فصل: تفسير الآيات (15- 29):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (15- 29):

{فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِي الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)}
روى مسلم في صحيحه، والنسائي في تفسيره عند هذه الآية، من حديث مِسْعر بن كِدَام، عن الوليد بن سَرِيع، عن عمرو بن حُرَيث قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم الصبح، فسمعته يقرأ: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}.
ورواه النسائي عن بندار، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن الحجاج بن عاصم، عن أبي الأسود، عن عمرو بن حُرَيث، به نحوه.
قال ابن أبي حاتم وابن جرير، من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن رجل من مراد، عن علي: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ} قال: هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت عليا وسئل عن: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ} فقال: هي النجوم، تخنِس بالنهار وتكنس بالليل.
وحدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن إسرائيل، عن سِماك، عن خالد، عن عليّ قال: هي النجوم.
وهذا إسناد جيد صحيح إلى خالد بن عرعرة، وهو السهمي الكوفي، قال أبو حاتم الرازي: روي عن علي، وروى عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا والله أعلم.
وروى يونس، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: أنها النجوم. رواه ابن أبي حاتم وكذا رُوي عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسّدي، وغيرهم: أنها النجوم.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هَوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن بكر بن عبد الله في قوله: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ} قال: هي النجوم الدراريّ، التي تجرى تستقبل المشرق.
وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم: الخنس، أي: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها: كُنَّس من قول العرب: أوى الظبي إلى كنَاسة: إذا تغيب فيه.
وقال الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} قال: بقر الوحش.
وكذا قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عبد الله: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ} ما هي يا عمرو؟ قلت: البقر. قال: وأنا أرى ذلك.
وكذا روى يونس عن أبي إسحاق، عن أبيه.
وقال أبو داود الطيالسي، عن عمرو، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {الْجَوَارِي الْكُنَّسِ} قال: البقر الوحش تكنس إلى الظل.
وكذا قال سعيد بن جبير.
وقال العوفي، عن ابن عباس: هي الظباء.
وكذا قال سعيد أيضا، ومجاهد، والضحاك.
وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: هي الظباء والبقر.
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا مغيرة عن إبراهيم ومجاهد: أنهما تذاكرا هذه الآية: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ} فقال إبراهيم لمجاهد: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا نسمع فيها شيئا، وناس يقولون: إنها النجوم. قال: فقال إبراهيم: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حُجْرتها. قال: فقال إبراهيم: إنهم يكذبون على عليّ، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى، والأعلى الأسفل.
وتوقف ابن جرير في قوله: {الْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ} هل هو النجوم، أو الظباء وبقر الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مرادا.
وقوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} فيه قولان:
أحدهما: إقباله بظلامه. قال مجاهد: أظلم.
وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ.
وقال الحسن البصري: إذا غَشى الناس.
وكذا قال عطية العوفي.
وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس: {إِذَا عَسْعَسَ} إذا أدبر.
وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، وكذا قال زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن: {إِذَا عَسْعَسَ} أي: إذا ذهب فتولى.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتَري، سمع أبا عبد الرحمن السلمي قال: خرج علينا علي، رضي الله عنه، حين ثَوّب المثوب بصلاة الصبح فقال: أين السائلون عن الوتر: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}؟ هذا حين أدبر حسن.
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: {إِذَا عَسْعَسَ} إذا أدبر. قال لقوله: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} أي: أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضا:
حَتّى إذا الصُّبحُ له تَنَفَّسا ** وانجابَ عَنها لَيلُها وعَسعَسَا

أي: أدبر. وعندي أن المراد بقوله: {عَسْعَسَ} إذا أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار، لكن الإقبال هاهنا أنسب؛ كأنه أقسم تعالى بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل: 1، 2]، وقال: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى: 1، 2]، وقال {فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} [الأنعام: 96]، وغير ذلك من الآيات.
وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة عسعس تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم.
قال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن عسعس: دنا من أوله وأظلم.
وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي يُنشد بيتًا:
عَسعَس حَتَّى لو يشاء ادّنا ** كانَ له من ضَوئه مَقبس

