشترى سيفًا محلى فيه مئة درهم من الحلية بمئتي درهم، ثم علم أن فيه مئتي درهم فهذا على وجهين: إما إن علم ذلك بعد ما تقابضا وتفرقا، وفي هذا الوجه بطل العقد في الكل؛ لأنه لا وجه إلى تصحيح هذا العقد في الحلية بالزيادة؛ لأن الزيادة بإزاء الحلية يكون صرفًا ولم يوجد قبض بدله في المجلس لما تفرقا ولا وجد إلى تصحيحه في جميع الحلية بمئة؛ لأنه يكون ربا فبطل العقد في الحلية ضرورة، وإذا بطل في الحلية بطل في النصل؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا بضرر هذا، إذا علم ذلك بعد ما تفرقا.
وأما إذا علم ذلك قبل أن يفترقا فالمشتري بالخيار إن شاء زاد في الثمن مئة أخرى، وإن شاء فسخ العقد في الكل، وإنما خير؛ لأن المشتري إنما رضي بجميع السيف بمئتي درهم، فإذا آل الأمر إلى أن يلزمه مئة أخرى زيادة على المئتين لا يكون راضيًا فيكون له الخيار، فإن اختار أخذ السيف لزمه مئة أخرى؛ لأنه الثمن، وذلك مئتان أيقسم من الابتداء على الحلية والنصل والحصن والحمائل نصفان؛ لأنهما شرطا في البيع أن الحلية مئة والمئة فكأنهما قالا: على أن المئة بمئة والمئة الأخرى بإزاء النصل والحصن والحمائل، فإذا صار بإزاء الحلية مئة يحتاج إلى أن يزيد بحصتها مئة أخرى حتى يصير مشتريًا مئتين بمئتين فلا يتمكن الربا فيزيد مئة أخرى ويقبض البائع الثمن مع الزيادة، ويقبض المشتري السيف؛ لأنهما في المجلس بعد فيصح العقد.
فرق بين هذا وبين ما إذا علما في الابتداء؛ أن وزن الحلية مئتي درهم وقد تبايعا السيف بمئتي درهم أراد المشتري أن يزيد مئة أخرى قبل أن يتفرقا، فإن العقد لا يجوز.
والفرق: أنهما إذا علما في الابتداء أن الحلية مئتي درهم وقد تبايعا بمئتي درهم فقد أوقعا العقد بصفة الفساد؛ لأنه لابد وأن يكون بمقابلة النصل والحصن في الحمائل شيء من الثمن، فيكون بمقابلة الحلية أقل من وزنها، وبيع الفضة بالفضة واحد هما أقل وزنًا من الآخر لا يجوز.
فهو معنى قولنا: أوقعا العقد بصفة الفساد والعاقدان إذا أوقعا العقد بصفة الفساد ولا يحتال تصحيحه؛ لأنه لا يمكن، فأما في مسألتنا هذه ما أوقعا العقد بصفة الفساد؛ ولأنهما لم يعلما وقت العقد أن الحلية مئتي درهم إنما علماها مئة درهم، فإذا تبايعا بمئتي درهم فقد جعلا بمقابلة الحلية مئة درهم؛ لأن الفضة مستحقة بمثلها شرعًا فكان بائع السيف وهي مئة، قال للمشتري: بعتك منك حلية السيف وهي مئة بمئة، وبعتك منك النصل والجفن والحمائل بمئة أخرى، ولو صرح بذلك لا يكون ذلك إيقاعًا للعقد بصفة الفساد ويمكن تصحيحه بالزيادة متى رضي المشتري بالزيادة.
وإذا اشترى قلب فضة على أن فيه ألف درهم بألف درهم، فإذا فيه ألفا درهم إن علم ذلك في المجلس فالمشتري يريد ألفًا أخرى إن شاء أخذ كل الإبريق، وإن لم يرد يبطل العقد في نصف الإبريق؛ لأن الفساد بسبب الافتراق قبل قبض بدل الصرف، وذلك بقدر النصف فيفسد العقد بقدر النصف، ويصح بقدر النصف إذ يصح العقد في نصف القلب شائعًا ممكن بخلاف مسألة السيف؛ لأن تصحيح العقد في نصف الحلية شائعًا غير ممكن؛ لأن بيع نصف الحلية شائعًا لا يجوز؛ لأن الحلية بمنزلة الوصف وبيع بعض الأوصاف لا يجوز فلا يمكن تصحيح البيع في نصف الحلية، فلا يمكن تصحيح البيع في الكل بالزيادة بعد الافتراق عن المجلس لما قلنا فتعين جهة البطلان في الكل.
أما في القلب فبخلافه على ما يتناول في (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف: رجل اشترى قلب فضة على أن فيه عشرة دراهم بدينار، فوجد فيه خمسة عشر قبل أن يتفرقا أو بعد ما تفرقا فالقياس: أن يكون القلب كله للمشتري بذلك الثمن، ولكن ادعى القياس في الذهب والفضة ويكون للمشتري فيه الخيار، إن شاء أخذ ثلثاه بالدينار وكان للبائع ثلث القلب، وإن شاء رده قال: وهذا قبل الفرقة، وبعده سواء من قبل أن الزيادة لم يرد عليها البيع، وإنما كان للمشتري الخيار؛ لأن القلب لم يسلم له كله، وهذا خلاف جواب الأصل، ولو كان اشترى القلب بعشرة دراهم على أن فيه عشرة دراهم وتقابضا، وتفرقا أو لم يتفرقا فوجد فيه خمسة عشر فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ بثلثه بعشرة، وإن شاء رد، فإن قال: أنا أزيد خمسة وأستلم القلب لم يكن ذلك إذا كان قد تفرقا، وإن كانا لم يتفرقا فله ذلك، يزيد خمسة ويأخذ كله وإن شاء أخذ ثلثه بعشرة.
ولو اشترى إناء فضة بدينار على أن فيه عشرة دراهم فتقابضا وتفرقا فوجد فيه تسعة دراهم، فهو بالخيار إن شاء رده وإن شاء أمسكه، ورجع بحصة النقصان من الدينار، ولو كان اشتراه بدراهم، فإن شاء رده ورجع بدراهمه.
وإذا اشترى نقرة فضة على أنها ألف درهم بألف درهم، إن علم ذلك قبل أن يتفرقا عن المجلس فالمشتري يزيد ألف درهم إن شاء ويجوز العقد في الكل؛ لأنهما ما أوقعا العقد بجهة الفساد والتصحيح في الكل ممكن بإثبات الزيادة في مجلس العقد، فإن لم يزد المشتري ألفًا أخرى يصح العقد في نصف الفضة، ويبطل في النصف كما في مسألة الإبريق إلا أن مسألة القلب يتخير المشتري وهاهنا لا يتخير؛ لأن الشركة في النقرة ولا ينقصها التبعيض ولا يضرها ولا يعد عيبًا، والشركة في القلب والتبعيض ينقضه ويضره يرد عيبًا، فأثبتنا الخيار للمشتري في القلب ولم يثبت في النقرة لهذا، وإن علم ذلك بعدما تفرقا عن المجلس يجوز العقد في نصف الإبريق؛ لأن تصحيح العقد في النصف ممكن في النقرة؛ لأن بيع نصف النقرة شائعًا جائز كبيع نصف الإبريق إلا أن في الإبريق يتخير المشتري، وفي النقرة لا، هذا إذا حصل الشراء بالجنس.
أما إذا حصل بخلاف الجنس بأن اشترى سيفًا محلى على أن حليته مئتي درهم بعشرة دنانير، أو اشترى إبريق فضة على أنه ألف درهم بمئة دينار، فإذا فيه ألفان أو اشترى نقرة فضة على أنها ألف درهم بمئة دينار، فإذا فيه ألفان، أو اشترى نقرة فضة على أنها ألف درهم إلي فالعقد جائز في المسائل كلها؛ لأن الجنس مختلف، وإذا جاز العقد فالزيادة على المسمى من الوزن في مسألة النقرة لا تسلم للمشتري من غير شيء.
وفي مسألة الإبريق: يسلم للمشتري من غير شيء؛ وهذا لأن الوزن فيما يضره التبعيض جار مجرى الوصف؛ لأن تمييز البعض عن البعض يوجب نقصانًا في الباقي فكان بمنزلة الوصف من هذا وزيادة الوصف على المسمى يجوز أن يسلم للمشتري بغير شيء.
كما لو اشترى ثوبًا على أنه عشرة أذرع، فإذا هو أحد عشر ذراعًا فالذرع الحادي عشر يسلم للمشتري بغير شيء، فأما الوزن فيما لا يضره التبعيض أصل من كل وجه؛ لأنه تمييز البعض عن البعض لا يوجب نقصانًا في الباقي فيعتبر أصلًا من كل وجه، والزيادة على المسمى فيما هو أصل من كل وجه لا يسلم للمشتري بغير شيء.
كما لو باع من أخر صبرة حنطة على أنها عشرة أكرار، فإذا هي أحد عشر كرًا، فالكر الحادي عشر لا يسلم للمشتري لما كان كل كر أصلًا بنفسه كذا هاهنا.
وفي (نوادر هشام): عن أبي يوسف: رجل اشترى سيفًا محلى بفضة بمئة وخمسين درهمًا على أن حلية السيف مئة درهم، فإذا حلية السيف خمسون درهمًا، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذه بمئة درهم كأنه حين اشتراه بمئة وخمسين على أن الحلية مئة، فقد اشترى الفضة بمئة وبقية السيف بخمسين قاله محمد رحمه الله.

.الفصل الحادي عشر: في بيع السيف وفي بيع الحلي الذي فيه اللآلئ والجواهر وأشباه ذلك وفي بيع المملوكات ما يجوز وما لا يجوز:

قال محمد رحمه الله: وإذا اشترى الرجل من أخر سيفًا محلى بفضة درهم فالمسألة على أربعة أوجه:
الأول: أن تكون الدراهم التي في ثمن أكثر من الفضة التي هي في السيف، وفي هذا الوجه البيع جائز، ويجعل بمقابلة الفضة التي في السيف، وفي الوجه البيع جائز إلي من الدراهم التي هي ثمن مثلها، والباقي يكون بإزاء النصل والجفن والحمائل.
الوجه الثاني: أن تكون الدراهم التي هي في ثمن مثل الفضة التي في السيف، وفي هذا الوجه لا يجوز البيع؛ لأنه يبقى النصل والجفن خاليًا عن العوض فلا يكون ربا.
الوجه الثالث: أن تكون الدراهم التي هي ثمن أقل من الفضة التي في السيف، وفي هذا الوجه لا يجوز البيع أيضًا؛ لأنه يبقى النصل والجفن وبعض الفضة خاليًا عن الثمن.
الوجه الرابع: أن لا يدري أن الدراهم التي هي ثمن مثل الحلية أو أقل أو أكثر، وفي هذا الوجه لا يجوز البيع أيضًا؛ لأنه يجوز من وجه واحد، وهو ما إذا كانت الدراهم التي هي ثمن أكثر من الفضة التي في السيف ولا يجوز من وجهين: وهو أن تكون الدراهم التي هي ثمن مثل الحلية أو أقل ولو جاز من وجه دون وجه يحكم بالفساد بطريق الاحتياط فهذا أولى، وإن لم يعلم مقدار الدراهم وقت البيع ثم علم بعد ذلك فكانت أكثر من الفضة التي في السيف، فإن علم وهما في مجلس العقد بعد جاز البيع، وإن علم بعد ما افترقا عن المجلس لم يجز البيع، والأصلُ أن في كل موضع اعتبرت المماثلة بين البدلين في المعيار الشرعي شرطًا لجواز العقد تعتبر المماثلة في المعيار وقت البيع.
ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله هذا الأصل في شرح كتاب البيوع آخر الباب الأول إلا أن ساعات المجلس جعلت كساعة واحدة شرعًا في حق الأحكام المتعلقة بالمجلس فيجعل العلم بمقدار الدراهم في آخره كالعلم به وقت المباشرة للعقد وعلى هذا بيع صبر بصبرة مجازفة ثم كيلًا بعد الافتراق عن المجلس فكان متساويين كيلًا لم يجز وطريقةُ ما قلنا.
قال القدوري: وكذلك لو اختلف أهل العلم فيه فقال بعضهم: الثمن أكثر من الفضة التي في السيف.
وقال بعضهم: لا بل هو مثلها لا يجوز البيع؛ لأن الرجوع إلى قول البعض ليس بأولى فسقط اعتبار قولهم لمكان التناقض والتحق قولهم بالعدم.
وإذا باع الرجل من آخر حلي ذهب ولؤلؤ وجواهر بدنانير وقبض المشتري الحلي فهذا على أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون الدنانير مثل الذهب الذي في الحلي.
الوجه الثاني: أن تكون الدنانير أقل من الذهب الذي في الحلي.
الوجه الثالث: إذا كان لا يدري أن الدنانير التي هي ثمن مثل الذهب الذي في الحلي أو أقل أو أكثر في هذه الوجوه الثلاث لا يجوز البيع أصلًا لا في الذهب، ولا في الجواهر سواء أمكن تخليص الجواهر من غير ضرر أو لم يمكن أما في الذهب فظاهر، وأما في الجواهر أما إذا أمكن تخليص الجوهر من غير ضرر؛ فلأن الجواهر في هذه الصورة كالممتاز حكمًا إن كان متصلًا حقيقة، ألا ترى أن من غصب جوهرًا وركبه في حلية ويمكن تخليصه بغير ضرر لا ينقطع على المالك كأنه ممتاز حقيقة، وقد اشتراهما جميعًا بدنانير، والدنانير مثل الذهب أو أقل أو لا يدري، لم يجز البيع أصلًا لا في الذهب ولا في الجوهر فكذا هاهنا، وإذا كان لا يجوز هذا البيع في الجوهر.
وإن أمكن تخليص الجوهر عنه من غير ضرر؛ فلأن لا يجوز البيع في الجوهر إذا لم يمكن تخليصه إلا بضرر وقد يمكن في الجوهر سبب فساد آخر، وهو أنه باع ما لا يقدر على تسليمه إلا بضرر أولى، وأما إذا كانت الدنانير التي هي ثمن أكثر من الذهب الذي في الحلي، فالبيع جائز في الكل في الذهب وفي الجوهر، ويصرف إلى الذي في الحلي من الذهب الذي هو ثمن قدر مثله والباقي بإزاء الجوهر واللألئ فبعد ذلك المسألة على ثلاثة أوجه:
إن نقد الدنانير التي هي ثمن كلها قبل أن يتفرقا فالعقد ماض على الصحة، أما في حصة الذهب الذي في الحلي؛ فلأنه صرف وقد وجد التقابض قبل الافتراق، وأما في حصة الجوهر؛ فلأنه للبيع وقد قبض منه قبل الافتراق، ولم يقبض ثمنه قبل الافتراق لكان لا يفسد العقد لحصول الافتراق فيه عن عين بدين فهاهنا أولى.
وكذلك إن نقد من الدنانير التي هي عين حصة الذهب الذي هو في الحلي يريد به أنه نقد من الدنانير التي هي من ثمن حصة الذهب الذي هو في الحلي ولكن لم ينص على أنه حصة الذهب؛ لأن قبض حصة الذهب مستحق في المجلس شرعًا وقبض حصة اللألئ والجواهر ليس بمستحق في المجلس وغير مستحق لا يعارض المستحق.
فجعلنا المنقود حصة الذهب فتبين أن الافتراق فيما هو صرف حصل بعد القبض، فلهذا بقي العقد على الصحة، وإن لم ينقد شيئًا من الدنانير حتى تفرقا، لا شك أن العقد فيما يخص الحلي من الذهب يفسد فيما يخص الجوهر هل يفسد؟ ينظر إن كان الجوهر بحيث لا يمكن تخليصه إلا بضرر يفسد؛ لأن العقد في حصة الجوهر بيع فقد باع ما لا يمكن تسليمه، فكل بيع هذه حالة، لا يكون فاسدًا عرف ذلك في موضعه.
فإن قيل: أمكنه التسليم من غير ضرر أن يحلى بين المشتري وبين الحلي كله فيصير قابضًا الجوهر، ألا ترى أنه لو باع نصف الجوهر شائعًا يجوز.
وطريق الجواز: أن تسليم المبيع ممكن من غير ضرر بأن يحلى بين المشتري وبين جميع الجوهر.
قلنا: العقد إذا ورد على الشائع، فالواجب تسليم المبيع مع غيره؛ لأن تسليمه بنفسه لا يمكن؛ لأن الشائع ما يكون مختلطًا بغيره.
فأما إذا ورد على شيء بعينه يجب تسليمه بنفسه ولا يمكن تسليم الجوهر هاهنا بنفسه إلا بضرر.
فإن قيل: البائع رضي بضرر التخليص لما باع مع علمه أن البيع يقتضي التسليم ولا يمكنه التسليم إلا بالتخليص.
قلنا: نعم رضي بالتخليص إلا أنه بدا له الرجوع عن هذا الضرر وله ذلك.
ألا ترى أن من رضي بإتلاف شئ من ماله ثم بدا له قبل الإتلاف أن لا يتلف عليه ذلك كان له ذلك كذا هاهنا، وأما إذا أمكن تخليصه من غير ضرر لا يفسد العقد في الجوهر؛ لأنه إذا أمكن تخليصه فهو كالممتاز من حيث الحكم، ولو كان ممتازًا حقيقة وقد اشتراهما بدينار، فإن العقد يفسد في حصة الذهب ولا يفسد في حصة الجوهر كذا هاهنا.
هذا إذا باع الحلي بدنانير يفسد، فأما إذا باع الحلي بدنانير نسيئة فهو على أربعة أوجه:
إن كان المسمى من الدنانير مثل الذهب الذي في الحلي وفي الجوهر؛ لأن الدنانير لو كانت نقدًا لا يجوز البيع في الوجوه الثلاث لمكان ربا الفضل؛ فلأنه لا يجوز البيع في مثل هذه الوجوه إذا كانت الدنانير نسيئة وقد اجتمع مع ربا الفضل ربا النسيئة كان أولى، فأما إذا كانت الدنانير أكثر من الذهب الذي في الحلي لا شك أن العقد يفسد فيما يخص الحلي من الذهب؛ لأنه صرف لم يوجد قبض بدله في المجلس.
فأما فيما يخص الجوهر هل يجوز البيع؟ ينظر: إن لم يمكن تخليصه إلا بضرر يفسد البيع في حصة الجوهر؛ لأن ثمن الجوهر، فإذا كان نسيئة أولى وإن أمكن تخليصه من غير ضرر يجب أن تكون المسألة على الخلاف على قول أبي حنيفة لا يجوز البيع في الجوهر؛ لأن العقد على الذهب كان ربا؛ لأن ربا النساء يحرم بأحد وصفي علة الربا النقد بمجموعها أولى، وإذا فسد البيع على الذهب بسبب الربا فسد في الجوهر؛ لأن الربا صار مشروطًا فيه حكمًا ومعنى لاتحاد الصفقة.
فهو نظير ما لو أسلم في كر حنطة كر شعير وزيت، فالعقد يفسد في الزيت عند أبي حنيفة؛ لأن العقد فسد في الشعير لمكان الربا والربا صار مشروطًا في الزيت معنىً لاتحاد الصفقة وعندهما العقد في مسألة السلم لا يفسد في حصة الجوهر.
قال هشام قال أبو يوسف: إذا باع حلية السيف دون السيف لم يجز، إلا أن يبيعه على أن يقلعه المشتري فقلعه فبل أن يتفرقا، وإن باعه ولم يقل على أن يقلعه، ثم قال للبائع قبل أن يتفرقا: قد أديت ذلك في قلعه فأقلعه قبل أن يتفرقا جاز، وإن افترقا قبل أن يقلعه فهو باطل.
قال هشام: قلت لأبي يوسف: وإن كان المشتري قد قبض الثمن قال: لأنه لا يكون قابضًا لحليته حتى يقلعها من السيف، قلت لأبي يوسف: أرأيت إن باعه السيف على أن فيه مئة درهم بمئة وخمسين درهمًا فقال البائع: فيه كما شرطت وقال المشتري: فيه خمسون، فالقول قول البائع.
قال أبو الفضل: وهذا الجواب في مسائل السيف على التصادق أو يجيء شئ من ذلك يحيط العلم بأنه لا يكون فيه.
وفي القدوري: وإذا باع السيف المحلى بثمن مؤجل فنقد المشتري قدر حصة الحلية من الثمن جاز استحسانًا، وإن لم ينص أن المنقود من حصة الحلية، وقد مر جنس هذا، وكذلك إذا قال هذا المنقود من ثمنها كان من حصة الحلية خاصة، ويكون معنى قوله من ثمنها من جملة الثمن وحصة الحلية من جملة الثمن.
ولو قال: هذا من ثمن النصل والجفن خاصة فسد العقد؛ لأنه بَيّن وأفصح فلا يمكن جمله على وجه آخر، ولو قال: هذا الذي عجلت من ثمن السيف كان المعجل من ثمن الحلية؛ لأن السيف اسم للجملة.
ألا ترى أن الحلية تدخل في بيع السيف بطريق التبع، وإذا كان السيف المحلى بالفضة بين رجلين فباع أحدهما نصيبه من السيف من صاحبه يجوز؛ لأنه لو باعه من أجنبي يجوز فكذا من شريكه إلا أن الشريك إن لم يجد ذا القبض حتى افترقا بطل العقد؛ لأن يد كل واحد منهما في نصيب صاحبه يد أمانة ويد الأمانة لا تنوب عن قبض الشراء.
وإذا اشترى من آخر سيفًا محلى بفضة فيه خمسون درهمًا وقيمة السيف وحمائله وجفنه خمسون درهمًا اشتراه بمئة درهم وقبض السيف ونقد الخمسين ولم ينقد الخمسين حتى افترقا فهو جائز؛ لأن المنقود يصرف إلى الحلية احتيالًا لبقاء العقد على الصحة؛ وهذا لأن الظاهر من مال العاقد العاقل الدين أن ما ينقد ينقد عن حصة الحلية حتى لا يبطل شئ من العقد بسبب الافتراق، ولم يعارض هذا الظاهر ظاهر آخر؛ لأنه ليس في اعتباره تفويت مقصوده بل فيه تحصيل مقصوده.
وهذا بخلاف ما لو اشترى سيفًا محلى فيه خمسون درهمًا بسيف محلى فيه خمسون درهمًا وتفرقا من غير قبض، فإنه يبطل العقد ولا يصرف الجنس إلى خلاف الجنس حتى يبقى العقد جائزًا متى افترقا من غير قبض؛ لأن الاحتيال لتصحيح العقد غير ممكن هناك؛ لأن ظاهر حالهما إن كان يوجب صرف الجنس حتى يبقى العقد على الصحة فقد عارض هذا الظاهر ظاهرًا يوجب صرف الجنس إلى الجنس حتى تقابضا في المجلس فيتعجل مقصود كل واحد منهما بالعقد، وإذا تقابضا تعذر الاحتيال لبقاء العقد جائزًا فبطل ضرورة.
ولو اشترى سيفًا ممّوها بفضة أو اشترى لجامًا مموّها بفضة بدراهم بأقل مما فيه أو أكثر يجوز.
فرق بين هذا وبينما إذا باع سيفًا محلى أو لجامًا محلى بفضة بدراهم حيث لا يجوز ما لم تكن الدراهم التي هي ثمن أكثر من الفضة التي في الحلية، واعلم أن الممّوه المطلي بماء الذهب أو الفضة، والذهب ما جعل فيه عين الذهب، والمفضض ما جعل فيه عين الفضة، والفرق من وجهين:
أحدهما: أن الفضة بالتمويه يصير مستهلكًا، وكذلك الذهب بالتمويه يصير مستهلكًا، ألا ترى أن بعد التمويه لا يمكن تمييزه، وإذا صارت مستهلكة صارت ملحقة بالعدم، ولو انعدمت كان البيع جائزًا على كل حال؛ لأنه يصير بائعًا جديدًا بدرهم كذا هاهنا، فأما الحلية لم تصر مستهلكة بل هي قائمة حقيقة، ألا ترى أنه يمكن تمييزها وإذا لم تصير مستهلكًا صار بائعًا جديدًا وفضة بدراهم، فلا يجوز البيع ما لم تكن الدراهم أكثر كذا هاهنا.
الفرق الثاني: إن قلنا أن الفضة بالتمويه لا تصير مستهلكة إلا أنها خرجت عن حد لا وزن، لأنه لا يمكن وزنها لا في الحال، ولا في الثاني؛ لأنها لا تخلص، وإذا لم تبق موزونة لم يبق مال الربا كحبةٍ من الحنطة لا يكون مال الربا؛ لأنها ليست مملكة كذا هاهنا، فإما الحلية لا تخرج أن تكون موزونة؛ لأنه لا يمكن معرفتها بالوزن في الثاني؛ لأنها مما يتخلص، إلا أنه إذا زال عنها صفة الوزن في الحال بعارض يتوهم زواله وما زال من الصفات إذا كان بحال يتوهم عوده لا يعتبر زائلًا، فبيعت الحلية موزونة كما كانت، وإذا بقيت موزونة، فهذا موزون بيع بجنسه، فلا يجوز إلا متساويًا.
فإن قيل: الفضة منصوص عليها، والحكم في المنصوص عليه يثبت بالنص لكن يجب النظر في أن المنصوص عليه مادي فيقول المنصوص عليه فضة موزونة وحنطة مكيلة قال عليه السلام: «الفضة بالفضة مثل بمثل وزن بوزن، والحنطة بالحنطة مثل بمثل كيل بكيل»، معناه بيع الفضة بالفضة مشروع متماثلًا في الوزن، وبيع الحنطة بالحنطة مشروع متماثلًا في الكيل، وإنما يتحقق بيع الفضة بالفضة متماثلًا وزنًا، فيما يتأتى فيه الوزن، وكذلك بيع الحنطة بالحنطة، إنما يتحقق متماثلًا كيلًا فيما يتأتى فيه الكيل.
وإذا ثبت أن المراد الفضة الموزونة والحنطة المكيلة صار تقدير الحديث بيع الفضة الموزونة بالفضة الموزونة مشروع متماثلًا وبيع الحنطة المكيلة بالحنطة المكيلة مشروع متماثلًا.
ولو صرح بهذا كان الداخل تحت النص الموزون والمكيل لا غير الموزون والمكيل، وما لا يدخل تحت النص فالحكم يثبت فيه بالعلة لا بالنص. والعلة هي الوزن لم توجد.
ولكن الفرق الأول أصح بدليل أن محمدًا رحمه الله قال: لو باع بدراهم إلى أجل كان جائزًا، ولو بقيت الفضة بعد التمويه، ولكنها خرجت عن حد الوزن لكان لا يجوز إذا كان الثمن مؤجلًا؛ لأن الجنس بانفراده يحرم النَّساء، وحيث جوز البيع النسيئة علم أنه جعل الذهب بالتمويه مستهلكًا وألحقه بالعدم، ولو انعدم كان هذا بيع النحاس وبيع الحديد بدراهم فيجوز كيف ما كان.

