فصل: تفسير الآيات (106- 107):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (100- 101):

{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)}
لما ذكر تعالى خبر هؤلاء الأنبياء، وما جرى لهم مع أممهم، وكيف أهلك الكافرين ونَجّى المؤمنين قال: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى} أي: من أخبارها {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ} أي: عامر، {وَحَصِيدٌ} أي: هالك دائر، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} أي: إذ أهلكناهم، {وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} أي: بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم، {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ} أي: أصنامهم وأوثانهم التي كانوا يعبدونها ويدعونها، {مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} أي: ما نفعوهم ولا أنقذوهم لما جاء أمر الله بإهلاكهم، {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ}.
قال مجاهد، وقتادة، وغيرهما: أي غير تخسير، وذلك أن سبب هلاكهم ودَمَارهم إنما كان باتباعهم تلك الآلهة وعبادتهم إياها فبهذا أصابهم ما أصابهم، وخسروا بهم، في الدنيا والآخرة.

.تفسير الآية رقم (102):

{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)}
يقول تعالى: وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا كذلك نفعل بنظائرهم وأشباههم وأمثالهم، {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته»، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}.

.تفسير الآيات (103- 105):

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)}.
واعتبارا على صدق موعُودنا في الدار الآخرة، {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ} [غافر: 51]، وقال تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 13، 14].
وقال تعالى: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ} أي: أولهم وآخرهم، فلا يبقى منهم أحد، كما قال: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف: 47].
{وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} أي: يوم عظيم تحضره الملائكة كلهم، ويجتمع فيه الرسل جميعهم، وتحشر فيه الخلائق بأسرهم، من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيهم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها.
وقوله: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ} أي: ما نؤخر إقامة يوم القيامة إلا لأنه قد سبقت كلمة الله وقضاؤه وقدره، في وجود أناس معدودين من ذرية آدم، وضرب مدة معينة إذا انقضت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم من ذرية آدم، أقام الله الساعة؛ ولهذا قال: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ} أي: لمدة مؤقتة لا يزاد عليها ولا ينتقص منها، {يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ} يقول: يوم يأتي هذا اليوم وهو يوم القيامة، لا يتكلم أحد يومئذ إلا بإذن الله تعالى، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38]، وقال تعالى: {وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا} [طه: 108]، وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل: «ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهُم سَلّم سلّم».
وقوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} أي: فمن أهل الجمع شقي ومنهم سعيد، كما قال: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7].
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن حيان، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا سليمان بن سفيان، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنه، قال: لما نزلت {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} سألت النبي صلى الله عليه وسلم، قلت: يا رسول الله، علام نعمل؟ على شيء قد فُرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: «على شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام، ولكن كل ميسر لما خلق له».
ثم بين تعالى حال الأشقياء وحال السعداء، فقال:

.تفسير الآيات (106- 107):

{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)}
يقول تعالى: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} قال ابن عباس: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر أي: تنفسهم زفير، وأخذهم النفس شهيق، لما هم فيه من العذاب، عياذا بالله من ذلك.
{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ} قال الإمام أبو جعفر بن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوامَ السموات والأرض، وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليلُ والنهار، وما سمر ابنا سَمير، وما لألأت العُفْر بأذنابها. يعنون بذلك كلمة: أبدا، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم، فقال: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ}.
قلت: ويحتمل أن المراد بما دامت السموات والأرض: الجنس؛ لأنه لابد في عالم الآخرة من سموات وأرض، كما قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48]؛ ولهذا قال الحسن البصري في قوله: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ} قال: تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قوله: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ} قال: لكل جنة سماء وأرض.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما دامت الأرض أرضًا، والسماء سماءً.
وقوله: {إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} كقوله تعالى: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 128].
وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء، على أقوال كثيرة، حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه زاد المسير وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرًا منها الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله، في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن مَعْدَان، والضحاك، وقتادة، وأبي سِنَان، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضًا: أن الاستثناء عائد على العُصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون في أصحاب الكبائر، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله. كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمضمون ذلك من حديث أنس، وجابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها. وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة. وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبي سعيد، من الصحابة.
وعن أبي مِجْلَز، والشعبي، وغيرهما من التابعين.
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة- أقوال غريبة. وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير، عن أبي أمامة صُدَىّ بن عَجْلان الباهلي، ولكن سنده ضعيف، والله أعلم.
وقال قتادة: الله أعلم بثنياه.
وقال السدي: هي منسوخة بقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 57].

.تفسير الآية رقم (108):

{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)}
يقول تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا} وهم أتباع الرسل، {فَفِي الْجَنَّةِ} أي: فمأواهم الجنة، {خَالِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين مقيمين فيها أبدا، {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ} معنى الاستثناء هاهنا: أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم، ليس أمرا واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائمًا، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النَّفس.
وقال الضحاك، والحسن البصري: هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار، ثم أخرجوا منها. وعقب ذلك بقوله: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي: غير مقطوع- قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية وغير واحد، لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاعًا، أو لبسا، أو شيئًا بل ختم له بالدوام وعدم الانقطاع. كما بين هنا أن عذاب أهل النار في النار دائما مردود إلى مشيئته، وأنه بعَدْله وحكمته عذبهم؛ ولهذا قال: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107] كَمَا قَالَ {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، وهنا طيب القلوب وثَبَّت المقصود بقوله: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}.
يا أهل الجنة، خُلُود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت.
وفي الصحيحين أيضا: «فيقال يا أهل الجنة، إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهْرَموا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبَأسوا أبدا».

.تفسير الآيات (109- 111):

{فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111)}
يقول تعالى: {فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ} المشركون، إنه باطل وجَهل وضلال، فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، أي: ليس لهم مُستَنَد فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات، وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء فيعذب كافرهم عذابًا لا يعذبه أحدا من العالمين، وإن كان لهم حسنات فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة.
قال سفيان الثوري، عن جابر الجُعْفي، عن مجاهد، عن ابن عباس: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} قال: ما وعدوا فيه من خير أو شر.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لموفوهم من العذاب نصيبهم غير منقوص. ثم ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب، فاختلف الناس فيه، فمن مؤمن به، ومن كافر به، فلك بمن سلف من الأنبياء قبلك يا محمد أسوة، فلا يغيظنك تكذيبهم لك، ولا يهيدنَّك ذلك.
{وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} قال ابن جرير: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب إلى أجل معلوم، لقضى الله بينهم.
ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة، أنه لا يعذب أحدا إلا بعدم قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه، كما قال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15]؛ فإنه قد قال في الآية الأخرى: {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [طه: 129، 130].
ثم أخبر أن الكافرين في شك- مما جاءهم به الرسول- قوي، فقال {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ}.
ثم أخبرنا تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من الأمم، ويجزيهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فقال: {وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: عليم بأعمالهم جميعها، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها.
وفي هذه الآية قراءات كثيرة، ويرجع معناها إلى هذا الذي ذكرناه، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 32].

.تفسير الآيات (112- 113):

{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113)}
يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان، وهو البغي، فإنه مَصرَعة حتى ولو كان على مشرك. وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء.
وقوله: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تُدهنُوا وقال العوفي، عن ابن عباس: هو الركون إلى الشرك.
وقال أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم.
وقال ابن جُرَيْج، عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا وهذا القول حسن، أي: لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بباقي صنيعهم، {فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} أي: ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم، ولا ناصر يخلصكم من عذابه.