يريد: لو يشاء إذ دنا، أدغم الذال في الدال.
وقال الفراء: وكانوا يَرَون أن هذا البيت مصنوع.
وقوله: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} قال الضحاك: إذا طلع.
وقال قتادة: إذا أضاء وأقبل.
وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ. وهو المروي عن علي، رضي الله عنه.
وقال ابن جرير: يعني: وَضَوءُ النهار إذا أقبل وَتَبَيَّن.
وقوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} يعني: أن هذا القرآن لتبليغُ رسول كريم، أي: ملك شريف حَسَن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل، عليه الصلاة والسلام. قاله ابن عباس، والشعبي، وميمون بن مِهْران، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وغيرهم.
{ذِي قُوَّةٍ} كقوله {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} [النجم: 5، 6]، أي: شديد الخَلْق، شديد البطش والفعل، {عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} أي: له مكانة عند الله عز وجل ومنزلة رفيعة.
قال أبو صالح في قوله: {عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} قال: جبريل يدخل في سبعين حجابا من نور بغير إذن، {مُطَاعٍ ثَمَّ} أي: له وجاهة، وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى.
قال قتادة: {مُطَاعٍ ثَمَّ} أي: في السموات، يعني: ليس هو من أفناد الملائكة، بل هو من السادة والأشراف، مُعتَنى به، انتخب لهذه الرسالة العظيمة.
وقوله: {أَمِينٍ} صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدا أن الرب عز وجل يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل كما زكى عبده ورسوله البشري محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}
قال الشعبي، وميمون بن مهران، وأبو صالح، ومن تقدم ذكرهم: المراد بقوله: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ} يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله عز وجل على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح {بِالأفُقِ الْمُبِينِ} أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في قوله: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إَلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 5- 10]، كما تقدم تفسيرُ ذلك وتقريره. والدليلُ أن المرادَ بذلك جبريل، عليه السلام. والظاهر- والله أعلم- أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم: 13- 16]، فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعدسورة الإسراء.
وقوله: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} أي: وما محمد على ما أنزله الله إليه بظنين، أي: بمتهم. ومنهم من قرأ ذلك بالضاد، أي: ببخيل، بل يبذله لكل أحد.
قال سفيان بن عُيَينة: ظنين وضنين سواء، أي: ما هو بكاذب، وما هو بفاجر. والظنين: المتهم، والضنين: البخيل.
وقال قتادة: كان القرآن غيبا، فأنزله الله على محمد، فما ضَنّ به على الناس، بل بَلَّغه ونشره وبذله لكل من أراده.
وكذا قال عكرمة، وابن زيد، وغير واحد. واختار ابنُ جرير قراءة الضاد.
قلت: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح كما تقدم.
وقوله: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} أي: وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، أي: لا يقدر على حمله، ولا يريده، ولا ينبغي له. كما قال: {وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 210- 212].
وقوله: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ}؟ أي: فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره ووضوحه، وبيان كونه جاء من عند الله عز وجل، كما قال الصديق، رضي الله عنه، لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين، وأمرهم فتلوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة الذي هو في غاية الهذيان والركاكة، فقال: ويحكم، أين يُذهَب بعقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إلٍّ، أي: من إله.
وقال قتادة: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} أي: عن كتاب الله وعن طاعته.
وقوله: {إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} أي: هذا القرآن ذكر لجميع الناس، يتذكرون به ويتعظون، {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} أي: من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن، فإنه منجاةٌ له وهداية، ولا هداية فيما سواه، {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} أي: ليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله عز وجل رب العالمين.
قال سفيان الثوري، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم. فأنزل الله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (3)}.
آخر تفسير سورة التكوير ولله الحمد والمنة.