.الفصل الثاني عشر: في الوكالة في الصرف:

وإذا وكل الرجل رجلين بدراهم تصرف بها، فليس لأحدهما أن يصرف دون الآخر؛ لأن عقد الصرف أمر يحتاج إلى الرأي وقد فوض ذلك إلى رأيهما، ورأي الواحد لا يكون كرأي المثنى، فإن عقدا جميعًا ثم ذهب أحدهما قبل القبض بطل حصة الذاهب، وهو النصف وبقي حصة الباقي وهو النصف؛ وهذا لأن القبض من حقوق العقد، والوكيل في حقوق العقد كالمالك، ولو كانا مالكين فعقدا عقد الصرف، ثم ذهب أحدهما قبل القبض بطل حصة الذاهب وبقي حصة الباقي كذا هاهنا، فقد جوز قبض أحدهما وإن كانا وكيلين بالقبض.
وفرق بين هذا وبين الوكيلين بقبض الدين إذا قبض أحدهما دون الأخر حيث لا يجوز.
والفرق: أن الوكيل بالقبض يقبض بحكم الآمر.
ألا ترى أن المالك لو عزله عن القبض صح عزله، والمالك إنما رضي بقبضهما وأمانتهما، فلا يكون راضيًا بقبض أحدهما، فأما الوكيل في باب الصرف إنما يقبض لحق المالك، ألا ترى أنه لو عزله، المالك عن القبض لا يعمل عزله، وإذا كان قبضه بحق الملك كان الوكيلان بالصرف في حق القبض كالمالكين.
ولو كانا مالكين فذهب أحدهما، وقبض الآخر جاز كذا هاهنا، وإن ذهب الوكيلان عن مجلس الصرف كل واحد منهما إلى ناحية أخرى فقبض رب المال لا يجوز لما ذكرنا أن الوكيلين في حق حكم القبض بمنزلة المالكين فذهبا عن مجلس العقد كل واحد إلى حيه، ووكلا رجلًا بالقبض فقبض لم يجز كذا هاهنا.
وإذا وكل الرجل رجلًا بدراهم يصرفها له بدينار، فصرفها الوكيل وتقابضا وأقر مشتري الدراهم باستيفاء الدراهم ثم جاء مشتري الدراهم بدرهم زيف وقال: وجدتها في تلك الدراهم فقبله الوكيل وأقر أنه من تلك الدراهم لزم الوكيل دون الموكل؛ لأن الرد على الوكيل حصل بإقراره، فإنه لولا إقراره أن هذا من تلك الدراهم، وإلا لما تمكن مشتري الدراهم من رده لما أقر بالاستيفاء والرد بالعيب على الوكيل، أو كان بإقراره والوكيل لا يلزم المردود كما في بيع العين.
قال: لو جحد الوكيل أن هذه الدراهم من تلك الدراهم، فأقام مشتري الدراهم بينة أن هذه من تلك الدراهم، ولم يكن أقر مشتري الدراهم بالاستيفاء، فالقاضي يقبل بينته ويرد الدرهم على الوكيل ويلزم الآمر.
فمن المشايخ من قال ما ذكر في (الكتاب): أن القاضي يقبل بينة مشتري الدراهم أن الدرهم من تلك الدراهم، إذا لم يقر بالاستيفاء حطًا؛ لأن في هذه الصورة القول قول المشتري أن هذه الدراهم من تلك الدراهم استحسانًا في مسألة السلم إليه بدرهم زيف.
وقال: وجدت هذا في رأس المال ولم يكن أقر بالاستيفاء، وكما في بيع العين إذا جاء البائع بدرهم زيف، وقال: وجدته في الثمن ولم يكن أقر بالاستيفاء كان القول قوله استحسانًا فكذا هاهنا، وإذا كان القول قوله لم يكن في هذه الصورة موضع إقامة البينة في غير موضعها كيف يسمع.
وإلى هذا مال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله والشيخ الإمام شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله صحح ما ذكر محمد في (الكتاب) فقال: بلى القول (قول) مشتري الدراهم في هذه الصورة استحسانًا، ولكن مع اليمين فهو بهذه البينة أسقط اليمين عن نفسه، والبينة لإسقاط اليمين مقبولة، ألا ترى أن المودع إذا أقام البينة على الرد والهلاك فيثبت بينته مع أن القول في الرد والهلاك قوله، إنما قلت لإسقاط اليمين عن نفسه كذا هاهنا.
وكان الشيخ الإمام الزاهد عبد الله بن الحسين بن أحمد رحمه الله يقول: ليس في (الكتاب) أن مشتري الدراهم يكلف إقامة البينة، وإنما فيه أنه إذا أقام البينة قلت ببينته، والعلة أقام البينة لدفع اليمين عن نفسه وكان كالمودع قال: وكذلك إن استحلف الوكيل على ذلك ونكل ورد عليه بنكوله لزم الموكل، وهكذا ذكر محمد رحمه الله بعض مشايخنا قالوا: هذا الجواب خطأ أيضًا؛ لأنه لا يمين على الوكيل في هذه الصورة، وإنما اليمين على مشتري الدراهم أن هذا الدرهم من تلك الدراهم؛ لأن الشرع جعل القول قول مشتري الدراهم في هذه الصورة من جعل القول قوله شرعًا يتوجه عليه اليمين.
فإنما يرد إذا حلف على ذلك، إما أن حلف على ذلك وإما أن يحلف الوكيل فلا، وإنما الصحيح من الجواب أن يحلف مشتري الدراهم، ويرد على الوكيل ويكون ذلك ردًا على الآمر؛ لأنه رد على الوكيل بغير اختياره بما هو حجة في حق الآمر فيظهر ذلك في حق الآمر.
قلنا: ما ذكر من الجواب صحيح، ولكن على طريق القياس لا على طريق الاستحسان؛ لأن على طريق الاستحسان: لا يمين على الوكيل، وعلى طريق القياس: على الوكيل اليمين، والقول قول الوكيل مع يمينه كما في بيع العين، فكان ما ذكر من استحلاف الوكيل ونكوله ذكره على طريق القياس.
وإذا وكل الرجل رجلًا بدراهم يصرفها له بدنانير فصرفها، وتقابضا فليس للوكيل أن يتصرف بعد ذلك في الدنانير نسي؛ لأن الدنانير ملك الموكل؛ لأنهما ثمن دراهمه ولم يأذن الموكل للوكيل بالتصرف فيها بأن يشتري له إبريق فضة بعينه بدراهم فاشتراه بدراهم كما أمر به، ونوى أن يكون المشتري لنفسه كان المشتري للآمر، ولو اشتراه بدنانير وعرض كان المشتري للوكيل.
ولو كان وكله أن يشتري إبريق فضة بعينه ولم يسم له الثمن فاشتراه بدراهم أو دنانير، فالمشتري للموكل.
ولو اشتراه بعرض أو بشيء من المكيل أو الموزون، فالمشترى للوكيل؛ وهذا لأن مطلق التوكيل كيل بالشراء ينصرف إلى الشراء بالنقد، فكأنه صرح به، وهناك إذا اشتراه بالدراهم أو الدنانير كان للموكل، ولو اشتراه بشئ من المكيل والموزون كان المشتري للوكيل كذا هاهنا، ولو وكله بفضة له ببيعها ولم يسم له الثمن فباعها بفضة أكثر منها لم يجز كما لو باعها الموكل بنفسه لا يضمن الوكيل؛ لأنه موافق أمر آمره؛ لأن التوكيل بالبيع منصرف إلى البيع الجائز والفاسد جميعًا.
قال: والذي وكل أحق بهذه الفضة من الوكيل يريد به الفضة التي قبضها الوكيل من مشتري الإبريق؛ لأن الفضة التي قبضها الوكيل ملك الموكل؛ لأنه بدل ملكه؛ إذ البيع قد نفذ على الموكل على ما ذكرنا قال: إلا أنه يأخذ من الوكيل مثل وزن فضة، وإن كان الكل لمكاله؛ لأنه لو أخذ زيادة على ذلك يلزمه أن يرده ثانيًا على الوكيل على المشتري فلا يفيد أخذ الزيادة، والشرع لا يرد بما لا يفيد قالوا: تأويل ما قاله محمد رحمه الله: أن الموكل أحق بالفضة التي قبضها الوكيل أن الموكل إذا كان بحال لا يقدر على أخذ فضة بعينها، بأن غاب قابضها، أوكان حاضرًا واستهلكها فمتى كانت الحالة هذه كان له أن يأخذ مما في يد الوكيل مثل فضة وزنًا؛ لأن فضته صارت دينًا على القابض، وقد ظفر بجنس حقه من مال القابض فكان له أن يأخذ ذلك، فإما إذا كان قادرًا على أخذ فضته بعينها، فإنه يأخذ ذلك حتى تزول المعصية ولا يأخذ ذلك حتى تزول المعصية ولا يأخذ ما في الوكيل؛ لأن فيه تقرير الفساد وسبيل الفساد رفعه لا تقريره.
وإذا وكل الرجل رجلًا ببيع تراب الصواغين أو تراب المعادن كان جائزًا؛ لأن الموكل يملك بيع ذلك فيملك التوكيل به، فإن باعه بذهب أو فضة لم يجز، كما لو باع الموكل ذلك بنفسه؛ وهذا لأن الشراء إنما يقع على ما في التراب من الذهب أو الفضة لا على نفس التراب، فإذا لم يعلم أن في التراب شئ من ذلك، لم يكن محل البيع موجودًا بيقين، فلا يمكن القول بجوازه، وإن علم أن في التراب فضة هي مثل الفضة التي ثمن أو ذهب هو مثل الذهب الذي هو ثمن ورضي به المشتري، فإن علما بذلك في مجلس العقد فهو جائز وللمشتري الخيار ليكشف الحال له.
فهو كمن اشترى شيئًا لم يره ثم رآه، فإن رده بغير حكم جاز على الآمر بمنزلة الرد بخيار الشرط والرؤية، وإن علما به بعد ما تفرقا لا يجوز البيع، وإن باعه بعرض، وقد علم أن في التراب ذهب أو فضة أو ذهب وفضة جاز البيع على قول أبي حنيفة خلافًا لهما؛ لأنه وكله بالبيع مطلقًا والوكيل بالبيع مطلقًا بأي ثمن كان عند أبي حنيفة.
وعندهما لا يملك البيع إلا بالنقد، وإن لم يعلم أن فيه أحدهما أو كلاهما فباعه بالعرض جاز عند الكل، أما عند أبي حنيفة فظاهر.
وأما عندهما؛ فلأن في هذه الصورة وهو ما إذا لم يعلم أن فيه أحدهما أو كلاهما لا يجوز البيع لا بالدراهم ولا بالدنانير، وإنما يجوز بيعه بالعرض، ومطلق التوكيل بالبيع ينصرف إلى الجائز والفاسد فيصير البيع بالعرض هاهنا داخلًا تحت التوكيل.
ولو وكله أن يزوجه بهذا التراب امرأة وهو تراب المعدن أو تراب الصواغين فزوجه امرأة، ينظر إن كان فيه عشرة دراهم أو أكثر فلها ذلك، وإن كان أقل من عشرة دراهم يكمل لها العشرة، كما لو تزوج الموكل بنفسه، ولو وكل أن يبيع سيفًا محلى له أو منطقة مفضضة له فباعه بفضة هي أقل فالبيع فاسد، وكذلك لو باعه بنسيئة فالبيع فاسد، وكذلك لو باعه بشرط فالبيع فاسد.
كما لو باع الموكل بنفسه ولا ضمان على الوكيل؛ لأنه لو ضمن ضمن بسبب فساد العقد ولا وجه إليه؛ لأن التوكيل بالبيع يتناول الجائز والفاسد جميعًا، ولو وكله بحلي به ذهب فيه ياقوت أو فيه زبرجد أو لؤلؤة يبيعه له فباعه له بدراهم نقد وتفرقا قبل القبض بطل حصة الحلي به؛ لأنه صرف وبطل حصة اللؤلؤة، والجوهر أيضًا إن كان لا يمكن تسليمه إلا بضرر، وإن أمكن تسليمه بلا ضرر لا تبطل حصة اللؤلؤة، والجوهر أيضًا إن كان لا يمكن تسليمه إلي.
ولو وكله أن يشتري له فلوسًا بدرهم فاشتراه وقبضها فكسدت في يد الوكيل قبل أن يدفعها إلى الموكل فهي للذي وكله؛ لأن قبض الوكيل بمنزلة قبض الموكل من حيث إن الوكيل في القبض عامل للموكل.
ألا ترى أنه لو هلك في يد الوكيل كان بمنزلة ما لو هلك في يد الموكل فكأنها كسدت في يد الموكل.
ولو كسدت قبل أن يقبضها الوكيل، فإن الوكيل بالخيار إن شاء أخذها، وإن شاء ردها هكذا ذكر في (الكتاب)، قال شيخ الإسلام: وهذا إنما يستقيم طريقه القياس الكساد بمنزلة العيب، ويعيب المبيع قبل القبض يوجب الخيار للموكل، أما لا يستقيم على طريقة الاستحسان؛ لأن على طريقة الاستحسان الكساد بمنزلة الهلاك، ولهذا ينتقض العقد بالكساد قبل القبض، والعقد إذا انتقض لا معنى لإثبات الخيار للوكيل بعد ذلك.
وإذا وكل الرجل رجلًا أن يشتري له طوق ذهب بعينه بألف درهم ودفع إليه الألف فاشترى الوكيل الطوق بألف درهم، ونقد الثمن فقبل أن يقبض الوكيل الطوق في يد البائع، كان للوكيل الخيار، إن شاء أمضى العقد، وأبيع الكاسر بقيمة الطوق مصوغًا من خلاف جنسه.
وإن شاء فسخ العقد ودفع إليه البائع إن شاء عين تلك الدراهم، وإن شاء مثلها، فإن أمضى الوكيل العقد وأخذ من الكاسر قيمة الطوق للموكل أن يأخذ من الوكيل تلك القيمة، وإنما يأخذ من الوكيل مثل تلك الدراهم التي دفع إليه وهذا؛ لأن الوكيل يأخذ القيمة صار بائعًا الطوق من الكاسر؛ لأن ضمان الكسر يفيد الملك للكاسر في المكسور وله التضمين؛ لأن حق قبض الطوق كان له بحكم العقد فيكون له قبض بدله لكون البدل قائمًا مقام المبدل، وإذا صار بائعًا الطوق المكسور من الكاسر حكمًا بالتضمين يعتبر بما لو باعه منه حقيقة بأن أخذ المكسور فقبل أن يأخذه الموكل منه باعه من غيره.
ولو كان هكذا كان بدل المكسور للوكيل لا سبيل للموكل عليه؛ لأن بدل المكسور على هذا الاعتبار ملك الوكيل؛ لأن الوكيل متى رضي بعيب فاحش يعتبر المشتري مملوكًا له إلا إن شاء الموكل أن يأخذه، كذلك فقبل أن يشاء الموكل أن يأخذه، كذلك كالمشتري ملك الوكيل فيكون البدل ملك الوكيل، فلا يكون للموكل عليه سبيل، وإنما للموكل أن يأخذ من الوكيل مثل الدراهم التي دفعها إليه، فكذا إذا صار بائعًا المكسور من الكاسر حكمًا يأخذ القيمة.
وإذا وكل رجلًا بطوق ذهب يبيعه له فباعه وأنقد الثمن، وسلم الطوق إلى المشتري فجاء المشتري بعد ذلك وقال: وجدت الطوق صفرًا مموهًا بالذهب وأنكر الآمر، فالمسألة على الوجهين:
الأول: أن يجحد الوكيل ذلك فأقام المشتري عليه البينة بذلك، ولم يكن للمشتري بينة فحلف الوكيل فنكل ورد القاضي الطوق عليه، وفي هذين الوجهين الطوق يلزم الموكل.
الوجه الثاني: أن يقر الوكيل وفي هذا الوجه المسألة على وجهين أيضًا: إن رد عليه بغير قضاء كان ذلك ردًا على الوكيل وليس له أن يخاصم الموكل في ذلك، وإن رد عليه بقضاء قاض يلزم الوكيل أيضًا، ولكن للوكيل حق مخاصمة الموكل هاهنا، والكلام في هذا نظير الكلام في الوكيل ببيع العبد إذا باع العبد، وانتقد الثمن ثم طعن المشتري بعيب في العبد ورده على الوكيل، وهناك الجواب على التفصيل الذي ذكرنا في مسألة الطوق.
وأكره للمسلم أن يوكل ذميًا أن يصرف له دراهم أو دنانير؛ لأنه يستحل الربا وعسى يوقعه في الحرام مع هذا لو فعل جاز الوكيل أهل لما وكل به؛ لأن الأهلية بالمعرفة والتميز وقد وجد.
وإذا وكله بدراهم يصرفها له فصرفها مع عبد للموكل فهذا على وجهين:
الأول: لأن لا يكون على العبد دين، وفي هذا الوجه لا يجوز الصرف، الوكيل مع العبد كما لو فعل الموكل ذلك بنفسه ولكن لا ضمان على الوكيل؛ لأنه سلم الأمانة إلى عبد صاحب الأمانة فلا يضمن.
كالمودع إذا دفع الوديعة إلى عبد صاحب الوديعة، وإن كان على العبد دين يجوز كما لو فعل المولى ذلك بنفسه، ولكن لا يسلم الوكيل المبيع إلى العبد حتى يستوفي منه الثمن.
ألا ترى أن الموكل لو باع بنفسه كان له الحبس إلى أن يستوفي الثمن، وإذا سلم يبطل حقه في الثمن فكذا في الوكيل.
وإذا وكل الرجل رجلًا بدراهم يصرفها بدنانير هي أقل (من) قيمة من الدراهم إن كان النقصان بحيث يتغابن الناس في مثله يجوز، وإن كان بحيث لا يتغابن الناس في مثله لا يجوز.
أما على قولهما؛ لأن الوكيل بالمصارفة إما أن يعتبر وكيلًا بالبيع أو بالشراء ويأتي ذلك ما اعتبرنا لا يتحمل منه الغبن الفاحش عندهما.
وأما على قول أبي حنيفة: فلأن الوكيل بالمصارفة وكيل بالبيع من وجه وبالشراء من وجه؛ لأن كل واحد من بدلي الصرف ثمن من وجه مثمن من وجه، فمن حيث إنه وكيل بالبيع إن كان يتحمل منه الغبن الفاحش عند أبي حنيفة فمن حيث أنه وكيل بالشراء لا يتحمل منه الغبن الفاحش بالشك، وإن صرفها مع شريك مفاوض للوكيل لا يجوز كما لو صرفها مع نفسه وهذا؛ لأنه بهذا التصرف يثبت للوكيل ملك الرقبة والتصرف في نصف الدراهم؛ لأن الدراهم تصير مشتركًا بين الوكيل وبين الشريك فتصير الدراهم للوكيل رقبة وتصرفًا ويثبت له ملك التصرف في النصف الآخر الذي هو الشريك، وله في التصرف في نصيب شريكه منفعة، فإنه يحصل له الربح، فصار في معنى المصارفة مع نفسه من هذا الوجه، وهو لا يملك المصارفة مع نفسه.
وكذلك لو باعها من شريك مفاوض للآمر لا يجوز، كما لو باع الآمر بنفسه؛ وهذا لأن هذا البيع لا يفيد إلا ما كان ثابتًا من قبل؛ لأن الدراهم المبيعة كانت مشتركة بين الآمر وبين شريكه المفاوض والدنانير التي قبضها الوكيل من المفاوض أيضًا مشتركة بينهما فهذا التصرف لا يفيد إلا ما كان ثابتًا فلا يحكم بجوازه، وإن صرفها مع الشريك الآمر في الصرف غير مفاوض له يجوز كما لو فعل الآمر ذلك بنفسه؛ وهذا لأن مصارفة الآمر مع الشريك له في الصرف مفيد؛ لأن الشريك يستفيد بهذا التصرف في هذه الدراهم، ويخرج به ما كان في الشركة وهو الدراهم، فكان هذا التصرف مفيدًا فيجوز، وإذا كان يجوز هذا التصرف من الآمر فكذا من وكيله.
وإذا وكل بألف درهم يصرفها وصار بالكوفة ولم يسم له مكانًا، ففي أي ناحية في الكوفة صرفها فهو جائز؛ لأنه لو صرفها في مصر آخر يجوز فهذا أولى، ولو صرفها ثمة فهو جائز ولا ضمان على الوكيل أما جواز البيع؛ فلأن الآمر بالبيع مطلق فلا يتقيد بمكان الآمر إلا بدليل مقيد ولا دليل فيها لا حمل له ولا مؤنة؛ لأن قيمته لا تختلف باختلاف الأمكنة، ففي أي مكان صرفها كان ذلك بأمره فيجوز، وأما لا ضمان على الوكيل وإن سافر بها، والآمر بالبيع لا يقتضي الأذن بالمسافرة إن لم يثبت مقتضي الآمر بالبيع ثبت مقتضي الآمر بالحفظ؛ لأنه لما دفع الدراهم إليه ليصرفها فقد أمره بحفظها، ولم يقيد الأمر بالحفظ بمكان الآمر نصًا، ولم يتقيد به بدلا له حال الآمر حتى لا يلزمه مؤنة الرد من غير تقصير، ما هو مقصود بالآمر عند الرد عليه إذ ليس له حمل ومؤنة.
فأما إذا كان له حمل ومؤنة كالعبد والطعام وأشباه ذلك فباعها في بلد آخر إن لم ينقلها إلى ذلك البلد جاز البيع قياسًا واستحسانًا، وإن نقلها إلى بلد آخر وباع ذلك في كتاب الصرف في رواية أبي سليمان أنه إذا نقل الرمكة واستأجر لذلك فإذا ضاع أو سرق منه فهو ضامن.
وإن سلم حتى باع أجزت البيع ولم ألزم الآمر من الآخر شيئًا، وذكر في رواية أبي حفص أجزت البيع إذا باعه بمثل ثمنه في الموضع الذي أمره ببيعه، وذكر هذه المسألة في كتاب الوكالة وقال: استحسن وأضمنه ولا أجيز البيع اتفق عليه رواية أبي سليمان، ورواية أبي حفص، فكان ما ذكر في كتاب الصرف في رواية أبي سليمان: أنه إذا سلم حتى باع أنه يجوز البيع جواب القياس لا جواب الاستحسان، فصار حاصل المسألة أن فيما له حمل ومؤنة إذا باعه الوكيل في مصر آخر جاز قياسًا ولا يلزم الآمر شيئًا من الآخر، وفي الاستحسان لا يجوز البيع.
وجه القياس في ذلك: أنه لم يجز البيع في مصر آخر، إنما لم يجز كيلا يلزم المالك الكراء، ولا يلزمه الكراء هاهنا متى جوزنا بيع الوكيل؛ لأن الوكيل في النقل مخالف؛ لأن العرف فيما بين الناس أن من دفع إلى غيره شيئًا له حمل ومؤنة لمبيعهِ قائمًا يريد البيع في المكان الذي دفعه إليه حتى لا يلزمه الكراء ومؤنة النقل من غير أن يحصل له مقصوده وهو البيع.
فهو معنى قولنا: أن الوكيل مخالف في النقل فلا يلزم الآمر الكراء فلا يمنع جواز بيعه ولا ترتفع الوكالة بالنقل؛ لأن هذا خلاف من حيث الفعل وبالخلاف من حيث الفعل لا ترفع الوكالة على ما عرف في موضعه.
وجه الاستحسان: لو أخر ما بيعه في مصر آخر، وجعلنا بيعه بأمر الآمر يجب الكراء على الآمر؛ لأن الحمل حصل للآمر فيجب الكراء عليه، ولا وجه إلى إيجاب الكراء على الآمر؛ لأن الآمر لم يرض به.
وبيان: أنه لم يرض به ما ذكرنا من العرف في وجه القياس، بخلاف ما إذا باعه في مصر آخر من غير أن ينقله إلى ذلك المصر؛ لأن هناك لا يلزم الآمر الكراء متى جوزنا بيع الوكيل وهذا هو التخريج لما لا حمل له ولا مؤنة.
وإذا وكل الرجل رجلًا بألف درهم يصرفها له، ثم إن الموكل صرف تلك الدراهم الألف بنفسه فجاء الوكيل بعد ذلك إلى بيت الموكل، وأخذ من بيته ألفًا غيرها وصرفها، فهو جائز على الموكل فلم يجعل الألف التي أضيفت إليها الوكالة متعينة في حق بطلان الوكالة متى صرفها الموكل بنفسه وقال: لو دفع الموكل تلك الألف إلى الوكيل فسرقت من يديه أو هلكت في يده.
والوجه في ذلك: أن الوكالة بالشراء بمعنى الشراء من حيث أنها سبب لثبوت الشراء في الثاني بين الوكيل وبين الموكل، حتى حصل الشراء من الوكيل، فإن الوكيل يصير بائعًا ما اشترى من الموكل، وذلك بالوكالة السابقة.
وهذا كان للوكيل جنس المشتري من الموكل بالثمن، وإذا كانت الوكالة بالشراء سببًا للشراء في الثاني ألحق بالشراء والدراهم والدنانير لا يتعينان في الشراء قبل القبض بإضافة الشراء إليهما، ويتعينان بالقبض فكذا في الوكالة بالشراء التي ألحقت بالشراء، هذا بخلاف ما لو أمره ببيع شئ يتعين بالتعيين، ثم إن الموكل باع ذلك الشئ بنفسه، فإنه تبطل الوكالة حتى لا يكون للوكيل أن يأخذ مثله من بيته ويبيعه؛ لأنا ألحقنا الوكالة بالشراء فما يتعين في الشراء يتعين في الوكالة والفلوس بمنزلة الدراهم في أنها لا تتعين في الشراء فكذا في الوكالة.
وإذا وكله بدراهم يصرفها له بدنانير وهما بالكوفة فصرفها بدنانير كوفية مقطعة فهو جائز في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز إلا إذا صرفها بدنانير شامية وأراد بالكوفية المقطعة الجفاف التي فيها عسر المكسرة، وأراد بالشامية النعال واعلم بأن الوكالة ينصرف نقد البلد لما ذكرنا أن الوكالة ألحقت بالشراء والشراء ينصرف إلى نقد البلد فكذا الوكالة، وقد كان نقد البلد في زمن أبي حنيفة الكوفية المقطعة والشامية فأفتى على ما شاهد في زمانه، وصرف الشراء والوكالة إلى المقطعة والشامية، وزمن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله كان نقد البلد الشامية لا غير، فصرف الوكالة والشراء إلى الشامية وأفتيا على ما شاهدا في زمانهما فهذا في الحقيقة اختلاف عصر وزمان.
وإذا وكله أن يشتري له بهذه الدنانير دراهم غلة ولم يسلم غلة الكوفة أو غلة بغداد فهذا غلة الكوفة يريد به إذا كان التوكيل بالكوفة، وهذا لما ذكرنا أن الوكالة معتبرة بالشراء ولو قال: اشتريت منك هذا بألف درهم، وهما بالكوفة كان الشراء على غلة الكوفة فكذا الوكالة، فإن اشترى بها غلة بغداد أو غلة بصرة، فإن كان مثل غلة كوفة أو فوقها جاز؛ لأنه أتى بمثل المأمور به وزيادة، وإن كان دون غلة الكوفة لا يجوز.
ولو وكله بأن يبيع هذه الدراهم بكذا دينارًا شامية فباعها بدينار كوفية، فإن كانت الكوفية غير مقطعة وكان وزنها مثل وزن الشامية يجوز على الآمر؛ لأنه أتى بمثل ما أمره به إن لم يأت بعين ما أمره به ثم قال: وليس الدنانير في هذا كالدراهم يريد أن الدراهم لا تعتبر زيادة الوزن بزيادة، وفي الدنانير تعتبر زيادة الوزن بزيادة.
حتى قال: لو وكله بأن يبيع هذه الدراهم بكذا دينارًا شامية فباع بكذا دينار كوفية، فإن كانت الكوفية وزنها مثل وزن الشامية جاز على الآمر وما لا فلا.
وقال: فيمن وكل رجلًا أن يبيع هذه الدنانير بكذا دراهم غلة الكوفة فباعها بغلة بغداد وبغلة بصرة قال: إن كان لوغلة كوفة جاز، ولم يشترط أن يكون بمثل غلة الكوفة، وإنما كان كذلك؛ لأن المقصود من الغلة الاتفاق في حوائجه، وإنما يحصل ذلك بغلة الكوفة أو مثلها، والمقصود من شراء الدنانير الربح، وذلك يختلف باختلاف الوزن، فإن رغبة الناس في الدنانير الثقال أكثر، فإن كان وزن الكوفية مثل وزن الشامية فقد حصل المقصود فيجوز وما لا فلا، ولو قال: بعها بدينار عتق، فباعها بشامية لا يجوز على الآمر؛ لأن المقصود لا يحصل هذا لما للعتق ثمن الصرف على الشامية.
وإذا أقرض الرجل رجلًا ألف درهم وقبضها المستقرض ثم إن المقرض قال للمستقرض: اصرف الدراهم التي لي عليك، ولم يبين مع من يصرف لا يصح التوكيل عند أبي حنيفة ويقع الصرف للمستقرض، وعلى قول أبي يوسف ومحمد يصح التوكيل ويقع الصرف للمقرض.
وهذه المسألة بناء على مسألة معروفة في كتاب البيوع إذا قال رب الدين لمديونه: أسلم مالي عليك من الدين في كذا ولم يبين مع من يسلم فهناك لا يصح التوكيل عند أبي حنيفة رحمه الله خلافًا لهما فها هنا كذلك، وأما إذا قال اصرفها ولم يرد عليه لا يصح التوكيل عندهم جميعًا؛ لأن وفي قوله: اصرفها، يجوز أن يكون كناية عن الألف التي قبضها المستقرض، ويجوز أن تكون كناية عن الألف التي صار دينًا للمقرض في ذمة المستقرض فيه إن كان كناية عن الألف التي قبضها المستقرض لا يصح التوكيل؛ لأن تلك الألف صارت ملكًا للمستقرض هذا أمر بالتصرف في ملك الغير، وأنه لا يصح، فإن كانت الكناية عن الألف التي وجبت للمقرض في ذمة المستقرض كان التوكيل صحيحًا؛ لأن هذا أمر بالتصرف في ملك نفسه صحيح فيصح التوكيل على هذا التقدير عندهما مطلقًا وعند أبي حنيفة إذا بين من يصرف إليه وقع الشك في صحة هذا التوكيل، فلا يصح هذا التوكيل بالشك.

.الفصل الثالث عشر: في الصرف مع مملوكه وقرابته وشريكه ومضاربه والوصي وما يتصل بذلك:

قال محمد رحمه الله: وإذا باع الرجل من عبده درهمًا بدرهمين بدرهم فهذا ليس بربا سواء كان على العبد دين أو لم يكن، والأصل فيه قوله عليه السلام: «لا ربا بين السيد وبين عبده».
والمعنى في ذلك: أن الربا اسم لما ملك بعقد المعاوضة، أما إذا لم يكن على العبد دين؛ فلأن شراء المولى منه لا يصح؛ لأن هذا الشراء لا يفيد للمولى إلا ما كان له فصار وجود هذا الشراء وعدمه بمنزلة وصار المولى.
دافعًا إلى العبد درهمًا أخذ منه درهمين أو دافعًا إليه درهمين أخذ منه درهمًا وهذا لا يكون ربًا، وأما على العبد دين؛ فلأن شراء المولى منه في هذه الصورة إن كان مقيدًا؛ لأنه يفيد المولى فيما اشترى ملك الرقبة، والتصرف على حسب ما اختلفوا فيه إلا أن للمولى أن يأخذ كسب عبده المديون لقيام ملكه في رقبته من غير شراء، ولكن ببدل يعد له حق الغرماء، وإذا كان له الأخذ على هذا الوجه من غير شراء، فإذا باع المولى منه درهمين بدرهم صار كأنه دفع إليه درهمين، وأخذ منه درهمًا من غير شراء وذلك لا يكون ربًا، وإذا باع منه درهمًا بدرهمين صار كأنه أعطاه درهمًا وأخذ منه درهمين فيلزمه رد الدرهم الزائد؛ لأنه أخذه بغير عوض وقد تعلق به حق الغرماء لا لمكان الربا.
وأشار في القدوري إلى أن الربا يجري بين المولى وعبده إذا كان على العبد دين فإنه قال: دين العبد يمنع ملك المولى عند أبي حنيفة، وعندهما إن كان لا يمنع الملك ولكن يوجب حجر المولى عن التصرف فصار المولى بمنزلة الأجنبي فيظهر الربا كما فيما بين الأجانب.
ولو باع من مكاتبه درهمًا بدرهمين أو بدرهمين بدرهم لا يجوز وكان ربا؛ لأن الشراء المولى من أكساب مكاتبه وبيع المولى ماله من مكاتبه جائز؛ لأن المكاتب بعقد الكتابة صار أخص بمكاسبه كالحر يدًا وتصرفًا في الكسب فيجري الربا بينه وبين مولاه كما يجري بينه وبين سائر الأحرار ومعتق البعض عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب وعندهما بمنزلة حر عليه دين وبأنهما اعتبرناه تجري الربا بينه وبين مولاه، وكذلك يجري الربا بين الرجل وبين أبيه وابنه وسائر قرابته؛ لأن الشراء يتحقق فيما بين هؤلاء، فيجري الربا بينهم لما ذكرنا أن الربا اسم لما يملك بالشراء من غير عوض، وكذلك يجرى الربا بين الرجل وهي عندهما هؤلاء وبين الرجل ووكيل هؤلاء؛ لأن الشراء من عند هؤلاء من وكيلهم بمنزلة الشراء من هؤلاء، ويجري الربا بين شريكي العنان إذا لم يكن الصرف من تجارتهما؛ لأن كل واحد منهما ليس من تجارتهما بمنزلة الأجنبي ولا يجري بين المتفاوضين؛ لأن المبايعة فيما بينهما لا يصح؛ لأنها لا تفيد شيئًا.
قال القدوري: ولا يجوز فعل القاضي وأمينه لليتيم، والأب لابنه الصغير والوصي، إلا ما يجوز بين الأجنبيين، وكذلك إذا اشترى الأب من مال ابنه لنفسه أو المضارب باع من رب المال لم يجز إلا ما يجوز بين الأجنبيين.

.الفصل الرابع عشر: في الصرف في المرض:

قال محمد رحمه الله: وإذا باع المريض من وارثه دينارًا بألف درهم وتقابضا، فإنه لا يجوز في قول أبي حنيفة رحمه الله: إلا بإجازة باقي الورثة ويعتبر وصية للوارث بالعين وكذلك إذا باعه بمثل قيمته أو أقل.
والأصل عند أبي حنيفة: أن نفس البيع من الوارث وصية ولا وصية للوارث إلا بإجازة باقي الورثة.
وعندهما: إذا باعه بمثل القيمة أو بأكثر يجوز من غير إجازة باقي الورثة؛ لأن عندهما نفس البيع ليس بوصية، وإنما الوصية في الحط عن القيمة، وإذا كان البيع بمثل القيمة أو أقل لم يوجد الحط فلم توجد الوصية ولم تتمكن التهمة فتجوز، أجازت الورثة ذلك أو لم يجيزوا.
ولو اشترى المريض من ابنه ألف درهم بمائتي دينار وتقابضا وله ورثة كبار فعلى قول أبي حنيفة: لا يجوز إلا بإجازة الورثة سواء كان قيمة ديناره ألف درهم أو أكثر أو أقل.
وعندهما: إن كان قيمة ديناره ألف درهم أو أقل يجوز من غير إجازة باقي الورثة.
وإن كان قيمة دنانيره أكثر من ألف درهم: فإن أجاز باقي الورثة ذلك جاز، وإن لم يجزوا يخير الابن المشتري إن شاء نقض البيع ورد الدنانير وأخذ دراهمه، وإن شاء أخذ من الدنانير مثل قيمة دراهمه ورد الفضل.
وإنما يخير الابن المشتري؛ لأنه إنما بذل الدراهم بمقابلة الدنانير بكمالها، ولم يسلم له الدنانير بكمالها فقد تغير عليه شرطه فيكون له الخيار، فإن شاء رضي به وإن شاء نقض العقد، وسواء هذا رواية أخرى عنها أن أصل العقد يبطل إذا حابى المريض وارثه بشيء.
وإذا باع المريض من أجنبي ألف درهم بدينار قيمته عشرة دراهم وتقابضا ثم مات المريض والدينار عنده ولا مال له غير ذلك، فللورثة الخيار إن شاؤوا أجازوا ذلك، وإن شاؤوا لم يجيزوا؛ لأن المريض حابى بالزيادة على الثلث؛ لأن الثلث ماله ثلاث مئة وثلاثون وثلث وقد حابى بالزيادة على ذلك؛ لأنه حابى مقدار تسعمئة وتسعين، والمحاباة في المرض وصية فصار موصيًا بما زاد على الثلث والمريض إذا أوصى بما زاد على الثلث يقف ذلك على إجازة الورثة، فإن أجازوا أجاز وسلم للمشتري جميع الألف والدينار لورثة المريض، وإن لم يجيزوا فالمشتري بالخيار: إن شاء نقض البيع وإن شاء أجاز.
وإنما يخير المشتري؛ لأنه باشر هذا العقد ليسلم له الألف بكماله بمقابلة الدينار ولا يسلم له ذلك هاهنا فيتغير عليه شرطه ومقصوده فيكون له الخيار، فإن نقض البيع أخذ ديناره ورد جميع الألف ولا يسلم له شيء من الوصية كانت في ضمن البيع، فإذا انفسخ البيع بطل ما ثبت في ضمنه، وإن أجاز البيع يأخذ من الألف قيمة الدينار عشرة؛ لأنه لا محاباة بهذا القدر، ويأخذ ثلث مال الميت، وذلك ثلثمئة وثلاثة وثلاثون وثلث؛ لأن الدينار إذا كان قائمًا في يد ورثة الميت كان جميع مال الميت ألف درهم فيكون له ثلاثة ذلك وثلث الألف ثلاث مئة وثلاثة وثلاثون ويسلم له قيمة الدينار أيضًا، وذلك عشرة فجملة ما سلم له ثلاث مئة وثلاثة وأربعون وثلث، ويرد الباقي على الورثة.
هذا إذا كان الدينار قائمًا، وإن كان المريض قد استهلك الدينار، فالجواب فيما إذا كان الدينار قائمًا عند المريض إلا في فصل، فإن هذه الصورة إذا لم تجز الورثة ذلك وخير المشتري فلم يجز فسخ البيع قال المشتري يأخذ من الألف قدر قيمة الدينار عشرة بحكم المعاوضة ثم يأخذ بحكم الوصية ثلث الباقي من الألف، وذلك ثلاث مئة وثلاثون وثلث جميع الألف، بخلاف الفصل الأول، فإن هناك المشتري بعد ما أخذ قيمة الدينار يأخذ جميع الألف ثلاث مئة وثلاثون وثلث.
والوجه في ذلك: أن الوصية إنما تنفذ فيما هو ثلث مال الميت عند الموت، وفي المسألة الأولى ثلث مال الميت عند الموت ألف درهم؛ لأن المشتري وإن أخذ من الألف قدر قيمة الدينار عشرة إلا أن الدينار الذي هو عوض عن العشرة قائم في يد الورثة قائم مقام العشرة فكان مال المريض ألف درهم عند الموت فيعطي الموصى له ثلث ذلك.
أما في المسألة الثانية: مال المريض عند موته تسعمئة وتسعون؛ لأن المشتري قد أخذ عشرة عوض عن الدين دينارًا، والدينار ليس بقائم حتى يقوم مقام ذلك فكان مال الميت عند الموت تسعمئة وتسعون فيكون للمشتري ثلث ذلك.
ثم إن محمدًا رحمه الله: خير مشتري الدراهم بعد هلاك الدينار في يد المريض، وفرق بين هذا وبينما إذا هلك الألف في يد مشتري ألف ولم تجز الورثة ما صنعه المريض، فإن هناك لا يخير مشتري الألف بين الفسخ والإجازة بل يأخذ قدر قيمة الدينار وثلث جميع الألف يرد الباقي على الورثة.
والفرق: أن الدينار الذي قبضه المريض بدل الصرف من كل وجه؛ لأنه لا محاباة للمريض في ذلك، وهلاك بدل الصرف لا يمنع الفسخ، فإما الألف التي قبضها مشتري الألف بعضها إن كان بدل الصرف، وذلك قدر قيمة الدينار؛ لأنه أعطاه بإزائه عوضًا فما زاد على ذلك لم يكن بإزاء عوض للمريض بل كان وصية وهلاك الدراهم في يد الموصَى له يمنع فسخ الوصية؛ لأن الدراهم تتعين في الوصايا، وكانت الدراهم في الوصايا كالعروض، وإذا امتنع فسخ الصرف؛ لأنا لو فسخنا الصرف تنفسخ الوصية؛ لأنها كانت في ضمن الصرف، فإذا تعذر فسخ الوصية تعذر فسخ الصرف، فشرط قيام الدراهم في يد مشتريها لا مكان فسخ الصرف ولم يشترط قيام الدينار في يد مشتريه لإمكان فسخ الصرف لهذا.
قال: ولو أن المريض باع سيفًا قيمته مئة درهم، وفيه من الفضة مئة درهم، وذلك كله قيمته عشرين دينارًا بدينار وتقابضا، ثم مات المريض وإلى الورثة أن يجيزوا ذلك، فإن المشتري بالخيار: إن شاء نقض البيع ورد السيف وأخذ ديناره ولا شيء له من الوصية، وإن شاء أجاز البيع وأخذ قدر قيمة الدينار من السيف والحلية وثلث السيف تامًا بعد ذلك زاد وهاهنا، فقال: إن شاء زاد في الثمن إلى تمام قيمة ثلثي السيف، ثم قال: في هذه المسألة أخذ المشتري قدر قيمة الدينار من السيف والحلية جميعًا؛ لأن الحلية مع السيف كشيء واحد لا يتأتى إثبات المعاوضة في أحدهما دون الأخر.
وإن كان الدينار قد هلك، فالجواب كذلك إلا في فصل أن الورثة إذا لم يجيزوا ما صنع الميت وخير المشتري بين أن يختار فسخ العقد وأخذ دينار مثل ديناره وبين أن يمضي العقد وأخذ من السيف وحليته قدر قيمة ديناره وثلث ما بقي من السيف والحلية لا ثلث جميع السيف.
وإن كان المشتري قد استهلك ما قبضه أيضًا كان للمشتري قدر قيمة ديناره وثلث الباقي من السيف والحلية وعشر من ثلثي الباقي للورثة؛ لأن تعذر فسخ العقد هاهنا؛ لأن المعقود عليه مستهلك فكان ضمان حصة الورثة من ذلك وهو قيمة ثلثي الباقي بعد قيمة الدينار.
وهذا لأن المقبوض لو كان قائمًا في يد المشتري كان لورثة المريض استرداد ذلك، فإذا كان هالكًا كان له استرداد البدل بمنزلة استرداد المبدل، وبقي له تسعمائة درهم لا مال له غيرها باعها بدينار قيمته تسعمائة دراهم وقبض مشتري الدينار الدينار وقبض الأخر مئة درهم وافترقا ثم مات المريض والدينار قائم في يده والدراهم كذلك فإجازة الورثة هاهنا، وعدم إجازتهم سواء.
ويسلم لمشتري الدراهم مئة درهم بتسع الدينار ويرد الورثة عليه بمئة أتساع الدينار وهذا؛ لأن الدينار قوبل بتسعمائة فيكون بمقابله كل مئة تسع دينار، فإذا قبض مشتري الدراهم من الدراهم مئة ولم يقبض الباقي حتى تفرقا فقد انتقض العقد في ثمان مئة درهم بثمانية أتساع الدينار في مئة درهم بتسع الدينار، فيسلم للمشتري مئة درهم بتسع الدينار.
وإن كان قيمة المئة أكثر من تسع الدينار؛ لأن ما زاد على قيمة تسع الدينار محاباة للمشتري، وأنها يخرج من ثلث مال المريض فيسلم ذلك للمشتري أجازت الورثة أو لم يجيزوا، وجب على ورثة المريض رد ثمانية أتساع الدينار على المشتري؛ لأن ذلك في أيديهم بحكم عقد قد فسد.
وكذلك لو كان له مشتري الدراهم قبض من الدراهم مئتي درهم فإجازة الورثة وعدم إجازتهم سواء، ويسلم للمشتري مئتا درهم بتسعي الدينار، وإن كان مائتا درهم أكثر من قيمة تسعي الدينار؛ لأنه محاباة يخرج من ثلث مال المريض.
وكذلك إذا كان مشتري الدراهم قبض من الدراهم ثلاث مئة فإجازة الورثة في هذا وعدمها سواء، يسلم لمشتري الدراهم ثلاث مئة درهم بثلاثة أتساع الدينار؛ لأن المحاباة تخرج من ثلث مال المريض.
وإن كان مشتري الدراهم قبض من الدراهم أربعمئة فهاهنا يحتاج إلى إجازة الورثة؛ لأن المحاباة تزيد على ثلث المال هاهنا، فإن أجازت الورثة ذلك سلم للمشتري أربعمائة درهم وسلم للورثة أربعة أتساع الدينار ولزم الورثة رد خمسة أتساع الدينار على المشتري، وإن لم تجز الورثة ذلك فالمشتري بالخيار، وإن شاء نقض البيع ورد ما قبض من الدراهم وأخذ ديناره، وإن شاء أخذ مما قبض من الدراهم قدر قيمة أربعة أتساع الدينار وثلث جميع المال وذلك ثلاث مئة ورد الباقي على الورثة، وإن لم يقبض مشتري الدراهم شيئًا من الدراهم يرد على الورثة دينارهم؛ لأن العقد قد فسد في جميع الدينار والوصية كانت في ضمن البيع فإذا بطل البيع بطلت الوصية.
وهل يجب على المشتري رد ذلك الدينار بعينه أم لا؟ فالمسألة على روايتين، فإن الدينار مقبوض بحكم عقد فاسد وفي تعيين الدراهم والدنانير في البيع الفاسد للرد روايتان، ولو لم يتفرقا ولم يمت المريض المشتري بتسعة وخمسين دينارًا وتقايضا فهو جائز كله إن كان قيمة كل دينار عشرة؛ وهذا لأن قيمة كل دينار متى كان عشرة صار المريض بائعًا تسعمئة بما يساوي ستمئة؛ لأن ثمن الدراهم صار ستون دينارًا لما زاد مشتري الدراهم تسعة وخمسين دينارًا، فتكون المحاباة بقدر ثلاث مئة وذلك يخرج من ثلث ماله فيجوز أجازت الورثة أو لم يجيزوا؟.
وإن كان المريض وكل وكيلًا فباعها من هذا الرجل بدينار ثم مات المريض قبل أن يتقابضا، فقال المشتري: أنا آخذ تسعمئة بتسعين دينارًا فهو جائز إذا رضي به الوكيل؛ لأن الزيادة من المشتري وجدت حال قيام العقد صحت إذا رضي به الوكيل، ما إن أنها حصلت حال قيام العقد لأن العقد قد صح من الوكيل؛ لأنه باع قبل موت المريض، وإنما بقي القبض لا غير، والقبض حق الوكيل؛ لأنه ملكه بحكم العقد كأنه عقد لنفسه والوكيل حي وهو مع المشتري في مجلس العقد بعد فبقي العقد على الصحة بعد موت المريض.
فإذا زاد المشتري في الثمن وقد وجدت الزيادة حال قيام العقد صحت إذا رضي به الوكيل، وإنما شرطنا رضا الوكيل لصحة الزيادة؛ لأن العاقد سَوَّى الوكيل فيتوقف صحتها على رضا الوكيل؛ وهذا لأن الزيادة إذا صحت التحقت بأصل العقد وصار كأن العقد من الابتداء ورد على الأصل والزيادة، ثم ابتداء العقد بالزيادة لا تصح إلا برضا الوكيل فكذا هاهنا، وهذا بخلاف ما لو عقد المريض بنفسه ثم مات قبل القبض فأراد المشتري أن يزيد في الثمن حتى تزول المحاباة لا يقدر عليه؛ لأن العقد بطل بموت المريض؛ لأن حق القبض للوكيل وإنه حي فأمكن القول بصحة الزيادة.
قالوا: وتأويل هذه المسألة أن المريض وكل هذا الرجل ببيع الدراهم وفوض الرأي إليه بأن قال: اعمل فيها برأيك، أو قال: ما صنعت فيها من شيء فهو جائز حتى يكون بيع الوكيل جائزًا على المريض مع المحاباة فيكون بمنزلة بيع المريض، فإذا زاد المشتري بزيادة ورفع المحاباة يجوز، فإما إذا لم يفوض إليه الرأي لا يجوز العقد.
وإن زاد المشتري على اختلاف المذهبين أما على قولهما؛ فلأن الوكيل بالصرف وكيل بالبيع من وجه وبالشراء من وجه، وبأي ذلك اعتبرناه لا يحتمل منه المحاباة الفاحشة، ولا يجوز بيعه على المريض، وأما على قول أبي حنيفة رحمه الله؛ فلأنه وكيل بالبيع من وجه وبالشراء من وجه فمن حيث إنه وكيل بالبيع إن جاز تصرفه مع المحاباة على المريض، فمن حيث إنه وكيل بالشراء لا يجوز تصرفه مع المحاباة على المريض وقع الشك في جواز تصرفه على المريض فلا يجوز بالشك.
وإذا باع المريض ألف درهم بمئة درهم وتقابضا ثم مات من مرضه ذلك فهذا لا يجوز؛ لأنه ربا، ألا ترى أنه لو كان ذلك من الصحيح لا يجوز لمكان الربا فكذا من المريض.
قال: والذي أعطى المئة أن يمسك مئة من ثمانية ويرد الباقي، قالوا: وهذا على الرواية التي تقول فيها إن المقبوض من الدراهم بحكم عقد فاسد لا يتعين للرد؛ لأن على هذه الرواية حق صاحبه المئة يكون في مئة لا بعينها وقد ظفر بحبس ذلك من مال المريض فيأخذه.
فأما على الرواية التي يقول فيها إن المقبوض من الدراهم بحكم عقد فاسد يتعين للرد على الذي أعطى المئة إن رد جميع الألف المقبوضة على ورثة المريض ويرجع عليهم ثمانية إن كانت مئة قائمة بعينها ولا شيء لصاحب المئة من الوصية هاهنا؛ لأن وصية في ضمن البيع وقد وقع البيع باطلًا فما في ضمنه يكون باطلًا أيضًا.
قال: وإن كان صاحب المئة أعطى مع المئة ثوبًا أو دينارًا كان ذلك بيعًا صحيحًا على أن تكون المائة بالمائة، والباقي بإزاء الثوب أو الدينار، فإن مات المريض يجيز ورثته؛ لأنه صار بائعًا تسعمئة درهم بدينار فصار محابيًا بأكثر من ثلث ماله فكان للورثة الخيار، فإن أجازوا ما صنع المريض سلم للورثة مئة دينار وسلم لصاحب المئة الألف كلها، فإن لم يجيزوا فصاحب المئة بالخيار لتغير شرطه ومقصوده، فإن شاء نقض البيع ورد الألف وأخذ مئته وديناره على إحدى الروايتين.
وعلى رواية أخرى: إن شاء نقض البيع وأمسك من الألف مئة ثمانية ورجع على ورثة المريض بديناره إن كان قائمًا، وإن شاء أجاز البيع وأخذ من الألف مئة وقيمة ديناره؛ لأنه محاباة في ذلك القدر ثم يأخذ ثلث جميع مال المريض إن كان ديناره ومئته قائمةً وثلث ما بقي إن كان هالكًا.
وإذا كان للمريض إبريق فضة فيه مئة درهم وقيمتها عشرون دينارًا فباعه بمئة درهم وقيمتها عشرة دنانير فتقابضا ثم مات المريض من مرضه، وأبى الورثة أن يجيزوا ذلك فللمشتري الخيار، فإن شاء فسخ العقد ورد الإبريق وأخذ دنانيره، وإن شاء أمضى العقد وأخذ ثلثي الإبريق بثلثي المئة، ويرد ثلث الإبريق على الورثة.
والوجه في ذلك: أن يقول لا وجه إلا أن يصحح هذا العقد بأن يرد مئة أخرى حتى تصير قيمة الإبريق مئتي درهم فتبقى المحاباة؛ لأنه يصير مشتريًا مئة درهم، وإنه ربا؛ إذ لا قيمة للصنعة والجودة فيما بين المتعاقدين في أموال الربا، ولا وجه إلى أن يصححه بأن يزيد في الثمن من خلاف جنس الثمن إلى تمام ثلثي الإبريق؛ لأنه في إثبات الزيادة على هذا الوجه إبطالها، لأن الزيادة تصير ثمن الإبريق، فيصير صرفًا ولم يقبض في المجلس، ولا وجه إلى أن يجوز العقد في جميع الإبريق بمائة؛ لأن فيه إبطال حق الورثة في الصنعة والجودة، ولا وجه إلى أن يفسخ العقد في الكل إذا لم يرض به المشتري لما فيه من إبطال الوصية له بقدر الثلث.
وإذا انتفت هذه الوجوه عيّنا تجويز العقد في ثلثي المائة؛ لأنه يقع الخلاص عن الربا، ولا يبطل حق الورثة في الصنعة، ولا تبطل وصية المشتري ويحصل تنفيذ الوصية بقدر ثلث مال المريض ويسلم للورثة ثلثا مال المريض.
بيانه وهو: أن حق الورثة في ثلثي مال المريض وجميع مال المريض إبريق قيمته عشرون دينارًا ذلك ثلاثة عشر وثلث، فإذا جوزنا العقد في ثلثي الإبريق بثلثي الثمن، ورددنا ثلث الإبريق على الورثة فقد سلم للورثة ثلث الإبريق، وقيمته ستة وثلثان، وسلم لهم من ثمن الإبريق ثلثا المائة ستة وستون وثلثان وقيمته ستة دنانير، فجملة ذلك ثلاثة عشر دينارًا وثلث دينار، وهذا هو تمام حقهم وسلم للمشتري ثلثا الإبريق، وقيمته ثلاثة عشر وثلث بثلثي مائة وقيمته ستة وثلثان فكان السالم للمشتري بطريق الوصية ستة دنانير وثلث دينار فاستقام الثلث والثلثان.

.الفصل الخامس عشر: في الاستبدال ببدل الصرف:

قال محمد رحمه الله: إذا اشترى الرجل عشرة دراهم بدينار فنقد مشتري الدينار لتسعة دراهم وبقي درهم، ونقد مشتري الدراهم الدينار فلم يتفرقا حتى قال مشتري الدراهم لمشتري الدينار يعني بالدرهم لي عليك كذا فباعه، فإن البيع لا يجوز ولا يبرأ مشتري الدينار عن بدل الصرف، وقال زفر رحمه الله: يجوز البيع، ولكن مشتري الدينار لا يبرأ عن بدل الصرف.
واعلم بأن الاستبدال ببدل الصرف قبل القبض لا يجوز أجمع عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر رحمهم الله، غير أن زفر قال: بجواز البيع في هذه الصورة؛ لأنه يجوز هذا البيع بمثل بدل الصرف وتبقى الإضافة إلى بدل الصرف في حق تعلق العقد به وتقررها في حق بيان قدر الواجب وصفته، فلا يكون هذا استبدالًا ببدل الصرف قبل القبض، ونحن نعتبر الإضافة إلى بدل الصرف في حق تعلق العقد به من وجه، فيكون هذا استبدالًا لا ببدل الصرف من وجه، وإنه لا يجوز كالاستبدال من كل وجه.
وإنما لم يجز الاستبدال ببدل الصرف قبل القبض عندنا لوجهين:
أحدهما: أن الاستبدال ببدل الصرف قبل القبض يفوت قبض بدل الصرف من حيث الحقيقة، فإنه لا يوجد قبض الدراهم التي هو بدل الدينار من مشتري الدراهم بعد استبدال به، وإنما يوجد قبض بدل الثوب أو الدينار التي اشترى، وفوات قبض بدل الصرف يوجب بطلان الصرف، فيكون الاستبدال ببدل الصرف سببًا لفساد الصرف يكون فاسدًا.
الوجه الثاني: إن كل واحد من بدل الصرف ثمن من وجه إما كونه ثمنًا فظاهر، وأما كونه مثمنًا؛ لأن عقد الصرف بيع؛ لأنه مبادلة مال بمال والبيع ليس إلا مبادلة، ولهذا قالوا: إذا حلف أن لا يبيع فصارف يحنث في يمينه، فثبت أن عقد الصرف بيع.
قلنا: والبيع ما يشتمل على مبيع وثمن، وليس أحد البدلين إذا كانا دراهم أو دنانير بأن يجعل مبيعًا والآخر ثمنًا بأولى من الأخر، فجعل كل واحد منهما مبيعًا وثمنًا من وجه ضرورة انعقاد البيع، وإن كان كل واحد منهما مبيعًا حقيقة كذا هاهنا.
وإذا صار كل واحد منهما ثمنًا من وجه مثمنًا من وجه، فنقول: إن جاز الاستبدال به قبل القبض من حيث إنه ثمن لا يجوز الاستبدال به قبل القبض من حيث إنه مثمن، فلا يجوز الاستبدال بالشك، هذا كما في التأجيل في بدل الصرف إنه لا يجوز إن كان يجوز من حيث إنه ثمن لا يجوز من حيث إنه مثمن، فلا يجوز بالشك.
فإن قيل: لو كان بدل الصرف ثمنًا من وجه مثمنًا من وجه لكان يشترط قيام الملك فيه حالة العقد حتى لا يصير بائعًا ما ليس عنده بالإجماع، لم يشترط قيام الملك في الدراهم والدنانير وقت العقد.
فقد ذكرنا في صدر هذا الكتاب لو باع رجل آخر دينارًا بدراهم، وليس في ملك هذا دينار ولا في ملك ذلك دراهم ثم استقرض هذا دينارًا ودفعه إلى مشتري الدينار واستقرض ذلك دراهم ودفعها إلى مشتريها، فإنه يجوز.
قلنا: الدراهم والدنانير قبل العقد وحالة العقد ثمن من كل وجه، وإنما يعتبر مثمنًا من وجه بعد العقد؛ لأن اعتباره مثمنًا بسبب العقد ضرورة أن العقد لابد له من مثمن كذا لابد له من ثمن، فيعتبر كونه مثمنًا بعد العقد لا قبله ولا يشترط قيام الملك فيه قبل العقد، هذا كما في بيع العرض بالعرض، فإن كونه ثمنًا قبل العقد بوجه من الوجوه؛ لأنه مثمن في الأصل، وإنما يصير ثمنًا بسبب العقد ضرورة أن العقد لابد له من ثمن، فيعتبر كونه مثمنًا قبل العقد حتى يشترط قيام الملك في كل واحد منهما حالة العقد، ويتعلق العقد بهما، ويعتبر كونه ثمنًا بعد العقد حتى لا ينفسخ العقد بهلاك أحدهما بعد البيع، كما لو كان ثمنًا من كل وجه كذا هاهنا، وإذا اعتبرت المثمنية قبل العقد في البدلين من كل وجه لا يشترط قيام الملك فيهما قبل العقد، فلا يتعلق العقد بالمشار إليه.
فإن قيل: أليس أنه لو اشترى قلب فضة بدراهم، واستبدال بالدراهم قبل القبض لا يجوز عندكم مع أن الدراهم بمقابلة القلب ثمن من كل وجه؛ إذ لا ضرورة إلى جعله مثمنًا من وجه؛ لأن القلب بمقابلته مثمن من كل وجه.
قلنا: جواز الاستبدال ببدل القلب إن كان لا يمتنع للوجه الثاني؛ لأن الدراهم بمقابلة القلب ثمن من كل وجه يمتنع للوجه الأول أن الاستبدال ببدل القلب لو صح يفوت قبض بدل القلب، وفوات قبض بدل القلب يوجب فساد الصرف، وإن كان دراهم أو دنانير، وما يكون سببًا لفساد العقد يكون فاسدًا في نفسه.
ففي الكلام مع زفر رحمه الله في جواز هذا البيع.
فوجه قوله: إن هذا شراء ضعيف إلى دراهم دين، فيتعلق العقد بمثله لا بعينه كما في سائر الديون سوى بدل الصرف، فإن في سائر الديون لا يتعلق العقد بالدين المضاف إليه حتى لو تصادقا بعد ذلك أنه لا دين لا يبطل البيع، فإذا لم يتعلق العقد بعين بدل الصرف لا يكون هذا استبدالًا ببدل الصرف قبل القبض فيجوز.
ثم فرق زفر رحمه الله بينما إذا أضيف العقد إلى الدراهم الدين، وبينما إذا أضيف العقد إلى الدراهم العين، فقال: إذا أضيف العقد إلى الدراهم العين يتعلق بها، وإذا أضيف إلى الدراهم الدين لا يتعلق العقد بها.
والفرق له: أن في الدين التعيين أضيف إلى غير محله، فيصح التعيين كما في سائر المضافة إلى محالها وعلماؤنا رحمهم الله قالوا: بأن التعيين أضيف إلى ما هو مثمن من وجه لما ذكرنا أن الدراهم والدنانير إذا قوبل بعضها ببعض وكل واحد من البدلين مثمن من وجه، فصار مشتري الدراهم مشتريًا بما هو مثمن من وجه، والشراء المضاف إلى المثمن يتعلق بعينه، وإذا تعلق بعينه جعل المشتري مستبدلًا ببدل الصرف قبل القبض، وإنه لا يجوز بخلاف الشراء المضاف إلى سائر الديون سوى بدل الصرف؛ لأن هناك الشراء حصل بما هو ثمن من كل وجه، والشراء بالمضاف إلى الثمن من كل وجه لا يتعلق بعينه، أما هاهنا بخلافه.
وإذا اشترى الرجل عشرة دراهم بدنانير وتقابضا إلا بدرهم واحد بقي من العشرة، وليس عند بائع الدراهم الدرهم العاشر، فأراد الذي اشترى الدراهم أن يأخذ عشر الدينار، فله ذلك.
وهذا الجواب على هذا الإطلاق الذي قاله محمد رحمه الله يستقيم بعد ما تفرقا عن مجلس العقد قبل نقد الدرهم العاشر؛ لأنه بعد ما تفرقهما انتقض الصرف بقدر عشر دينار وصار عشر الدينار على مشتري الدينار، فلبائع الدينار أن يطالب المشتري بذلك رضي المشتري أم سخط.
فأما قبل التفرق: إذا أراد أن يأخذ عشر دينار من مشتري الدينار فليس له ذلك إلا برضى مشتري الدينار بذلك؛ لأن الصرف صحيح قبل التفرق في جميع الدينار، وإن لم يكن عند مشتري الدينار الدرهم العاشر، فيكون حق بائع الدينار في الدرهم العاشر وحق مشتري الدينار في جميع الدينار، فإذا قيل له: أعطني عشر دينار، فكأنه قال: أقلني العقد بقدر عشر دينار، فإن رضي مشتري الدينار بذلك جاز وإن لم يرض لا يجوز.
فأما إذا قال له: بعني بعشر دينار فلوسًا مسماة أو عرضًا مسماة فباعه بذلك كان جائزًا باعه قبل التفرق أو بعد التفرق، فلا إشكال؛ لأن الصرف انتقض بقدر عشر دينار لفوات قبض بدله، فصار حق بائع الدينار بعد التفرق في عشر الدينار في ذمة مشتري الدينار.
فإذا قال: بعني بذلك شيئًا بعد استبدال ببدل الصرف بعد الفسخ قبل القبض، فإنه جائز، وإن كان قبل التفرق فكذلك يجوز؛ وذلك لأن بائع الدينار كما قال: أعطني بعشر دينار فلوسًا فقد طلب منه أن يصير عشر دينار حقًا له في ذمة المشتري حتى يجوز له أخذ الفلس عوضًا عنه، وإن عشر الدينار قبل التفرق حقًا لبائع الدينار إلا بالفسخ، فكأنه قال: أقلني الصرف بقدر عشر دينار حتى لا يصير حقًا لي بالفسخ ثم أعطني بذلك فلوسًا أو عرضًا، فإذا رضي الآخذ بذلك انفسخ الصرف بقدر عشر دينار، فصار مستبدلًا ببدل الصرف قبل القبض بعد الفسخ، وإنه جائز.
وهذا بخلاف ما لو قال بائع الدينار: بعني بالدراهم شيئًا، فإنه لا يجوز سواء باعه بالدراهم العاشر شيئًا قبل التفرق أم بعد التفرق، فأما قبل التفرق؛ فلأنه استبدل ببدل الصرف قبل القبض حال بقاء عقد الصرف؛ لأنه طلب منه أن يبيع بالدرهم شيئًا والدرهم حقه بعقد الصرف، فإنه ملك الدرهم بعقد الصرف، وإنما يبقى الدرهم العاشر حقًا له ببقاء الصرف، فلا يكون بيعه الدرهم منه طلبًا للفسخ بل يكون استبدالًا ببدل الصرف، وإنه لا يجوز.
وأما بعد التفرق؛ لأنه اشترى شيئًا بدين يعلمان ليس عليه دين، ومن اشترى شيئًا من غيره بدين حاله عليه يعلمان أنه لا دين له عليه، فإنه لا يجوز هذا الشراء، ويكون هذا الشراء بعين الثمن، لأنه سمى ما لا يتصور ثمنًا، فكأنه قال: اشتريت بغير ثمن.
وفي كتاب الصرف: إذا اشترى الرجل ألف درهم بعينها بمائة دينار والدراهم بيض، فأعطاه مكانها سوداء، ورضي بها البائع جاز؛ وذلك لأن هذا ليس باستبدال، فالسود والبيض من الدراهم جنس واحد، وإنما البراءة عن صفة الجودة خير يجوز بالسود، فكان مشتريًا بهذا الطريق لا مستبدلًا.
قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: ومراده من السود الدرهم المضروب من النقرة السود لا الدراهم البخارية؛ لأن أخذ البخارية مكان الدراهم البيض لا يجوز؛ لأنه يكون استبدالًا لاختلاف الجنس، وكذلك لو قبض مشتري الدراهم وأراد أن يعطي ضربًا أخر من الدنانير سوى ما شرط لا يجوز إلا برضا صاحبه، وإذا رضي به صاحبه كان مستوفيًا لا مستبدلًا لا يكون الجنس واحدًا قبل هذا إذا أعطاه ضربًا دون المسمى، فأما إذا أعطاه ضربًا فوق المسمى، فلا حاجة إلى رضى صاحبه.

.الفصل السادس عشر: فيما يكون قصاصًا ببدل الصرف وما لا يكون:

رجل له على رجل عشرة دراهم، فباعه الذي عليه العشرة دنانير وترك العشرة ودفعه الدينار إليه، فهو جائز.
وهذا صرف بدين مسبق وجوده، والصرف بدين مسبق وجوبه جائز لحديث عبد الله ابن عمر، فإنه يروى أنه رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال: إني أكري الإبل بالبقيع إلى مكة بالدراهم وآخذ مكانها دنانير، أو بالدنانير وآخذ مكانها دراهم، وربما قال أبيع، فقال عليه السلام: «لا بأس إذا افترقتما، وليس بينكما عمل».
ومن هذا الجنس ثلاث مسائل: أحداهما هذه.
الثانية: رجل له على رجل عشرة دراهم، فباعه الذي عليه العشرة دينارًا بعشرة دراهم ودفع الدينار حتى وجب لكل واحد منهما على صاحبه عشرة، ثم جعل العشرة التي هي ثمن الدينار قصاصًا، وهذا استحسان أخذ به علماؤنا الثلاثة.
والقياس: أن لا يصير قصاصًا، وهو قول زفر ولقب المسألة أن المتصارفين إذا جعلا بدل الصرف قصاصًا بدين وجب قبل عقد الصرف استبدال ببدل الصرف وليس باستيفاء؛ لأن علامة الاستيفاء قبض مال مضمون من جنس بدل الصرف بعد عقد الصرف لا على وجه الاقتضاء بدين آخر، ولم يوجد قبض مثل هذا المال بعد عقد الصرف؛ لأن صاحب آخر الدينين يكون قاضيًا لأولهما، وصاحب أول الدينين يكون مقضيًا؛ لأن القضاء يتلوا الوجوب ولا يسبقه، ودين الصرف وجب آخرًا، فمتى جازت المقاصة صار بائع الدينار قاضيًا ببدل الصرف دينارًا كان عليه قبل عقد الصرف، وفي القضاء استبدال؛ لأنه تملك مكان بدل الصرف ما في الذمة والاستبدال ببدل الصرف لا يجوز.
وعن هذا قالوا: إذا سلم عشرة دراهم في كر حنطة ثم أراد أن يتقاصا رأس مال السلم بدين كان واجبًا لرب السلم قبل عقد السلم لا يجوز؛ لأنه استبدال رأس مال السلم، وكذا لو كان للمسلم إليه كر قبل عقد السلم هو مثل السلم ثم حل السلم فأرادا أن يجعلا المسلم فيه قصاصًا بما كان واجبًا للمسلم إليه على رب السلم قبل عقد السلم لا يجوز، وإنما لا يجوز؛ لأنه استبدال بالمسلم فيه قبل القبض فيه كذا هاهنا.
وجه الاستحسان من وجهين:
أحدهما: لو أخذ ما على هذه المقاصة فقد قصدا تصحيحهما بتعلق العقد ملك العشرة التي وجبت دينًا قبل عقد الصرف بتلك العشرة جائزًا على ما بينا، ولذلك طريقان:
أحدهما: أن ينفسخ الصرف المرسل وينعقد صرف آخر بتلك العشرة، كما لو باع بألف درهم ثم باع بألفين أو يبقى أصل العقد المرسل، ولكن بتغير وصف، فإنه إلى الآن كان منعقدًا بوصف الإطلاق، والآن يتقيد بذلك العشرة، وهما مكان إبطال العقد ويعتبره كما يملكان إبقاءه، فيتضمن على هذه المقاصة والحالة هذه فسخ الصرف المرسل وتحديد صرف الآخر بتلك العشرة أو يعتبر الصرف المرسل وتعليق العقد بتلك العشرة كما في الزيادة في الثمن والمثمن.
ولهذا لم تصح هذه المقاصة إلا بتراضيهما، وإن كان جنس الدين واحدًا؛ لأن طريق تصحيح هذه المقاصة فسخ ما عقدا من الصرف المرسل أو يعتبره، وفسخ العقد أو يعتبره لا يصح وجود التراضي منهما بخلاف السلم؛ لأن تصحيح ما قصدا في السلم غير ممكن بالطريق الذي عيناه في الصرف، وهو فسخ السلم المرسل، وإثبات سلم آخر أو يعتبره وتعليق بتلك العشرة، فإنهما لو صرحا بذلك وقالا: فسخنا السلم وحددنا تلك الدين لا يجوز؛ لأن السلم بدين سبق وجوبه لا يجوز. ألا ترى إن قال لغيره: أسلمت إليك العشرة الدين التي لي عليك في كر حنطة لا يجوز، وفي الصرف لو صرحا بذلك لا يجوز؛ لأن الصرف بدين سبق وجوبه وهي المسألة الأولى.
الوجه الثاني: وفي هذا الوجه لا يحتاج إلى التعريض لفسخ العقد المرسل ولا لتغييره ولكن يقول: القياس يأبى جواز هذه المقاصة، وإن تقاصا؛ لأنه استبدال وليس باستيفاء على ما مر، ولكن تركنا القياس فيه لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فإن فيه أن رسول الله جوّز الصرف بدين وجب قبل عقد الصرف، ومتى جاز الصرف بدين واجب عليه قبل عقد الصرف يصير قاضيًا ببدل الصرف دينًا وجب عليه قبل عقد الصرف علمنا أن قضاء دين وجب قبل عقد الصرف ببدل الصرف جائز.
وإذا جاز هذا في الصرف المضاف إلى الدين فكذ في الصرف المرسل إلا أنه لم نجز هذه المقاصة قبل تراضيهما عليها، وإن لم يثبت فسخ ما عقد من الصرف على هذا الوجه؛ لأن جواز هذه المقاصة بحديث عبد الله بن عمر كخلاف القياس، والحديث يقتضي جواز حال وجود الرضا منهما؛ لأن الحديث ورد في الصرف المضاف إلى الدين، والصرف المضاف إلى الدين لا يصح إلا بتراضيهما، فحال عدم التراضي يعمل فيه بقضية القياس.
والقياس يأبى جواز هذه المقاصة بخلاف السلم على هذا الوجه؛ لأن جواز هذه المقاصة في السلم لو كان، كان بدلالة حديث عبد الله بن عمر لا بصريحه، وفي السلم صريح نص بخلافه، وهو قوله عليه السلام: «ولا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك»، فكان العمل في السلم بصريح النص أولى.
المسألة الثالثة: رجل باع من أخر دينارًا بعشرة دراهم ودفع الدينار، ولم يقبض العشرة حتى وجب لمشتري الدينار عشرة دراهم على بائع الدينار، فأراد مشتري الدينار أن يحمل ما وجب له قصاصًا بما وجب عليه من بدل الصرف، ووصى به بائع الدينار، ولقب المسألة أن المتعارفان إذا تقاصّا بدل الصرف بدين وجب بعد عقد الصرف.
والجواب فيها: أن ينظر إن وجب هذا الدين بعد عقد الصرف بالغصب أو القرض بأن غصب أو استقرض بائع الدينار من مشتري الدينار عشرة دراهم وقصاصًا تقاصا أو لم يتقاصا؛ لأنه وجد بعد عقد الصرف قبض حقيقي وهو من جنس المستحق بعقد الصرف، وإنه قبض مضمون فيعتبر واقعًا بجهة الصرف.
ألا ترى أن مثل هذا في السلم يجوز حتى أن رب السلم إذا غصب من المسلم إليه بعد عقد السلم وبعد ما حل الأجل كراء هو مثل المسلم فيه أو استقرض كراء هو مثل المسلم فيه يصير قصاصًا أو لم يتقاصا، وكذلك المسلَّم إليه إذا غصب من رب السلم أو استقرض منه دراهم هي مثل رأس المال تقاصا أو لم يتقاصا.
وأما إذا وجب هذا الدين بعد عقد الدين عقد الصرف بسبب الشراء بأن باع مشتري الدينار من بائع الدينار ثوبًا بعشرة دراهم إن لم يجعلاه قصاصًا لا يصير قصاصًا باتفاق الروايات.
وإن جعلاه قصاصًا ذكر في (الزيادات) وفي كتاب الصرف في رواية أبي سليمان: أنه يصير قصاصًا، وذكر في رواية أبي حفص: أنه لا يصير قصاصًا.
وجه ما ذكر في (الزيادات) وفي رواية أبي سليمان: أنهما لما أقدما على هذه المقاصة فقد أنشأ عقد الصرف على هذا الدين، ومن ضرورته انفساخ الصرف المرسل؛ وهذا لأنه لا صحة لهذه المقاصة إلا بعد انفساخ الصرف المرسل، وإنشاء صرف آخر على هذا الدين الواجب بعد عقد الصرف، ولو صرحا بذلك أليس أنه يجوز؟ كذا هاهنا.
وجه ما ذكر في رواية أبي حفص: أن جواز هذه المقاصة بدين وجب قبل عقد الصرف عرف بخلاف القياس بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، والحديث الوارد في دين وجب قبل عقد الصرف لا يكون واردًا في دين وجب بعد عقد الصرف؛ لأن هذا صريح نصوص أُخر بخلافه يوجب قبض بدلي الصرف وهو آثار الصحابة رضي الله عنهم، وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله يميل إلى رواية (الزيادات) ورواية أبي سليمان.
حكى ذلك عنه القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله، وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة أبو بكر محمد ابن أبي سهل السرخسي رحمه الله يميل إلى رواية أبي حفص رحمه الله.
ومما يتصل بمسائل المقاصة:
وإن لم يكن من جنس مسائل هذا الفصل:
ما ذكر في (المنتقى) وصورتها: رجل له عند رجل وديعة وللمودع على صاحب الوديعة دين، هو من جنس الوديعة لم تصر الوديعة قصاصًا بالدين قبل أن يجتمعا عليه وبعدما اجتمعا عليه لا يصير قصاصًا أيضًا ما لم يرجع إلى أهله فيأخذها، وإن كانت في يده فاجتمعا على جعلها قصاصًا لا يحتاج إلى شيء أخر غير ذلك، ومتى صار دينًا صار قصاصًا، وحكم المغصوب إذا كان المغصوب قائمًا في يد رب الدين وحكم الوديعة سواء، وحكم الدينين إذا كانا مؤجلين أنه لا تقع المقاصة بينهما ما لم يتقاصا، وكذا إذا كان أحدهما مؤجلًا والأخر حالًا، أو كان أحدهما علة والأخر صحاحًا والله أعلم.

.الفصل السابع عشر: في بيع الموزون بجنسه أو بخلاف جنسه وبيع المكيل كذلك وما يتصل بهما:

ولا يجوز بيع الإناء المتخذ من الفضة بالدراهم إلا وزنًا بوزن، وكذلك لا يجوز بيع الإناء المتخذ من الذهب بالدنانير إلا وزنًا بوزن؛ لأن الصياغة فيه بمعنى الجودة ولو كان أحد البدلين جيدًا والأخر رديئًا لم يجز ما لم يتساويا وزنًا. قال عليه السلام: «جيدها ورديئها سواء»، فلم يخرج الذهب والفضة عن الوزن بالصفة حتى أثبت الربا بين المصبوغ وغير المصبوغ.
وفرق بين الفضة والذهب، وبين الحديد والرصاص والصفر حيث خرجت هذه الأشياء بالصفة عن حد الوزن حتى يجوز بيع إناء متخذ من حديد بحديد غير مصبوغ كيف ما كان، وجوز بيع إناء متخذ من رصاص برصاص غير مصبوغ كيف ما كان.
والفرق: أن وزن الذهب والفضة ثابت بالشرع فما بقي الذهب والفضة يبقى الوزن معتبرًا وبعد الصبغة بقي ذهبًا وفضة، فيبقى الوزن معتبرًا، فهذا موزون بيع بموزون من جنسه، فلا يجوز إلا متساويًا، فأما الوزن في الحديد والصفر والرصاص ما ثبت بالشرع، وإنما ثبت باصطلاح الناس، وما ثبت باصطلاح الناس يبطل باصطلاح آخر منهم بخلاف الاصطلاح الأول حتى باعوها عددًا وتركوا وزنها مع إمكان الوزن، فخرج عن حد الوزن وصار عددًا، فهو عددي بيع بموزون، فيجوز متساويًا ومتفاضلًا حتى قالوا: لو اعتادوا بيع الأواني المتخذة من هذه الأشياء بالوزن لا بالعدد لا يجوز بيعه بغير المصنوع من جنسه إلا متساويًا.
وعن هذا قلنا: إن الناس إذا تعاملوا بيع الأواني المتخذة من هذه الأشياء بالعدِّ يجوز بيع الواحد منها بالاثنين، ولكن يدًا بيد، وفي الأواني المتخذة من الذهب والفضة لا يجوز بيع الواحد بالاثنين والطريق ما قلنا.
والحديد كله نوع واحد جيده ورديئه سواء، ولا يجوز البيع إلا وزنًا بوزن؛ لأن الحكم في الفرع ثبت على الوجه الذي ثبت في الأصل، وفي الأصل وهو الذهب والفضة يجعل أنواع النقرة والذهب نوعًا واحدًا فكذا الحديد.
وإن افترقا قبل التقابض لا يبطل البيع؛ لأن هذا بيع وليس بصرف ولكن يشترط أن يكون عينًا بعين لينتفي النَّسَاء، وكذلك هذا الحكم في سائر الموازنات، ولا بأس بالنحاس الأحمر بالشبه الشبه واحد والنحاس اثنان يدًا بيد؛ لأن الشبه وإن كان من جنس النحاس إلا أنه جعل فيها الأودية والأخلاط حتى صار شبهًا، فيكون الشبه بمثل وزنه من النحاس والباقي من النحاس بإزاء الأخلاط والأودية.
فإن قيل: الأخلاط التي تجعل في الشبه صارت مستهلكة حتى لو باع الشبه بالأخلاط التي تجعل في الشبه يجوز كيف ما كان، فينبغي أن لا يكون لها عبرة كالذهب إذا موه به اللجام لا يبقى الذهب غيره.
قلنا: على الأخلاط التي في الشبه صارت مستهلكة إلا أن ما اتصل به من الصبغ واللون مال، متقوم يمكن أن يجعل زيادة النحاس بإزاءه كما في مسألة التمويه إذا بيع حديد مموّه بذهب أو فضة بحديد غير مموّه يجوز، فإن كان غير المموّه أكثر يجعل زيادة الحديد بإزاء التمويه.
والحاصل ما صار مستهلكًا من هذا الجنس لا يعتبر لجريان الربا أما يعتبر في حق جعل الزيادة بمقابلته.
وكذلك لا بأس بالشبه بالصفر الأبيض الشبه واحد والصفر اثنان يدًا بيد ولا خير في هذا كله نسيئة؛ لأن الجنس والوزن يجمعهما وبأحد الوصفين يحرم النساء فيهما أولى.
قال: والرصاص والقلعي الجيد وإلا صرف الرصاص كله نوع وموزون، ولكن البعض أجود من البعض، فلا يجوز بيع البعض بالبعض إلا مثلًا بمثل.
وإذا باع الرجل من أخر سيفًا محلى بفضة بسيف محلى بفضة وقبض أحدهما السيف الذي اشتراه، ولم يقبض الأخر السيف الذي اشتراه حتى افترقا فسد العقد من الكل.
والأصل في جنس هذه المسائل: أن في أموال الربوية يصرف الجنس إلى الجنس في المبادلات إذا لم يكن في صرف الجنس إلى الجنس فساد المبادلة، وإن كان في صرف الجنس إلى الجنس فساد المبادلة يصرف الجنس إلى خلاف الجنس، وإنما وجب صرف الجنس إلى الجنس عند جواز العقد بالنص، وهذا قوله عليه السلام: «الذهب بالذهب مثل بمثل، والفضة بالفضة مثل بمثل»، فقد جعل الجنس مستحقًا بالجنس حال جواز العقد، فإنه جعل الجنس بالجنس حالة المماثلة وحال المماثلة في الأموال الربوية حال جواز العقد.
ونوع من المعنى يدل عليه أنا لو صرفنا الجنس إلى خلاف الجنس احتجنا إلى التقويم بآرائنا واجتهادنا، وإذا صرفنا الجنس إلى خلاف الجنس استغنينا عن الاجتهاد، فإنه لا مزية لأحدهما على الأخر؛ لأن المالية تنشأ عن الذات، فإذا استويا في الذات استويا في القيمة من حيث القطع، وإنما وجب صرف الجنس إلى خلاف الجنس إذا كان في صرف الجنس فساد المبادلة؛ لأن صرف الجنس إلى الجنس إذا لم يكن فيه فساد العقد بالنص ولا نص فيما إذا كان صرف الجنس إلى الجنس فساد العقد، فبطلت.
فيه دليل أخر يوجب صرف الجنس إلى خلاف الجنس وهو ظاهر عقلهما ودينهما؛ لأن الظاهر من حال العاقل المتدين مباشرة الصحيح، والجائز من العقود دون الفاسد، والجواز هاهنا يصرف الجنس إلى خلاف الجنس.
إذا ثبت هذا فنقول ليس في صرف الحلية إلى الحلية هاهنا فساد العقد، أما إذا كانت الحليتان في الوزن على السواء فظاهر، فأما إذا كان أحداهما أقل من الأخرى؛ فلأن أقلهما يكون بمثل وزنها من الأخرى، والباقي من الحلية التي هي أكثر مع حقه ونصله بمقابلة الجفن والنصل من الآخر، فصرفنا الجنس إلى الجنس.
وإذا فعلنا هكذا كانت الحلية فإذا افترقا من غير قبض أحداهما فقد بطل العقد في صحة الحلية لوجود الافتراق قبل قبض البدل الصرف، فيبطل في الكل؛ لأن الكل بمنزلة شيء واحد وقد مر جنس هذا فيما تقدم.
فإن قيل: إن لم يكن في صرف الجنس إلى الجنس هاهنا فساد العقد في الحال ففيه فساد العقد في الثاني، وهو ما إذا افترقا من غير قبض إحداهما، وليس في صرف الجنس إلى خلاف الجنس فساد العقد لا في الحال ولا في الثاني؛ لأن العقد حينئذ لا يكون صرفًا أصلًا، وكما يحتال لتصحيح العقد يحتال لإيفاء العقد على الصحة.
ألا ترى أن من اشترى من أخر ثوبًا وعشرة دراهم بعشرين درهمًا وقبض مشتري الثوب والدراهم الثوب والدراهم ونقد عشرة دراهم ولم يقل: إنها بمقابلة الدراهم أو بمقابلة الثوب يجعل بمقابلة الدراهم، وإنما يجعل بمقابلة الدراهم إيفاء للعقد على الصحة كذا هاهنا.
قلنا: إنما يحتال لبقاء العقد على الصحة إذا أمكن، أما إذا لم يمكن فلا؛ وهذا لأن الاحتيال لإيفاء العقد على الصحة بحكم ظاهر عقلهما ودينهما؛ لأن الظاهر من حال العاقل الدين أنه يقصد مباشرة العقد على وجه يبقى على الصحة، وبقاؤه على الصحة هاهنا يصرف الجنس إلى خلاف الجنس، إلا أن في هذا الظاهر تعارض؛ لأن هذا الظاهر كما يقتضي صرف الجنس إلى خلاف الجنس يقتضي صرف الجنس إلى الجنس حتى يجب التقابض في مجلس الصرف، فيحصل مقصود كل واحد منهما من عقد الصرف؛ لأن مقصود كل واحد منهما من عقد الصرف لا يتم إلا بالقبض، وليس أحد الظاهرين بالاعتبار بأولى من الآخر؛ إذ ليس في اعتبار أحدهما فساد العقد وفي اعتبار الآخر جوازه، فسقط اعتبار كلا الظاهرين ويعمل فيه بظاهر قوله عليه السلام: «الذهب بالذهب مثل بمثل».
بخلاف ما ذكر من المسألة؛ لأن هناك الاحتيال لإيفاء العقد على الصحة ممكن؛ لأنه لا يعارض فيما ذكرنا من الظاهر؛ لأن في جعل المنقود بمقابلة العشرة إيفاء العقد على الصحة، وليس في جعله بإزاء الثوب تفويت عرض المتعاقدين، فعملنا بالظاهر الذي قلنا في صرف المنقود إلى العشرة إيفاء العقد على الصحة، وأما هاهنا بخلافه على ما ذكرنا.
وإذا اشترى الرجل من أخر سيفًا محلى بفضة بعينه بثوب وعشرة دراهم وتفرقا قبل أن يتقابضا بطل العقد في الكل؛ لأن العشرة التي مع الثوب مصروفة إلى الحلية إن كانت الحلية مثل وزنها، وإن كانت الحلية أكثر من وزنها يصرف العشرة إلى الحلية بمثل وزنها، والباقي من الحلية والنصل والجفن كله بمقابلة الثوب.
بناء على ما قلنا: إن في أموال الربوية يصرف الجنس إلى الجنس إذا لم يكن فيه فساد العقد، وليس في صرف الجنس إلى الجنس فهاهنا فساد العقد، فصارت العشرة بمقابلة الحلية، فإذا افترقا قبل التقابض بطل العقد في حصة الصرف، فيبطل في الباقي ضرورة لما مر.
ولو باع من آخر ثوبًا ونقرة فضة بثوب ونقرة فضة فالفضة تصرف إلى الفضة والثوب؛ إذ ليس في صرف الفضة إلى الفضة فساد العقد ففعلنا كذلك، فإن افترقا قبل القبض التقابض حتى فسد العقد في الفضة بالفضة لا يفسد في الثوب بالثوب؛ لأن العقد في الثوب بالثوب ليس بصرف.
بخلاف مسألة السيف المحلى، فإن هناك لا يمكن تسليم الباقي إلا بضرر، ولهذا المعنى لم يجز بيع النصل والجقن بدون الحلية ابتداءً.
أما في تسليم الثوب ممكن من غير ضرر، والعقد فيه ليس بصرف، ففساد العقد في الحلية لم يوجب فساد العقد في الصرف، أما في مسألة السيف فبخلافه على ما ذكر.
ولو أن رجلًا باع من آخر ثوبًا ودينارًا بثوب ودرهم، وتفرقا قبل التقابض بطل العقد فيما تقابل الدينار من الدرهم والدرهم من الدينار، وجاز العقد في الباقي، ولا يصرف الجنس إلى الجنس الثوب إلى الثوب، وإن لم يكن في صرف الجنس إلى الجنس فساد العقد؛ لأن صرف الجنس إلى الجنس عرف بالحديث في الأموال الربوية الذهب بالذهب، والثوب ليس بمال الربا، والدرهم والدينار وإن كانا مال الربا إلا أنهما اختلفا جنسًا، وإذا لم يجب صرف البعض على التعيين إلى البعض، هاهنا عمل بقضية المقابلة والمقابلة مطلقة وقضية المقابلة المطلقة انقسام كل جزء من أجزاء كل واحد من البدلين على كل جزء من أجزاء البدل الآخر.
قسمنا الدينار والثوب على الدرهم والثوب باعتبار القيمة فما أصاب الدينار من الدرهم يكون صرفًا وما أصاب الثوب من الثوب يكون بيعًا فتبطل حصة الصرف بالافتراق عن المجلس، ولا تبطل حصة الثوب؛ إذ ليس فيه ما يوجب الفساد.
وإذا أردت معرفة طريق قسمة الثوب والدرهم على الثوب والدينار.
فطريقه: أن يقوم الثوب والدينار، فإن كان قيمة كل واحد منهما عشرة دراهم صار نصف الثوب ونصف الدرهم بإزاء الثوب الذي مع الدينار، وصار نصف الثوب ونصف الدرهم بإزاء الدينار، فصار الثوب الذي مع الدينار مشترى بنصف الثوب والدرهم، وصار الدينار مشترى بنصف ثوب قيمته خمسة وبنصف درهم، فجعل كل نصف درهم جزءًا، فصار خمسة دراهم عشرة أجزاء، وصار نصف درهم جزءًا فصار نصف الثوب ونصف الدرهم على أحد عشر جزءًا، وظهر أن الصرف إنما جرى في جزء واحد من أحد عشر جزءًا من الدينار بنصف درهم، فإذا تفرقا قبل القبض بطل هذا القدر من الدينار بنصف درهم وجاز ما سوى ذلك.
وإن أردت أن تقسم الدينار والثوب على الدرهم والثوب، فاقسم بالطريق الذي قلنا، وقوِّم المقسوم عليه وهو الثوب والدرهم، فأما المقسوم وهو الثوب والدينار، فلا حاجة إلى تقويهما، فإذا بطل العقد في حصة الصرف في هذه المسألة لا خيار ولواحد منهما؛ لأن عيب التبعيض بفعل كل واحد منهما، وهو ترك القبض والتسليم، فيكون كل واحد منهما راضيًا بعيب التبعيض.
ولو باع درهمًا ودينارين بدينار ودرهمين صح العقد عندنا، ولا يصرف الجنس إلى الجنس؛ لأن في صرف الجنس إلى الجنس فساد العقد.
ولو اشترى رجل من رجل مثقالًا من فضة، ومثقالًا من نحاس بمثقال من فضة وثلاث مثاقيل من حديد، فهو جائز عندنا، ويجعل المثقال من الفضة بمثله من المثقالين، ويجعل النحاس الذي مع هذا المثقال بمثقال فضة وثلاث مثاقيل حديد، وكذلك مثقال صفر ومثقال حديد بمثقال صفر ومثقال رصاص يجوز، ويجعل مثقال صفر بمثقال صفر، والحديد بالرصاص.
وإذا اشترى إناء من نحاس برطل من حديد بغير عينه ولم يضرب له أجلًا وقبض الإناء، فهو جائز إن دفع إليه الحديد قبل أن يتفرقا؛ لأن الحديد موزون، والموزون في الذمة إذا قوبل بعين يصير ثمنًا على ما مر في كتاب البيوع خصوصًا إذا صحبه حرف الباء وترك التعيين في الثمن عند العقد لا يضر ولكن يشترط قبض الحديد قبل أن يتفرقا؛ لأن الوزن يجمعهما، والوزن في ثمنين أو في ثمن يحرم النساء إلا أنه في المجلس عفو، وخارج المجلس ليس بعفو.
هكذا ذكر المسألة في (الأصل) وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرحه) تفصيلًا، فقال: إن كان ذلك الإناء يباع في العادة عددًا لا وزنًا لا يشترط قبض الحديد في المجلس؛ لأن هذا افتراق عن عين بدين في جنسين مختلفين، وإن ذلك الإناء يباع وزنًا في العادة، فلابد من قبض الحديد في المجلس؛ لأنه بيع موزون بموزون من جنسه، والدينية فيه عفو قبل الافتراق، وليس بعفو بعد الافتراق.
ولو قبض الحديد في المجلس ولم يقبض الإناء حتى افترقا فالعقد صحيح؛ لأن ما كان دينًا قد تعين بالقبض قبل الافتراق والإناء عين، فترك القبض فيه قبل الافتراق لا يضر.
ولو اشترى رطلًا من حديد بعينه برطل من رصاص بغير عينه وقبض الحديد ولم يقبض الرصاص حتى افترقا فسد البيع، ولو قبض الرصاص ولم يقبض الحديد، فالعقد صحيح، والمعنى ما ذكرنا.
وإن كان كل واحد منهما بغير عينه، فالعقد فاسد إن تقابضا قبل الافتراق أو لم يتقابضا؛ لأن أحدهما مبيع وهو الذي لم يصحبه حرف الباء، فيكون بائعًا ما ليس عنده لا على وجه السلم.
وروي عن محمد: إذا باع بالدراهم الدراهم، وفي أحدهما فضل من حيث الوزن وفي الجانب الذي لا فضل فيه فلوس، قال أبو حنيفة: لا بأس به، ويجعل المثل بالمثل والباقي بمقابلة الفلوس.
وقال محمد رحمه الله: ذلك ألف الناس التفاضل واستعملوها فيما لا يحل وسبيل الحديد بالحديد والصفر بالصفر، وما يجري مجرى ذلك مما لا يجري فيه الربا بمنزلة الذهب والفضة في الوجوه كلها إلا في فصل واحد أن التقابض مستحق في بيع الذهب بالذهب أو الفضة غير مستحق في غير ذلك، إذا كان المعقود عليه عينًا.

.الفصل الثامن عشر: في تصرف المتصارفين في ثمن الصرف قبل القبض:

إذا أبرأ أحد المتصارفين صاحبه الدين الذي وجب له عليه بالعقد أو وهبه منه أو تصدق به عليه، فإن قبل الذي عليه الدين انتقض الصرف، وإن لم يقبل بقي العقد على حاله؛ وهذا لأن المستحق بعقد الصرف القبض الحقيقي والإبراء إسقاط، وليس بقبض، وسقوط الدين يتضمن فوات القبض ويوجب انفساخ العقد، والعقد لا ينفسخ بتصرف أحدهما، وإنما ينفسخ إذا أجمعوا على الفسخ، فإذا قبل صاحبه فقد ساعده على الفسخ فانفسخ، وإن لم يقبل بقي العقد على حاله.
وإذا اشترى منه شيئًا أو قبض عنه شيئًا من غير جنس الدين، فالبيع فاسد وثمن الصرف على حاله بقبضه ويتم العقد، وقال زفر: البيع الثاني جائز؛ لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان في العقود في أحد الروايتين عن زفر، فلم يتعلق العقد بعين ذلك الثمن، وكان ما ذكر من بدل الصرف لبيان القدر والجنس كأنه قال ثمة: اشتريت بمثل الدراهم التي في ذمتك، وإما يقول الدراهم، وإن كانت لا تتعين في العقد إلا أن تسليم الثمن واجب عليه، وقد عين بذلك بدل الصرف وقد تعذر إثبات المقاصة من بدل الصرف وبين الثمن؛ لأنه يفوت للقبض المستحق لبدل الصرف فبقيت الإضافة في حق إثبات المقاصة وبقي أثرها في إسقاط وجوب التسليم، وإنه مفسد للعقد يفسد البيع، وبقي الصرف صحيحًا على حاله، ولو أخذ الدراهم أجود أو أردئ مما يخالفه في الوصف، وذلك المقبوض يجري مجرى الدراهم الواجبة بالعقد في معاملات الناس جاز وكان اقتضاء؛ لأنه من جنس حقه، وإن خالفه في الصفه فقد اقتضاه لا استبدالًا.
ولو وهب له فلم يقبل الهبة وأبى الواهب أن يأخذ ما وهب أجبر على القبض؛ لأنه يريد فسخ العقد بالامتناع على القبض، فلا يكون له ذلك وستأتي بعض مسائل هذا في فصل المتفرقات.

.الفصل التاسع عشر: في بيع الصرف مرابحة:

وإذا باع الرجل قلب فضة فيه عشرة دراهم بدينار وتقابضا ثم باعه بربح دراهم أو بربح نصف دينار فهو جائز، أما إذا باعه بربح نصف فضة وزنه عشرة دينارًا ونصف دينار وإنه جائز؛ لأن الجنس مختلف فلا يظهر الربح.
وأما إذا باعه بربح درهم فما ذكر من الجواب جواب ظاهر الرواية؛ لأنه يصير بائعًا القلب بدينار ودرهم وذلك جائز؛ لأنه يجعل بإزاء الدرهم من القلب مثله والباقي من القلب بإزاء الدينار، وعن أبي يوسف: أنه لا يجوز؛ لأن الدرهم يقابله مثل وزنه من القلب على ما عليه الأصل، فلو جوزنا ذلك كان الدينار بمقابله تسعة أعشار القلب، والدرهم بمقابلة عشر القلب، فيكون بعض ما سمياه رأس المال ربحًا في تسعة أعشار القلب بعض ما سمياه ربحًا رأس المال في عشر القلب، وذلك تصحيح على غير الوجه الذي صرحا به.
ولو كان قام عليه بعشرة دراهم فباعه بربح درهم لم يجز؛ لأنه يبع العشرة بأحد عشر ولو ضم معه ثوبًا أقام عليه بعشرة دراهم فقال: قام عليّ هذان بعشرين درهمًا وأبيعهما بربح درهم، فذلك كله في قول أبي حنيفة.
وكذلك إذا باعه بربح ده يازده؛ لأن الربح انصرف إليهما؛ لأنه أنص عمل بيعهما مرابحة، فإذا انصرف الربح إليهما فسد العقد في حصة القلب لأجل الربا أو العقد صفقة واحدة، فتعدى الفساد إلى الباقي وعندهما يجوز في حصة الثوب؛ لأن كل واحد منهما منفصل عن الآخر.
وكذلك لو اشترى جارية وطوق فضة عليها فيه مئة درهم بألف درهم وتقابضا، ثم باعها مرابحة بربح مائة درهم أو بربح ده يازده فالعقد فاسد في قول أبي حنيفة وعندهما يجوز في الجارية دون الطوق وقد ذكر الكرخي رجوع أبي يوسف إلى قول أبي حنيفة في مسألة الطوق واستبدل به على رجوعه في نظائره وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيوع.
وإذا اشترى الرجل من آخر سيفًا محلى بفضة بمائة درهم وحلية السيف خمسون درهمًا وتقابضا، ثم إن المشتري باع السيف مرابحة بربح عشرين درهمًا أو بربح ده دوا زده أو بربح ثوب بعينه أو ما أشبه ذلك لا يجوز؛ لأن للحلية حصة من الربح فيصير مقابلتها أكثر من وزنها من الفضة أو أقل، وإنه ربا ففسد العقد في حصة الحلية ويفسد في الباقي ضرورة.
فإن قيل: كان يجب أن يصرف الربح إلى الجفن والنصل والحمائل دون الحلية، فإن باع السيف مرابحة؛ لأن اسم السيف ينطلق على النصل بدون الحلية فيجعل كذلك تحريًا للجواز، فيكون العقد على الحلية مساومة على ما وراء ذلك مرابحة.
ألا ترى إلى ما ذكر محمد: أن من اشترى من آخر سيفًا محلى بفضة بمئة درهم وحلية السيف خمسون درهمًا ثم إن البائع قال للمشتري: حططت عنك عن ثمن السيف درهمًا كان الحط عن ثمن النصل والجفن؛ لأن اسم السيف منطلق على النصل وحده، فيصرف الحط إليه تحريًا للجواز كذا هاهنا.
والجواب عن هذه الإشكال من وجهين:
أحدهما: أنا لو جعلنا كذلك صار العقد الواحد عقدين؛ لأن بمقدار الحلية يصير البيع، وبمقدار الجفن والنصل يصير مرابحة وجعل العقد الواحد عقدين خلاف الأصل، ولأنه خلاف ما صرحا به؛ لأنهما جعلا الربح في ثمن السيف ده يازده، وإذا جعلنا جميع الربح بإزاء السيف كان الربح في ثمن السيف ده ده بازده.
الجواب الثاني: أنه إنما يحتال لتصحيح العقد إذا لم يصرح المتعاقدان بالفساد، وهاهنا صرحا بالفساد، ولما قالا: بيع هذا السيف بربح ده دوا زده؛ وهذا لأن بيع المرابحة بيع بالثمن الأول ويازده.
ولهذا قالوا: في رجلين اشتريا عبدًا أحدهما نصفه بمائة، والأخر اشترى نصفه بخمسين، ثم باعاه مرابحة انقسم الثمن عليهما على قدر ثمنهما في العقد الأول، لا على قدر ملكهما في العبد.
وإذا كان بيع المرابحة بيعًا بالثمن الأول وزيادة يصير الثمن الأول مذكورًا من حيث المعنى، فيعتبر بما لو كان مذكورًا أيضًا بأن قال: بعتك هذا السيف بربح ده دو زده على المائة كلها، فكذا إذا صارت المائة مذكورة معنى، فأما في مسألة الحط لم يصرحا بالفساد؛ لأن الحط صحته لا تنبني على الثمن الأول حتى تصير المائة التي هي ثمن مذكورة معنىً، فيكون تنصيصًا على الفساد من حيث إنه أضاف الحط إلى المائة ففي هذا حط عن ثمن السيف من غير ذكر الثمن الأول، واسم السيف يقع على الجفن والنصل والحمائل، كما يقع على النصل، فصرفنا الحط إلى النصل والجفن تحريًا للجواز أما هاهنا بخلافه على ما مر.
قال: الجام المموه بالذهب أو الفضة لا بأس ببيعه مرابحة؛ لأن الذهب والفضة كل واحد منهما يصير مستهلكًا بالتمويه، ألا ترى أنه لا يتخلص، فلا يتمكن الربا باعتباره.
ولو أن رجلًا اشترى قلب فضة بعشرة دراهم فيه عشرة دراهم، ثم باعهما جميعًا القلب والثوب مرابحة بربح أحد عشرة درهمًا يفسد العقد في حصة الحلية، ويكون الربح مصروفًا إليهما، ولا يصرف إلى الثوب خاصة لما ذكرنا في المسألة الأولى، ولا يتعدى الفساد إلى الثوب، هكذا ذكر المسألة في (الكتاب)، ولم يحك فيها خلافًا. أما على قولهما: فظاهر.
وأما على قول أبي حنيفة: فلأن الصفقة هاهنا صفقتان؛ لأن ملك كل واحد منهما فيما باع متميز عن ملك صاحبه، وثمن ملك كل واحد منهما ممتاز عن ثمن ملك صاحبه؛ لأن ثمن ملك كل واحد منهما مسيء بسبب البيع مرابحة؛ لأنه بيع بمثل الثمن الأول.
ولو كان المبيع مشتركًا بينهما وباعا جميعًا إلا أن كل واحد منهما سمى لنصيبه ثمنًا على حدة، بأن كان عبدًا مشتركًا بين اثنين قالا لرجل: بعناك هذا العبد بألف على أن يكون نصيب هذا بكذا، ونصيب هذا بكذا كان صفقتان، فإذا لم يكن الملك في المبيع مشتركًا بينهما وقد سمى كل منهما لنصيبه ثمنًا على حدة أولى، وإذا كان العقد صفقتان ففساد إحداهما لا يوجب فساد الآخر.
قال: وكذلك لو كان القلب والثوب لرجل واحد فقد عطف هذه المسألة على المسألة الأولى، وإنما يصح هذا العطف على المسألة الأولى على قولهما؛ لأن الجواب على قولهما لا يختلف بين هذه المسألة والمسألة الأولى.
أما على قول أبي حنيفة: الجواب مختلف بين هذه المسألة وبين الأولى؛ لأنهما متى كانا لواحد يفسد العقد كله على قول أبي حنيفة؛ لأن الصفقة تكون واحدة؛ لأن ملك المبيع لواحد وقد باعه جملة من واحد، فكانت الصفقة واحدة، فإذا فسد في البعض فسد في الباقي عند أبي حنيفة.
والدليل على أن الجواب في هذه المسألة على قولهما: أنه نص على قول أبي حنيفة بعد هذه المسألة في مثل هذه المسألة بخلاف ما ذكر في هذه المسألة.
وصورة ما ذكر بعد هذه المسألة: إذا اشترى الرجل من آخر ثوبًا وقلبًا بمائة درهم، ووزن القلب خمسون على أن يكون ثمن القلب نسيئة وثمن الثوب حالة فسد العقد كله عند أبي حنيفة؛ لأنهما صفقة واحدة وقد فسد بعضه لربا النساء، فيفسد الباقي عنده.
وفي مسألتنا فسد البعض لربا الفضل فأولى أن يفسد الباقي؛ لأن ربا الفضل أقوى من ربا النساء، ولو باعهما بصيغة ده يازده بوضعية ده دوا زده، فالجواب فيه كالجواب فيما إذا باعهما مرابحة؛ لأن الوضعية بيع بمثل الثمن الأول نقصان، والمرابحة بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة.
قال: ولو ضم القلب والثوب، وقال: أبيعكما بزيادة درهم على عشرين درهمًا كان جائزًا، وتصرف الزيادة كلها إلى الثوب خاصة، ولا يصرف شيء منها إلى القلب بخلاف ما إذا قال: أبيعكهما بربح ده يازده، فإن هناك يصرف الربح إلى القلب والثوب جميعًا.
والفرق: أن في قوله: أبيعكهما بزيادة درهم على عشرين درهمًا لم ينسب العشرين إلى رأس المال، ولا إلى ما قاما عليه به، فكان هذا بيع مساومة، وفي بيع المساومة تقابل الفضة بمثل وزنها، ويجعل الربح كله بمقابله الثوب تحريًا للجواز؛ إذ ليس فيه ما يمنعها من أن يجعل بمقابلة الفضة مثل وزنها، وجميع الربح بمقابلة الثوب.
أما في قوله: أبيعكهما بربح ده يازده نص على بيع المرابحة فيهما، وفي بيع المرابحة لابد من اعتبار الثمن الأول، فكأنه قال: بعتكهما مرابحة بربح درهم على العشرين، وعند ذلك لا يمكن جعل جميع الربح بمقابلة الثوب.

.الفصل العشرون: في الصرف في دار الحرب:

إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان أو بغير أمان وعقد مع حربي عقد الربا بأن اشترى درهمًا بدرهمين أو اشترى درهمًا بدينار إلى أجل، أو باع منهم خمرًا أو خنزيرًا أو ميتة أو دمًا بمال؛ قال أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: ذلك كله جائز، وقال أبو يوسف: لا يجوز بين المسلم وأهل الحرب في دار الحرب إلا ما يجوز بين المسلمين.
والصحيح قولهما؛ لأن مال الحربي على الإباحة الأصلية، إلا أن الذي دخل دار الحرب بأمان التزم أن لا يعترض لهم، ولما في أيديهم إلا بتراضيهم، فحرم عليه الأخذ بدون رضاهم تحرزًا للعذر والخيانة، وإذا أعطى برضاهم فقد انعدم العذر والخيانة فيأخذه المسلم بحكم الإباحة الأصلية وتأثير المعاقدة في تحصيل الرضا بالأخذ لا في التملك.
ورأيت في بعض الكتب أن هذا الاختلاف فيما إذا اشترى منهم درهمًا بدرهمين لا يجوز بالاتفاق؛ لأن فيه إعانة لهم بقدر الدرهم الزائد ومبرة في حقهم بذلك.
وإن عاقد هذا المسلم الذي دخل بأمان، ورجل أسلم هناك ولم يهاجر عقد الربا جاز في قول أبي حنيفة، ولم يجز في قول أبي يوسف ومحمد، وهذا فرع اختلافهم في حكم مال من أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا فعند أبي حنيفة رحمه الله: أنه على حكم الإباحة ما لم يحرزه بدار الإسلام لو أتلفه مسلم لا ضمان عليه، وعندهما: أنه على العصمة كمال المستأمن، والمسألة قد مرت في كتاب السير.
ولو دخل مسلمان دار الحرب، فتبايعا ثمة درهمًا بدرهمين لا يجوز؛ لأن كل واحد معصوم في حق صاحبه، فكان التمليك بالعقد، وهذا العقد فاسد.
ولو أسلم حربيان في دار الحرب وتبايعا درهمًا بدرهمين، قال أبو حنيفة: كرهت ذلك لهما، ولا آمر هما بالرد.
وقال أبو يوسف ومحمد: يؤمران بالرد، والحكم في حقهما كالحكم في المستأمنين من المسلمين في دار الحرب عندهما، وأبو حنيفة يقول بالإسلام قبل الإحراز ثبتت العصمة في حق الآثام دون الأحكام، ألا ترى أن أحدهما لو أتلف مال صاحبه أو نفس صاحبه لم يضمن هو آثم في ذلك، وإنما نثبت العصمة في حق الأحكام بالإحراز على ما عرف، فلثبوت العصمة في حق الآثام كره لهما هذا الصنع، ولعدم العصمة في حق الحكم قلنا لا يؤمران بالرد.
ولو أن تاجرًا من المسلمين أعطى رجلًا من أهل الحرب ألف درهم نسيئة كان جائزًا؛ لأن ربا الفضل لما لم يجز بين المسلم وبين الحربي فربا النسيئة أولى.
ولو أن حربيًا باع من حربي درهمًا بدرهمين، ثم خرجا إلى دار الإسلام مسلمين أو ذميين أو اختصما إلى القاضي، فإن كان ذلك بعد التقابض فالقاضي لا يتعرض لذلك ولا يبطله؛ لأن الإسلام ورد والحرام بعقد المعاوضة مقبوض فيلاقيه الإسلام قال الله تعالى: {عفا الله عما سلف} [المائدة: 95] وإن كان ذلك قبل التقابض لا يبطله؛ لأن الإسلام ورد والحرام يعقد المعاوضة غير مقبوض فيلاقيه الإسلام بالرد، قال الله تعالى: {وذروا ما بقي من الربا، إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278]، وقال عليه السلام: «كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين، وأول وضعة ربا العباس بن عبد المطلب»، وكان العباس قد أربى في كفره وأسلم قبل القبض، فوضعه رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكذلك لو عاقدا عقد الربا في دار الحرب ثم خرجا إلى دار الإسلام قبل أن يتقابضا في دار الإسلام، واختصما إلى القاضي فالقاضي يرد ذلك، فكذا إذا أربيا في دار الحرب وتقابضا في دار الإسلام؛ لأن للقبض شبهًا بابتداء العقد.

.الفصل الحادي والعشرون: في الصرف في الغصب والوديعة:

وإذا غصب رجل من آخر قلب فضة أو ذهب فاستهلكه، فعليه قيمته مصوغًا من خلاف جنسه؛ لأنه تعذر تضمينه بمثلًا؛ لأن القلب ليس من ذوات الأمثال، وتعذر تضمينه من غير جنسه غير مصوغ؛ لأنه يؤدي إلى إبطال حق المغصوب منه في الصنعة والجودة، وتعذر تضمينه من جنسه مصوغًا؛ لأنه يؤدي إلى الربا؛ لأنه يصل إلى صاحب القلب مثل وزن القلب وزيادة، فإذا تعذر تضمينه بهذه الوجوه تعين تضمينه مصوغًا من خلاف جنسه؛ لأنه لا يؤدي إلى الربا؛ لأنه يصل إلى صاحب القلب مثل وزن القلب إلي، ولا إلى تفويت حق المغصوب منه في الجودة ثم إذا ضمنه القاضي قيمته من خلاف جنسه صار القلب ملكًا له بالضمان على ما عرف.
فبعد ذلك ينظر إن كان قبض المغصوب منه القيمة قبل أن يتفرقا بقي التضمين صحيحًا بالإجماع، وإن تفرقا قبل القبض قبض القيمة، فكذلك لا يبطل التضمين عند علمائنا الثلاثة، وكان ينبغي أن يبطل وهو شبهة زفر في المسألة، ووجد ذلك صرف ثبت حكمًا لإيجاب الضمان كيلًا يجتمع البدل والمبدل في ملك رجل، فيشرط التقابض كما لو ثبت الصرف قصدًا.
والجواب وهو قول علمائنا: إن قضاء القاضي بقيمة العين عند تعذر رد العين بمنزلة قضائه برد العين حالة قيام العين لكون القيمة قائمة مقام العين، ثم القاضي لو قضى على الغاصب برد عين القلب لا يشترط القبض في المجلس، فكذا إذا قضى برد القيمة؛ لأن هذا صرف ثبت حكمًا للضمان الواجب بالغصب لا مقصودًا أو ما ثبت حكمًا لغيره لا مقصودًا لا يراعى له من الشرائط ما يراعى له مقصودًا.
ألا ترى أن قيام المضمون حالة التضمين ليس بشرط لصحة التضمين مع أن بالتضمين تثبت المعاوضة؛ لأن هذه المعاوضة ثبتت حكمًا للتضمين لا مقصودًا، فلم يشترط لها ما يشترط لو كان ثبتت هذه المعاوضة قصدًا.
وبيانه: أن هذه المعاوضة تثبت حكمًا أن المعاوضة لابد لها من صنع من جهة المتعاوضين والموجود من الغاصب الغصب، والغصب نفسه ليس بموجب الملك في المغصوب للغاصب، وإنما هو موجب للضمان على الغاصب، ثم من ضرورة وجوب الضمان على الغاصب زوال المغصوب عن ملك المغصوب منه إلى ملك الغاصب كيلا يجتمع البدل والمبدل في ملك شخص واحد.
فهو معنى قولنا: إن هذه المعاوضة تثبت حكمًا لوجوب الضمان؛ لأنها تثبت وبنفس وجوب الضمان من غير أن يتخلل بين الضمان والمعاوضة فعل فاعل مختار، وحكم الشيء ما يثبت عقيب ذلك الشيء من غير تخلل واسطة اختيارية، والتقريب ما ذكرنا.
وكذلك إن اصطلحا على القيمة فهو على الخلاف، ولو أخر القيمة عنه شهرًا جاز عند علمائنا الثلاثة أيضًا.
وإذا غصب الرجل من آخر ألف درهم ثم اشتراها بمائة دينار وقبض المائة دينار قبل أن يتفرقا جاز، وإن لم تكن الدراهم في يده وقت الشراء؛ لأن قبض الغصب ينوب عن قبض الشراء.
وكذلك إن صالح منها على مائة دينار وقبض المائة دينار قبل أن يتفرقا؛ لأن الصلح على خلاف جنس الحق بمعنى الشراء فقد وجد قبض البدلين في مجلس العقد أحدهما حقيقة والآخر حكمًا.
ثم يستوي في هذا أن تكون الدراهم قائمة في منزل الغاصب، أو كانت مستهلكة، ففي الحالين جميعًا يجوز الشراء بالمائة دينار إذا قبض المائة في المجلس، أما إذا كانت قائمة؛ فلأن الغاصب قابض لها بيده، وإن كانت مستهلكة؛ فلأن قابض لها بذمته.
وكذلك لو كان الذي غصب إناء فضة، ثم اشتراه الغاصب من المغصوب منه أو صالحه على جنس حقه أو على خلاف جنس حقه وقبض المغصوب منه البدل قبل أن يتفرقا، وأما إذا تفرقا قبل أن يقبض المغصوب، منه فالشراء يجوز قياسًا واستحسانًا، سواء كان المغصوب قائمًا أو مستهلكًا، وأما الصلح، فإن المغصوب مستهلكًا حقيقة بأن أحرقه الغاصب، أو حكمًا بأن كان معينًا أو حلف الغاصب وتفرقا قبل قبض البدل، القياس: أن يبطل الصلح. وفي الاستحسان: لا يبطل.
ولو كان المغصوب قائمًا في يد الغاصب وهو مقر به ولا يمنع المالك من أخذه لا يجوز الصلح قياسًا واستحسانًا.
وجه الاستحسان: وهو الفرق بين البيع والصلح إذا كان المغصوب مستهلكًا أن في الصلح إن تعذر العمل بلفظ الصلح باعتبار المبادلة من حيث إن قبض البدل قبل الافتراق شرط المبادلة كما في البيع أمكن العمل بمجازه بأن يجعل الصلح كناية عن التضمين.
ويصير معنى قوله: صالحتك بمنزلة قوله: ضمنتك قيمته من خلاف جنسه أو من جنسه بمثل وزنه غير مصوغ، فإن له أن يضمنه مثل وزنه من جنسه غير مصوغ، وقبض القيمة ليس بشرط صحة التضمين عند علمائنا الثلاثة على ما بينا، فيجعل كذلك.
وإنما قلنا: أمكن العمل بمجازه وهو التضمين؛ لأن بين الصلح وبين التضمين موافقة من حيث المعنى الخالص؛ لأن الصلح أخذ بعض الحق وترك البعض؛ لأنه أخذ الحق من حيث المعنى وترك الصورة، وحق المغصوب منه في الصورة معتبر حتى لا يكون للغاصب حال قيام المغصوب أن يمسك المغصوب منه ويعطيه مثله، فيثبت أن في الصلح معنى التضمين.
فعند تعذر العمل به باعتبار المبادلة يجعل كناية عن التضمين تصحيحًا له، والتقريب ما ذكرنا.
بخلاف ما إذا كان المغصوب قائمًا بعينه والغاصب مقربه لا يمنع المالك عن أخذه؛ لأن هناك لا يمكن أن يجعل الصلح كناية عن تضمين القيمة؛ إذ ليس له حق تضمين القيمة والحالة هذه، ولا يمكن تصحيحه بطريق المبادلة؛ لأن قبض البدل في المجلس في المبادلات شرط ولم يوجد، ولا يمكن تجويزه بطريق استيفاء البعض والإبراء عن البعض؛ لأن الإبراء عن الأعيان باطل.
فأما إذا كان المغصوب مستهلكًا فللمالك حق تضمين الغاصب، فيمكن تصحيح الصلح باعتبار معنى التضمين فصححناه كذلك.
فأما في فصل البيع كما تعذر العمل بحقيقته وهو المبادلة؛ لأن قبض البدلين في المبادلات شرط، ولم يوجد بعذر العمل بمجازه بأن يجعل أيضًا؛ لأنه ليس في البيع معنى التضمين؛ لأن التضمين أخذ بعض الحق وترك بعض الحق، وليس في البيع هذا المعنى؛ لأن قبل البيع لم يكن لواحد منهما على صاحبه حق، وإنما وجب الحق بالبيع وما وجب بالبيع استوفاه بكماله فليس فيه معنى أخذ بعض الحق وترك البعض، وكما تعذر العمل بحقيقة البيع مبادلة تعذر جعله مجازًا عن التضمين، أما في الصلح معنى التضمين؛ لأن معنى التضمين؛ لأن قبل التضمن إذا كان قائمًا وللمالك أخذ العين، وبعد ما هلكت العين وعجز المالك عن أخذ العين إذا ضمنه فقد أخذ بعض الحق وترك البعض.
فكان في الصلح معنى التضمين من الوجه الذي بينا، والتقريب ما مر.
ولو أن رجلًا أودع رجلًا ألف درهم وقبضها المودع، ووضعها في بيته ثم التقيا في السوق فباع صاحب الوديعة دراهم الوديعة من المودع بمائة دينار وقبض صاحب الوديعة الدينار، وافترقا قبل أن يحدد المودع في الوديعة قبضًا فقد بطل البيع؛ لأن الافتراق حصل قبل قبض أحد البدلين؛ لأن المودع بنفس الشراء لا يعتبر قابضًا الوديعة بجملة الشراء؛ لأن قبض الوديعة لا ينوب عن قبض الشراء وقد مر هذا في كتاب البيوع، بخلاف ما إذا كان مكان الوديعة غصبًا؛ لأن هناك الغاصب يصير قابضًا المغصوب بجملة الشراء؛ لأن قبض الغصب عن قبض الشراء؛ لأن كل واحد منهما قبض ضمان، وقد مر هذا أيضًا في كتاب البيوع.

.الفصل الثاني والعشرون: يشتمل على الإجارة وعلى الصرف ويدخل فيه استهلاك المشترى في عقد الصرف قبل القبض:

وإذا دفع إلى رجل لجامًا مموهة بفضة وزنًا معلومًا يكون قرضًا على الدافع أجرًا معلومًا على ذلك فهو جائز، يلزمه الأجر والقرض، أما جواز الإجارة؛ فلأنه استأجره بعمل معلوم ببدل معلوم، وأما جواز القرض؛ فلأن استقراض منه فضة معلومة وصار قابضًا لذلك حكمًا لإيصاله بملكه، فيكون قرضًا صحيحًا.
والقياس: أن يلزمه قيمة ماء الفضة؛ لأنه إنما يصير قابضًا لماله اتصل بملكه، والمتصل بملكه ماء الفضة لا عين الفضة، فينبغي أن يلزمه قيمة ماء الفضة لا عين الفضة من هذا الوجه، إلا أنا تركنا القياس لمكان التعامل فيما بين الناس أنهم يريدون بهذا استقراض عين الفضة لا استقراض ماء الفضة، والقياس يترك بتعامل الناس.
وإن اختلفا في مقدار ما صبغ فيه من الفضة، فالقول قول رب اللجام مع يمينه على علمه؛ لأن العامل يدعي عليه إيفاء جميع العمل، وإقراض جميع ما استقرض منه صاحب اللجام، وإنما استحلف على العلم؛ لأن استحلاف على فعل الغير.
وإن قال مَوِّهْهُ بمائة درهم فضة على أن أعطيك ثمنها وعملك عشرة دنانير فافترقا على ذلك. قال في (الكتاب): هو فاسد.
واعلم بأن هذه المسألة اشتملت على الصرف والإجارة؛ لأن صاحب اللجام جعل بعض الدنانير بإزاء الفضة، فيكون صرفًا فيفسد بالافتراق قبل قبض البدلين وجعل بإزاء العمل، فيكون إجارة، والإجارة مما تبطل بالافتراق قبل القبض، وليس من ضرورة بطلان الصرف بطلان الإجارة؛ لأن الإجارة ما كانت مشروطة في الصرف بل الصرف كان مشروطًا في الإجارة؛ فبقيت جائزة وبين أن المراد المذكور في (الكتاب) هو فاسد أن الصرف فاسد.
ثم قال في (الكتاب): فإن عمله كان له على صاحب اللجام فضة؛ لأن صاحب اللجام صار قابضًا الفضة حين اتصلت بملكه بسبب صرف فاسد، والمقبوض بحكم العقد الفاسد واجب الرد، وعند تعذر رد العين يجب رد المثل فيما كان من ذوات الأمثال.
ثم قال: وللعامل على صاحب اللجام أجر مثل عمله، هكذا ذكرها الحاكم الشهيد في المجلس، فقد أوجب أجر مثل العمل، وهذا إنه فساد الإجارة في الأصل يقول أنه أجر مثله من الدنانير إذا قسمت الدنانير على أجر مثله وعلى المائة الدرهم، فقد أوجب بعض المسمى، وإنه دليل صحة الإجارة، وهذا هو الصحيح أن الإجارة جائزة.
وذكر أجر المثل في (الكتاب): ليس لبيان أن الواجب أجر المثل، وإنما هو لبيان قدر الواجب من المسمى يعني له حصة أجر المثل من الدنانير المسمى.
وتفسير ذلك: أن يقسم الدنانير العشرة على المائة الفضة، وعلى أجر مثل عمله؛ لأن الدنانير العشرة قوبلت بشيئين بالفضة وبعمله، فيقسم عليهما باعتبار القيمة فما أصاب الفضة يكون صرفًا، وما أصاب أجر المثل يكون بمقابلة العمل حتى أنه إذا كان قيمة الفضة وأجر مثل عمله على السواء تنقسم العشرة الدنانير نصفين فأجر المثل اعتبر لمعرفة حصة العمل من المسمى؛ لأن الواجب أجر المثل، هذه الجملة في باب الإجارة في التمويه.
وفي باب الإجارة في الصناعة إذا شرط على العامل ذهب التمويه بأن قال: على أن يموهه بقيراط ذهب، فلا خير فيه، أما إذا لم يبين؛ فلأن مقدار ذهب التمويه مجهول، ولأن ما يدل من الآخر مقابله بل بذهب التمويه والعمل فيما يخص الذهب يكون صرفًا، ولم يوجد فيه قبض أحد البدلين فيفسد، وإذا فسد الصرف فسدت الإجارة؛ لأن هذه إجارة شرط فيها صرف فاسد.
وأما إذا بين مقدار ذهب التمويه، فإنما لا يجوز للمعنى الثاني، قال: إلا أن يقبض الأجير الدرهم ويقبض المستأجر القيراط من الأجير، ثم يدفعه إليه ويقول لهم موهْهُ فحينئذٍ يجوز، وكان ينبغي أن لا يجوز في هذه الصورة أيضًا؛ لأن هذه إجازة شرط فيها صرف فكان صفقة، لكن جوزنا ذلك لعمل الناس.

.فرع على المسألة باب الإجارة في الصناعة:

فقال: لو استأجر بعرض أو ما أشبهه على تموه لجامه وشرط ذهب على الأجير وبين مقداره فهو جائز، وإن لم يتقابضا؛ لأن ما يخص الذهب من العرض يكون بيعًا، وما يخص العمل يكون إجارة، وقبض الثمن والأجرة قبل الافتراق ليس بشرط.
ولو دفع إلى رجل عشرة دراهم فضة، ثم قال: صغها كلها قلبًا ولك أجر كذا وكذا ففعل ذلك فهو جائز؛ لأنه استقرض من العامل خمسة دراهم وصار قابضًا لها حكمًا للاختلاط بملكه.
ألا ترى لو هلكت بعد الخلط هلك من مال الأمر ثُم استأجره للعمل في ملكه ببدل معلوم، وذلك جائز فقد جعل الخمسة قرضًا في هذه المسألة وفي المسألة الأولى لم يجعل ما كان عند العامل قرضًا، وإنما جعله صرفًا؛ لأن في المسألة نص على الصرف حيث قال: علي أن أعطيك ثمنه وبأجر عملك كذا، وهاهنا لم ينص على الصرف، فإنه لم يذكر الثمن إنما ذكر لفظًا محتملًا، وهو قوله: اخلط من عندك.
فهذا يحتمل ثلاثه أشياء: الهبة والقرض والصرف، غير أن الهبة منتفية لما فيها من إلحاق الضرر بالعامل مع الاحتمال، فبقي القرض والصرف، وتعيين القرض أولى؛ لأنه أدنى؛ لأنه بمعنى العارية؛ لأنه تمليك المنفعة يرد مثله، وليس فيه الضرر.
وفي الصرف تمليك الرقبة والمنفعة جميعًا فكان القرض أدنى فجعلناه مستقرضًا للخمسة قابضًا لها حكمًا لاتصالها بملكه، ولو لم يدفع إليه الفضة ولكن قال له: صغ لي قلبًا من عندك بعشرة دراهم، فهذا باطل؛ لأنه استأجر العمل في ملكه؛ لأن القرض لا يفيد الملك إلا بالقبض حقيقة باليد أو حكمًا لاتصاله بملكه ولم يوجد.
وإذا اشترى من آخر قلب فضة بدينار ودفع الدينار ولم يقبض القلب حتى جاء رجل وأحرق القلب، واختار المشتري فسخ العقد وفسخه أخذ ديناره من البائع، وكان للبائع أن يبيع المحرق بقيمة القلب، وإن اختار المشتري إمضاء العقد واتباع المحرق بقيمة القلب وأخذ منه القلب قبل أن يفارق البائع المشتري جاز الصرف؛ لأن قبض قيمة القلب كقبض القلب إلا أنه يتصدق بما زاد على الدينار إن كان ثمة زيادة؛ لأنه ربح ما لم يضمن، وإن لم يقبض القيمة حتى فارقه البائع بطل البيع وعلى البائع رد الدينار وابتاع المحرق بقيمة القلب، وهذا قول محمد وكان أبو يوسف يقول أولًا بقول محمد، ثم رجع وقال: لا يبطل الصرف.
الحاصل: إن على قول محمد وهو قول أبي يوسف الأول اختار المشتري اتباع المحرق لا يكون قبضًا منه، وعلى قول أبي يوسف ذكر قول أبي حنيفة في (الجامع الكبير) في مثل هذه المسألة.
وصورة تلك المسألة: رجل اشترى من آخر عبدًا وقبل قبض المشتري، واختار المشتري إمضاء العقد واتباع القابل وقومت القيمة على القابل، فعلى قول أبي يوسف أولًا وهو قول محمد: التوى على البائع ويبطل البيع ولا يكون اختيار المشتري اتباع القائل بالقيمة قبضًا منه، وعلى قول أبي يوسف الآخر وهو قول أبي حنيفة: يكون التوى على المشتري ولا يبطل البيع، فيكون اختيار المشتري اتباع القائل بالقيمة قبضًا..
وإذا اشترى سيفًا محلى فيه خمسون درهمًا بمائة درهم أو بعشرة دنانير ونقد الثمن ولم يقبض السيف حتى أفسد رجل شيئًا من حمائله أو جفنه، فاختار المشتري أخذ السيف وتضمين المفسد القيمة فله ذلك، فإن قبض السيف أولًا ثم فارق البائع قبل أن يقبض من المفسد ضمان ما أفسده لم يضره ذلك؛ لأن الواجب على المفسد بدل المبيع قبل افتراق المتعاقدين ليس بشرط إنما ذلك في الصرف خاصة.
وهذا بمنزلة ما لو اشترى ثوبًا من أخر وأحرق الثوب رجل قبل قبض المشتري أياه، واختار المشتري إمضاء العقد واتباع المحرق ونقد الثمن، ثم افترق البائع والمشتري قبل أن يقبض المحرق شيئًا لم يفسد البيع.
وطريقة ما قلنا: وإن لم يقبض السيف وفارق البائع فالعقد يفسد في الكل عندهم جميعًا في حصة الحلية لكونه صرفًا لم يوجد فيه قبض البدلين، وإذا فسد العقد في حصة الحلية فسد في الباقي لما قلنا، هذا إذا أفسد شيئًا، أما إذا أفسد الكل بأن أحرقه بالنار واختار المشتري اتباع المحرق إن أخذ منه قيمة الكل أو قيمة حصة الحلية قبل أن يفارق البائع، فالعقد جائز في الكل.
وإن لم يقبض قيمة الحلية حتى فارق البائع فالمسألة على الخلاف على قول أبي يوسف آخرًا وهو قول أبي حنيفة: لا يبطل العقد أصلًا، وعلى قول أبي يوسف أولًا يبطل.
ولو أن رجلًا اشترى من آخر قلب فضة بدينار، فقبل أن يقبض المشتري القلب جاء رجل وهشمه فقال المشتري: أنا آخذ القلب وأبيع المفسد بضمان القلب فله ذلك، وهذا مشكل؛ لأنه أثبت للمشتري ضمان النقصان مع أخذ القلب ينبغي أن لا يكون له ذلك؛ لأن بالهشم لا يزول بشيء من الوزن، فيجب الضمان بمقابلة الجودة بانفرادها ولا قيمة للجودة بانفرادها.
ألا ترى أن المشتري إذا أخذ القلب ثم هشمه رجل أو هشم رجل قلبًا مملوكًا للغير من الابتداء، واختار المالك بأخذ القلب مع ضمان النقصان ليس له ذلك وطريقة ما قلنا.
والجواب: أن في مسألتنا إذا أخذ المشتري قدر النقصان يصير قدر النقصان مع القلب مبيعًا بالدينار، فكان العقد من الابتداء ورد على القلب مع قدر النقصان بالدينار، فلا يكون سواء، وأما قبضه المشتري ثم يقسمة رجل فالعقد قد انتهى بالقبض فما يأخذ من الهاشم لا يصير مبيعًا، ولا يقابله شيء من الثمن، والمتلف في نفسه معدوم، فيصير ربا.

.الفصل الثالث والعشرون: في الصرف في المعادن وتراب الصواغين:

ويدخل فيه الاستئجار ولتخليص الفضة والذهب من تراب المعادن ذكر الشعبي رضي الله عنه أنه قال: لا خير في بيع تراب الصواغين، وهذا عندنا إذا لم يعلم هل فيه شيء من الذهب أو الفضة أولًا، فإن علم وجود ذلك فباعه بقرض أو بجنس أخر جاز عندنا.
واعلم بأن تراب الصواغين أو المعادن لا يخلو عن أربعة أوجه: أما إن كان تراب ذهب، وفي هذا الوجه إن بيع بذهب وفضة لا يجوز، وإن بيع بفضة لا يجوز، وأما إن كان تراب فضة، وفي هذا الوجه إن بيع بفضة أو بفضة وذهب لا يجوز، وأما إن بيع بذهب يجوز، أما إن كان تراب ذهب وفضة، وفي هذا الوجه إن بيع بذهب أو بفضة لا يجوز، وإن بيع بذهب وفضة يجوز، ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس، وأما إن كان لا يدرى أن فيه ذهب أو لا يدرى أن فيه كلاهما أو إحداهما، وفي هذا الوجه لو بيع بذهب وفضة لا يجوز، وكذلك إذا بيع بذهب وفضة.
وإذا احتفر الرجل موضعًا في المعدن ثم باع ملك الحفرة، فبيعه باطل؛ لأنه باع ما لا يملك؛ لأنه ما احتفر هذا المكان ليملك رقبته لهما احتفره ليملك ما فيه بخلاف ما لو احتفر حفيرة في أرض موات بأمر الإمام؛ لأن احتفاره كان ليملك رقبة هذا المكان فقد باع ما يملك.
وإذا كان للرجل على رجل دين فأعطاه به ترابًا بعينه يدًا بيد، فإن كان الدين فضة وأعطاه تراب الفضة لم يجز؛ لأنه لو باع تراب الفضة بالفضة لم يجز فكذا إذا قضى الدين على هذا الوجه.
فرق بين هذا وبين ما ذكر في كتاب الصلح: إذا كان لرجل على رجل ألف درهم دين، فأعطاه الغريم دراهم مجهولة الوزن على سبيل الصلح، فإنه يجوز استحسانًا فقد جوز هذا التصرف على وجه الصلح ولم يجوزه على وجه القضاء، وإن أعطاه تراب ذهب جاز؛ لأنه لو باعه تراب ذهب بفضة جاز كذا هاهنا.
ولو اشترى تراب ذهب بتراب ذهب أو اشترى فضة بتراب فضة لا يجوز، ولو اشترى تراب ذهب بتراب فضة أو على العكس يجوز، وكل واحد منهما بالخيار إذا رأى ما فيه.
وإذا استقرض الرجل من الرجل تراب ذهب أو تراب فضة قائمًا عليه مثل ما خرج من التراب؛ لأنه هو المقصود ويكون القول (قول) المستقرض في مقدار ما خرج، ولو استقرضه على أن يعطيه ترابًا مثله لا يجوز؛ لأنه يكون بيع فضة بفضة مجازفة، وإنه لا يجوز لما يتوهم فيها من الربا.
وإذا استأجر الرجل رجلًا يخلص له ذهبًا أو فضة من تراب المعادن أو من تراب الصياغين فهذا على ثلاثة أوجه:
إما أن يقول: استأجرتك لتخلص لي ألف درهم فضة من هذا التراب، أو قال: ألف مثقال ذهب من هذا التراب، ولا يدري ذلك المقدار هل يخرج من هذا التراب المشار إليه أو لا يخرج؛ لأنه لا يجوز.
وإما أن يقول: استأجرتك لتخلص الذهب والفضة من هذا التراب بكذا، وإنه جائز.
وإما أن يقول: استأجرتك لتخلص لي ألف درهم فضة من التراب، ولم يشر إلى التراب، وإنه لا يجوز أصلًا، بمنزلة ما لو استأجر له قميصًا بدرهم ولم يعين الكر باس والله أعلم.

.الفصل الرابع والعشرون: في المتفرقات:

قال محمد رحمه الله: إذا اشترى الرجل من آخر عشرة دراهم فضة بعشرة، فزادت عليها دانق فوهبه له هبة، ولم يدخله في البيع فهو جائز يريد بقوله: لم يدخله في البيع أن الهبة لم تكن مشروطة في الشراء؛ إذ لو كانت مشروطة في الشراء لأفسده الشراء، وإنما جاز هذا التصرف؛ لأنه لو لم يجز، أما لم يجز لمكان الربا، وإذا وهب الدانق منه فقد انعدم الربا.
قالوا: وإنما تصح هبة الدانق إذا كان الدرهم بحيث يضره الكسر؛ لأنه حينئذ يكون هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة، وإنها جائزة فأما إذا كان الدرهم بحيث لا يضره الكسر لا تجوز الهبة، لأنها هبة المشاع فيما يحتمل القسمة وهبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا يتم قبل القسمة والتميز.
ولا يجوز بيع الذهب مجازفة ولا بيع الفضة بالفضة مجازفة إذ لم يعرف وزنهما أو وزن أحدهما. والأصل فيه قوله عليه السلام: «الفضة بالفضة مثل بمثل وزن بوزن والذهب بالذهب مثل بمثل وزن بوزن»، فقد جعل المماثلة في الوزن شرط جواز البيع، ولم توجد المماثلة في الوزن هاهنا، فإن وزنا فوجدا متماثلين فهذا على وجهين:
إن وزنا في مجلس العقد، فالبيع جائز، وإن وزنا بعد الافتراق على المجلس لا يجوز العقد، وهو نظير بيع الصبرة بالصبرة مجازفة، وقد مر الكلام فيه قبل هذا.
ويجوز الفضة بالفضة والذهب بالذهب إذا اعتدل البدلان في كفة الميزان إن لم يعلم مقدار كل واحد منهما لتيقننا بالمماثلة وزنًا، وأما المماثلة إذا وزن أحدهما بصاحبه المهر إذا وزن كل واحد منهما بالسخات عقد الصرف إذا فسد بسبب الافتراق عن المجلس قبل القبض لا يخرج المشترى عن ملك المشتري قبل الرد على البائع.
بيانه في مسألة ذكرها محمد في (الجامع الكبير): رجل اشترى من آخر إبريق فضة بدينار وقبض الإبريق ونقد دينارًا واحدًا، ثم تفرقا قبل أن ينقد الدينار الآخر فسد البيع في نصف الإبريق، ولا يتعدى الفساد إلى النصف الآخر، فإن حضر رجل بعدما غاب بائع الإبريق وادعى نصف الإبريق لنفسه كان المشتري خصمًا له؛ لأن المشتري مالك جميع الإبريق؛ لأن السبب وإن فسد في النصف لمكان الافتراق لا يبطل ملكه فيه ما لم يرده؛ لأن فساد السبب في الابتداء لا يمنع ثبوت الملك عند اتصال القبض، فأولى أن لا يمنع بقاء الملك في المقبوض فكان كل الإبريق ملكًا للمشتري، فيكون خصمًا للمدعي.
هشام قال: سألت أبا يوسف: عمن باع درهمًا بدرهم، فرجح أحدهما فحلله صاحب الرجحان، قال: هذا جائز؛ لأنه لا يقسم، الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله: لا بأس ببيع خاتم فيه فص بخاتمين فيهما فصان، وكذلك السيف المحلى بسيفين. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا بأس ببيع الغشوش إذا بين أو كان ظاهرًا يرى، وهو قول أبي يوسف رحمه الله.
وقال في رجل حمل على الفضة النحاس، فلا يبيعها حتى يبين، قال: ولا بأس بأن يشتري بستوقة إذا بين، وأرى للسلطان أن يكسرها لعلها تقع في يدي من لا يبين.
بشر في (الإملاء) عن أبي يوسف: وأكره للرجل أن يعطي الزيوف والنبهرجة والستوقة والمكحلة والمزيفة والبخارية وإن بين ذلك ويجوز بها عنه الأخذ من قبل أن انفاقها ضرر على العوام، وما كان ضررًا عامًا فهو مكروه، وليس يصلحه تراضي هذين الحاضرين من قبل ما يتجوز فيه من الدلسة على الجاهل به، ومن الفاجر الذي لا يتحرج وقال كل شيء لا يجوز بين الناس، فإنه ينبغي أن يقطع، ويعاقب صاحبه إذا أنفقه وهو يعرفه.
ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا اشترى تراب الصواغين بعرض فلم يكن فيه ذهب ولا فضة فالبيع فاسد من قبل أنه اشترى ما فيه ليس البيع على التراب دون ما فيه.
وإذا كان فيه ذهب وفضة جاز البيع، وليس ينبغي للصائغ أن يأكل من ثمن ما باع من تراب الصياغة من قبل أن ما فيه متاع الناس إلا أن يكون قد زاد في متاعهم حين وفاهم بقدر ما سقط منهم في التراب، فإذا كان كذلك طاب لهم الفضل، وأكره للمشتري أن يشتريه حتى يخبره الضائع أنه قد أوفى الناس متاعهم من قبل أن علم المشتري بحيط بأن الصائغ لا يملك ذلك.
ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا باع عشرة دراهم صح بعشرة مكحلة لم يصح؛ لأن هذه تنقص وما فيها من الكحل ليس له ثمن، فيكون ما زاد من وزن البيض.
في (الإملاء) عن محمد: رجل اشترى من رجل خاتم فضة فيه فص بدراهم أو دنانير وتقابضا، ثم قلع المشتري الفص من الفضة، والقلع لا يضر بواحد منهما، ثم وجد بأحدهما عيبًا رده، وأخذ بحصته من الثمن، وكذلك لو وجد بأحدهما عيبًا قبل أن يقلع الفص من الفضة وأراد درهمًا جميعًا فليس له ذلك، ولكنه يقلع الفصة من الفضة، ثم يرد الذي به العيب منهما.
وإن كان المشتري قد قبضهما ولم يدفع الثمن حتى وجد بأحدهما عيبًا، فإن شاء أخذهما وإن شاء ردهما، وإن لم يجد بأحدهما عيبًا، ولكنهما افترقا قبل قبض الثمن بطل البيع في الفضة، ولزم المشتري الفص بحصته؛ لأن الذي بطل فيه البيع إنما بطل بترك المشتري دفع الثمن وذلك لا يوجب الخيار.
ثم قال: والفص والفضة إذا كانا مسرًا لم يضر ذلك بواحد منهما بمنزلة السمن في الزق يباعان جميعًا، وبمنزلة الدقيق في الجراب، وكذلك السيف المحلى أو المنطقة المحلى أو ما أشبه ذلك من الجوهر يكون في الذهب، فكل شئ من ذلك كان نزعه لا يضر بواحد منهما، فكأنهما شأنان متباينان في جميع ما وصفت لك.
وإذا اشترى خاتم فضة فيه فص بدراهم أو دنانير وقبضهما، ثم ميّزهما قبل الافتراق أو بعده، والتميز يضر به، وافترقا قبل أن يدفع الثمن، فالبيع فاسد في ذلك كله ويرد المشتري على البائع الفص وما نقصه.
وإن كانت الفضة نقصت مع ذلك أو نقصت وحدها لم يقدر المشتري على ردها، ولكنه يغرم قيمتها مصوغة من الذهب إلا أن يشاء البائع أن يأخذها وحدها، ولا يغرم المشتري نقصانهما؛ لأن المشتري حين قبض الخاتم قبل أن يميز الفص منه، والتميز يضر به كان ذلك شيئًا واحدًا، فإذا بطل في كله البيع في بعضه بطل في كله.
وفي (المنتقى): اشترى خاتم فضة فيه فص ياقوت بمائة دينار، فذهب الفص عند البائع، فإن هذا في قياس قول أبي حنيفة يأخذ الحلقة بمائة دينار أو نزع، ولو كان اشتراه بدراهم يأخذ الحلقة بوزنها من الفضة؛ لأنه لا يصلح أن يأخذها بأكثر من ذلك.
أبو سليمان عن أبي يوسف: إذا تصارف الرجلان دراهم بدنانير وتقابضا وتفرقا، فوجد من الدراهم من وصف غير الذي اشترط له، فعلى قول أبي يوسف له أن يستبدلها إذا كانت دون شرط، وإن كانت خيرًا من شرطه، فليس له أن يستبدله، وإذا كانت مثل الذي شرط ينفق في جميع البلدان والبيوع، كما ينفق الذي شرط في البيع، وإن كانت لا تنفق في بعض البيوع أو بلد من البلدان، فله أن يستبدلها، وإن شاء تجوز بها.
وأما في قول أبي حنيفة: وإن كان فيها هذا النقصان فهي بمنزلة النبهرجة، فإن كانت أكثر من الثلث انتقص بحساب ذلك.
وفي (المنتقى): رجل اشترى عبدًا بألف درهم وأعطى بها مائة دينار قبل أن يقبض العبد، ثم تفرقا ثم استحق قبل أن يقبضه أو بعد ما قبضه فقد بطل الصرف، وكذلك لو قبضه ثم صارفه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
ولو أن المستحق بعد ما استحق العبد وقضى به أجاز البيع أو لم يجر؛ لأن القضاء به له بعض البيع، ولو أجاز البيع ولم يجز الصرف أيضًا جائزًا في قول أبي حنيفة، ويضمن البائع ألف درهم لرب العبد، ولا يجوز الصرف في قول أبي يوسف، فيرد البائع الدنانير، ويأخذ ألف درهم.
وفي (المنتقى): رجل صرف لغيره دينارًا بعشرين درهمًا وتقابضا، ثم إن بائع الدراهم وجد الدينار الذي قبضه ينقص قيراطًا، قال: له أن يرجع بدرهم حصة القيراط؛ لأن كل دينار عشرون قيراطًا، قال: وله أن يرد الدينار ويأخذ دراهمه إن شاء؛ لأنه تعيب وإن شاء أمسك ولا شيء له غير الدينار بعينه، وأما في قول أبي يوسف، فإنه يرجع بنقصان الدينار، ثم إن شاء أمسك الدينار بعينه، وإن شاء رده ورجع عليه بتسعة عشر جزءًا من الدينار، فيكون لبائع الدينار جزءًا، ولهذا تسعة عشر، فيكون الدينار بينهما على ذلك.
وفيه أيضًا: رجل باع من آخر قلب فضة وزنه عشرة دراهم بعشرة دراهم، فدفع القلب ولم يقبض الدراهم حتى وهب مشتري القلب منه ينظر إن دفع المشتري القلب ثمن القلب قبل أن يتفرقا صح البيع وجازت الهبة، وإن تفرقا قبل أن يدفع ثمنه انتقض البيع وبطلت الهبة ورجع القلب إلى بائعه وصار ذلك مناقضة.
وفي (نوادر ابن سماعة): رجل اشترى من آخر دينارًا بعشرين درهمًا، وقبض الدينار ولم يدفع الدراهم حتى وهب الدينار لبائعه، ثم فارقه قبل أن يدفع إليه الدراهم، قال: الهبة في الدينار جائزة ولبائع الدينار على مشتريه دينار مثله.
وفي (المنتقى): رجل اشترى عشرة دراهم بدينار ودفع الدينار ولم يقبض الدراهم ثم إن قابض الدينار للدافع ودفعه إليه أو اشترى به منه فضة تبر وتقابضا، ثم تفرقا قبل أن يقبض الدراهم الأول ففيما إذا وهب الدينار فالهبة باطلة، والبيع الأول باطل ورجع الدينار الموهب إلى صاحب الذي دفعه بانتقاض الهبة، فليس له غيره.
وفيما إذا اشترى به منه فضة تبر وتقابضا فالشراء الآخر جائز والأول باطل، وعلى قابض الدينار الأول مثله لقابض الدينار الآخر.
رجل صارف رجلًا دينارًا بعشرة دراهم وتقابضا، ثم إن الدراهم وجد فيها دراهم زائفًا فدفعه إلى الصيرفي وأخذ بدله مكانه، قال: لما دفعه إلى الصيرفي صار مناقضًا في الدرهم؛ لأن المصارف غائب فينتقص من الدينار بحصته. ولو قبض درهمًا جيدًا ولا بدل الزيف ثم دفع الزيف إليه كان جائزًا.
في (المنتقى): رجل اشترى منطقة بمائة درهم على أن فيها خمسون درهمًا حلية وتقابضا وتفرقا وقد شرط له أن حليتها فضة بيضاء، فكسر الحلية، فإذا هي حلية سوداء جاز ذلك عليه ولم يرجع بشيء، وإن وجد بعض الحلية رصاصًا فالبيع فاسد وإن كان قد استهلك الحلية ضمن قيمتها من الذهب وضمن قيمة الرصاص ورد اليسير، وإن كان ذلك بعض اليسير رد ما نقص اليسير، ولو لم يجد فيها رصاصًا ولكن وجد فيها أربعين درهمًا الحلية فهو بالخيار، إن شاء ردها وإن شاء رجع بعشرة دراهم، وإن وجد فيها ستين درهمًا حلية فالبيع فاسد إذا كان قد تفرقا، وإن لم يتفرقا إن شاء المشتري زاد العشرة وجاز البيع وإن شاء نقض البيع.
ولو كان الثمن دنانيرًا فتفرقا والمسألة بحالها فالبيع جائز، كأنه باع قلب فضة بدينار على أنه عشرة دراهم، فإذا هو عشرون درهمًا باع من أخر قلب فضة فيه عشرون درهمًا بدينار على أنها فضة فاستهلكه فضة سوداء، ولم يعلم به المشتري ثم علم لم يرجع بشيء.
رجل له على رجل ألف درهم غلة فأخذها تسعمائة وضح ودينارًا، ثم افترقا فاستحق الدينار، فإنه يرجع على الغريم بمائة درهم غلة، وإن استحق الدينار قبل أن يتفرقا يرجع بدينار ومثله، وكذلك الجواب فيما إذا كان مكان الدينار مائة مائة فلس.
ولو أن رجلًا باع صيرفًا ألف درهم غلة تسعمائة وضح وبمائة فلس وتقابضا، ثم استحقت الألف الغلة من يدي الصيرفي رجع الصيرفي على الذي اشترى منه الغلة بالتسعمائة الوضح الذي أعطاه، فرجع عليه بمائة درهم غلة ثمن الفلس الذي أعطاه، وإن لم يتفرقا حتى استحقت الغلة رجع الصيرفي على الرجل بألف غلة مثلها، وإن لم يستحق شيء من ذلك حتى افترقا، ثم استحقت المائة الفلس من الرجل رجع على الصيرفي بمائة فلس مثلها، وإن لم يستحق الفلوس، ولكن استحقت التسعمائة الوضح بعدما افترقا رجع على الصيرفي بتسعمائة غلة ثمن الوضح، ويرجع عليه بمائة فلس بدل الذي استحق.
وإن استحق ما في يد الرجل من الوضح والفلوس واستحق ما في يد الصيرفي من الغلة، فإن كان بعدما افترقا فقد انتقض البيع بينهما في جميع الدراهم والفلوس، وإن كانا لم يفترقا يرجع كل واحد منهما على صاحبه بمثل ما استحق من يده، والبيع تام.
ابن سماعة عن أبي يوسف: أن الرد بالعيب بعد القبض لا يبطل الصرف، وكذلك الرد بخيار الرؤية، والرد بالعيب قبل القبض بمنزلة موت العبد قبل أن يقبضه، وأما في الرد بخيار الشرط بعد القبض يرجع بالدنانير التي أعطاه بدل الألف درهم الثمن.
وفي كتاب الصرف: إذا اشترى ألف درهم بعينها بمائة دينار والدراهم بيض، فأراد المشتري الدراهم أن يتبرع على بائعه بالجودة وإلى بائعه تبرعه فله ذلك. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهو نظير ما لو أبرأه عن شيء من المقر له ورد من عليه إبراءه كان له ذلك.
قال رحمه الله أيضًا: وهو نظير ما ذكر في (الجامع): إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فأتاه بألف جياد وأبى صاحب الدين أن يقبل ذلك لا يجبر عليه، وإن أتى بجنس حقه وزيادة؛ لأنه تبرع عليه فكان له أن لا يقبل تبرعه ومنه فكذا هاهنا.
قال: وكذلك لو اشترى منه ضربًا من الدنانير وقال للبائع: أعطني دنانير غيرها لم يكن له ذلك وإن كان ما طلب دون حقه إلا أن يرضى الآخر دون حقه.
وفي (المنتقى): وللذي عليه السود أن يؤدي بيضًا هو مثل السود أو أجود منه، ويجبر من له على القبول، وكذا من عليه البيض إذا أدى سودًا مثله يجبر على القبول عند علماءنا الثلاثة.
قال هشام: سمعت محمدًا يقول في رجل له ابن صغير قال: اشهدو أني اشتريت هذه الدينار من ابني هذا بعشرة دراهم، ثم قام الأب قبل أن يرث المشتري، فإنه يبطل بقيامه.
قال: وسمعت أبا يوسف يقول: رجل اشترى دينارًا بعشرة دراهم وقبضه على أن الدينار مثقال وحبة ثم افترقا، فوزن الدينار، فإذا هو ينقص حبة هو مثقال سواء، فإنه يرجع على البائع بحصة الحبة من الدينار، أو يرد الدينار الناقص على البائع ويأخذ منه دينارًا بوزن مثقال وحبة ويكون البائع شريكه في الحبة الزائدة.
المعلى في (النوادر) عن أبي يوسف: رجل اشترى من رجل دينارًا بعشرة دراهم وتقابضا.............؟ الدينار ينقص دونه العشر، قالا: وإن كان نقصان الدينار عيبًا بالدينار رده المشتري على البائع وأخذ منه دينارًا وأراه أو أخذ منه عشر الثمن، وكان للمشتري في الدينار تسعة أعشاره وللبائع العشر، وإن كان النقصان ليس بعيب في الدينار رجع المشتري على البائع بعشرة الدراهم ولزمه الدينار.
وإذا كان عند الرجل ألف درهم وديعة، فاشترى بها مائة دينار وأجاز صاحب الوديعة الشراء قبل أن يتفرقا جاز له على المستودع ألف درهم، وإن أجازه بعدما افترقا، فإن شاء صاحب الوديعة ضمن ما له المستودع، ويجوز البيع، وإن شاء ضمن بائع الدينار وانتقض الصرف.
الحسن بن زياد عن أبي يوسف: رجل له على رجل ألف درهم، فاشترى منه مائة دينار بألف درهم، ثم تقابضا بما عليه، قال أبو يوسف: إن تقابضا قبل أن يتفرقا جاز، وإن تفرقا قبل أن يتقابضا بطل، وهو قول أبي حنيفة.
وقال المعلى عن أبي يوسف رحمه الله: رجل دفع إلى رجل درهمًا، وقال أبدله لي واحدة منه وضاع منه قبل أن يبدله، قال: هو ضامن له والله أعلم.
رجل دفع إلى رجل دينارًا وأمره أن يبيعه، ودفع إليه آخر ثوبه وأمره أن يبيعه فعمد المأمور فباع الدينار والثوب صفقة واحدة، وقبض بعض الثمن ثم توى ما بقي على المشتري توى من مال صاحب الثوب.
ابن سماعة عن أبي يوسف: اشترى من آخر ألف درهم بمائة دينار فصدق كل واحد منهما صاحبه بالوزن، وتقابضا يعني قبل الوزن فهذا جائز، وينتفع كل واحد منهما بما اشتراه.
ولو قال: بعني هذه الدراهم التي في يديك بهذه الدنانير التي في يدي ولم يسميا عددًا ولا وزنًا، وتقابضا جاز لكل واحد منهما أن ينتفع بما اشترى قبل الوزن والعدد هذا بيع مجازفة.
وإن قال بعني ألف درهم بألف درهم وتقابضا بغير وزن وصدق كل واحد منهما صاحبه أن هذا المقبوض ألف درهم ثم وزن كل واحد منهما قبل التفرق أو بعده، فوجد أنها سواء بسواء، فهذا جائز، ولو لم يصدق كل واحد منهما صاحبه وتفرقا ثم وزنا فكانا سواء لم يجز من قبل أنهما قد تفرقا على غير علم بأنهما استوفياه.
ألا ترى أن رجلًا لو باع رجلًا دراهم في كيس بدراهم في كيس، فإن وزناها قبل أن يتفرقا فكانا سواء، فالبيع جائز، وإن تفرقا قبل أن يزناها فالبيع فاسد.
إذا اشترى دينارًا بعشرة دراهم ثم باعها بربح درهم لا يجوز، ولو باعها بربح قيراط جاز، ذهب رجل باع من رجل ثوبًا ونقرة فضة بخمسين درهمًا على أن النقرة ثلاثون، فإذا هي خمسون، فإنه يقطع له من النقرة ثلاثون، فإن كان مكانها إناء أو قلب، فإن علم بوزنه قبل أن يتفرقا فالمشتري بالخيار إن شاء أعطاه عشرين درهمًا أخرى، وإذا كانا قد افترقا كان شريكه في القلب، وللمشتري ثلاثة أخماسه.
بشر عن أبي يوسف: رجل باع سيفًا محلى من رجلين بمائة درهم، وحلية السيف خمسون درهمًا فقبض من أحدهما خمسة وعشرين بغير إذن شريكه ثم افترقا، فإن هذا النقد من الناقد وينقد خمسة وعشرون درهمًا أخرى، ويكون له نصف السيف، وانتقض البيع في حصة الآخر، وهذا قول أبي يوسف.
وأما في قول أبي حنيفة رحمه الله: فالنقد عنهما جميعًا وفسد البيع كله، ويرجع الناقد على البائع بما أعطاه، وإن شاء رجع على شريكه بنصفه ثم اتبعا البائع بخمسة وعشرين.
وإذا اشترى الرجل من الرجل ألف درهم بمائة دينار وصدق كل واحد منهما صاحبه في الوزن وتقابضا وتفرقا قبل أن يتوازنا فالبيع فاسد، وقد ذكر قبل هذا قول أبي يوسف.
في عين هذه الصورة: أنهما إذا تفرقا وكل واحد منهما مصدق لصاحبه ثم توازنا فهو جائز.
وإذا أقرض الرجل رجلًا ألف درهم وأخذ بها كفيلًا ثم إن الكفيل صالح الطلب على عشرة دنانير وقبضها، فهو جائز؛ لأن الكفيل قائم مقام الأصيل، والأصيل لو صالح عن الألف الدرهم على عشرة دنانير جاز إذا قبض الدنانير في المجلس، فكذا إذا صالح الكفيل، ويرجع الكفيل على الأصيل بالدراهم؛ لأن الكفيل ملك ما في ذمته بالصلح.
ولو ملك ما في ذمته بالأداء أو بالهبة رجع به على الأصيل، فكذا إذا ملكه بالصلح.
ولو أن الكفيل صالحه على مائة درهم لم يرجع على الأصيل إلا بمائة درهم، وإنما كان كذلك؛ لأن هذا الصلح في معنى إبراء الكفيل عما زاد على المائة، ولو أبرأ الكفيل عن الكل لا يجب على الأصيل شيء، فكذا إذا أبرأه عما زاد على المائة.
فإن قيل: إذا كان إبراء الكفيل عما زاد على التسعمائة، وإبراء الكفيل لا يجب براءة الأصيل كأن يجب أن يكون للطالب حق الرجوع على الأصيل بتسعمئة كما لو قبض من الكفيل مائة، وقال له: أبرأتك عن التسعمائة وليس ذلك بالإجماع.
قلنا: البراءة عن التسعمائة إنما تثبت من حيث إن الصلح يجوز بدون الحق، وفي التجوز بدون الحق معنى استيفاء البعض، والإبراء عن الباقي، فيجعل هذا كالمنصوص عليه كأنه قال: تجوزت بدون الحق، وإنما يقع التجوز بدون الحق إذا برئ الأصيل عما وراء المستوفى، فصرفنا الإبراء إليهما لهذه الضرورة.
وصار كأنه قال للكفيل وقت الصلح: استوفيت منك مائة درهم وأبرأتك والأصيل عن تسعمائة، ولو نص على هذا كان لا يرجع الطالب على المكفول عنه بشيء كذا هاهنا بخلاف ما لو صالحه على عشرة دنانير؛ لأن هناك الكفيل ملك جميع ما (في) ذمته بالدنانير العشرة تصلح بدلًا عن الألف الدرهم، فصار بمنزلة ما لو ملك ما في ذمته بالأداء، وهناك الكفيل يرجع على الأصيل بالألف، فكذا ما في ذمته بالصلح، أما في مسألتنا بخلافه.
هذا الذي ذكرنا إذا صالح الكفيل مع الطالب فأما إذا صالح الكفيل مع الأصيل على عشرة دنانير، وذلك قبل أن يؤدي الكفيل شيئًا إلى الطالب صح الصلح إذا قبض الكفيل الدنانير من الأصيل لما عرف أن الكفالة إذا كانت بأمر يوجب دينًا للكفيل على الأصيل، ولكن مؤجلًا إلى أن يؤدي، فإذا صالح الكفيل مع الأصيل فإنما صالح عن دين له مؤجل، والصلح عن الدين المؤجل صحيح بشرط قبض بدل الصلح في المجلس، ثم صلح الكفيل مع الأصيل لا يوجب سقوط مطالبة الطالب لا عن الكفيل ولا عن الأصيل، فيطالب إن شاء الأصيل، وإن شاء الكفيل، فإن طالب الكفيل وأخذ منه الألف لا يرجع على الأصيل؛ لأن الأصيل ملك ما كان للكفيل في ذمة الأصيل بالصلح، فيعتبر كما لو ملك بالأداء، ولو ملكه بالأداء بأن أدى الأصيل دين الكفيل قبل أداء الكفيل دين الطالب، ثم أخذ الطالب الدين من الكفيل لا يرجع الكفيل على الأصيل بشيء كذا هاهنا.
وإن طالب الأصيل وأخذ منه الألف كان للأصيل أن يرجع على الكفيل بالألف، إلا أن يشاء الكفيل أن يعطي الأصيل الدنانير التي أخذها منه؛ وهذا لأن الكفيل صار مستوفيًا الدراهم من الأصيل بهذا الصلح؛ لأنه أخذ الدنانير بدلًا عن الدراهم، والبدل قائم مقام المبدل، فيعتبر بما لو صار مستوفيًا الدراهم بجنسه بأن دفع الأصيل إلى الكفيل الألف الدراهم، وهناك الطالب إذا رجع على الأصيل وأخذ منه الألف كان للأصيل أن يرجع بما أدى على الكفيل؛ لأن الأصيل إنما أدى الألف الدراهم إلى الكفيل ليستفيد البراءة عن دين الطالب ولم يستفد، فكان له الرجوع بما أدى كذا هاهنا.
ثم قال: إلا أن يشاء الكفيل أن يعطي الأصيل الدنانير التي أخذها منه، معناه إذا قال الكفيل للأصيل حين أراد الأصيل أن يرجع عليه بالألف الدرهم: أنا أعطيك الدنانير التي أخذتها منك، ولا أعطيك الألف الدرهم وللكفيل ذلك؛ لأن الكفيل يقول للأصيل: أنا أخذت منك الدراهم بطريق الصلح.
ومبنى الصلح على الإغماض والتجوز بدون الحق، وإنما رضيت أنا بالتجوز بدون حق بشرط أن أكون أنا المباشر لقضاء دين الطالب لعلمي أن الطالب رضي عني بدون الحق، فإذا باشرت أنت وأردت الرجوع إليّ بجميع الألف فقد فات غرضي من هذا الصلح، فلا أرضى به وهذا يصلح حجة للكفيل، فلهذا كان له الخيار بين أن يعطي الطالب الألف الدرهم وبين أن يعطيه العشرة الدنانير، وقد ذكر مسألة الإقالة في الصرف في صدر الكتاب.
قال الحاكم أبو الفضل رحمه الله في (المنتقى): روي عن محمد أنه لا تجوز الإقالة في الصرف؛ لأنه ليس هاهنا مشترى والله أعلم بالصواب.
تم كتاب الصرف في منتصف جمادى الأولى سنة ست وثمانين وستمائة.