.سورة الانفطار:

وهي مكية.
قال النسائي: أخبرنا محمد بن قدامة، حدثنا جرير عن الأعمش، عن محارب بن دثَار، عن جابر قال: قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطوّل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفتان يا معاذ؟! [أفتان يا معاذ؟!] أين كنت عن سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت؟!».
وأصل الحديث مخرج في الصحيحين ولكن ذُكَر {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} في أفراد النسائي. وتقدم من رواية عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سَرَّه أن يَنْظُرَ إلى القيامة رأي عين فليقرأ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} و{إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} و{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}».
بسم الله الرحمن الرحيم

.تفسير الآيات (1- 12):

{إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)}
يقول تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} أي: انشقت. كما قال: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِه} [الزمر: 18].
{وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ} أي: تساقطت.
{وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: فجر الله بعضها في بعض.
وقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض، فذهب ماؤها.
وقال قتادة: اختلط مالحها بعذبها.
وقال الكلبي: ملئت.
{وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَت} قال ابن عباس: بُحِثَت.
وقال السدي: تُبَعثر: تُحرّك فيخرج من فيها.
{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} أي: إذا كان هذا حَصَل هذا.
وقوله: {يَاأَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}؟: هذا تهديد، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب؛ حيث قال: {الْكَرِيمِ} حتى يقول قائلهم: غره كرمه. بل المعنى في هذه الآية: ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم- أي: العظيم- حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: «يقول الله يوم القيامة: ابن آدم، ما غرك بي؟ ابن آدم، ماذا أجبتَ المرسلين؟».
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان: أن عمر سمع رجلا يقرأ: {يَاأَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} فقال عمر: الجهل.
وقال أيضا: حدثنا عمر بن شَبَّة، حدثنا أبو خلف، حدثنا يحيى البكاء، سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} قال ابن عمر: غره- والله- جهله.
قال: ورُوي عن ابن عباس، والربيع بن خُثَيم والحسن، مثل ذلك.
وقال قتادة: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} شيءٌ، ما غَرّ ابن آدم غير هذا العدو الشيطان.
وقال الفضيل بن عياض: لو قال لي: ما غرك بي لقلت: سُتُورك المُرخاة.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} لقلت: غرني كرم الكريم.
قال البغوي: وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال: {بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} دون سائر أسمائه وصفاته، كأنه لقنه الإجابة.
وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل؛ لأنه إنما أتى باسمه {الْكَرِيم}؛ لينبه على أنه لا ينبغي أن يُقَابَل الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال السوء.
وقد حكى البغوي، عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا نزلت هذه الآية في الأسود بن شَريق، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقب في الحالة الراهنة، فأنزل الله: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}؟.
وقوله: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} أي: ما غرك بالرب الكريم {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} أي: جعلك سَويا معتدل القامة منتصبها، في أحسن الهيئات والأشكال.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا حَريزُ، حدثني عبد الرحمن بن مَيسرة، عن جُبير ابن نُفَير، عن بُسْر بن جحَاش القرشي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما في كفه، فوضع عليها إصبعه، ثم قال: «قال اللَه عز وجل: ابن آدم أنَّى تُعجِزني وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتى إذا سَوّيتك وعدلتك، مشيت بين بردين وللأرض منك وَئِيدٌ، فجَمَعت ومَنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلتَ: أتصدقُ، وأنَّى أوانُ الصدقة».
وكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن حَريز بن عثمان، به.
قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزِّي: وتابعه يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن عبد الرحمن بن ميسرة.
وقوله: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} قال مجاهد: في أي شَبَه أب أو أم أو خال أو عم؟
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا مُطَهَّر بن الهيثم، حدثنا موسى بنُ عُلَيِّ بن رَبَاح، حدثني أبي، عن جدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ما ولد لك؟» قال: يا رسول الله، ما عسى أن يُولَد لي؟ إما غلام وإما جارية. قال: «فمن يشبه؟». قال: يا رسول الله، من عسى أن يشبه؟ إما أباه وإما أمه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عندها: «مه. لا تقولَنَّ هكذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم؟ أما قرأت هذه الآية في كتاب الله: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}» قال: سَلَكك.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني، من حديث مُطهر بن الهيثم، به وهذا الحديث لو صح لكان فيصلا في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت؛ لأن مُطَهَّر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث.
وقال ابن حبان: يُرْوى عن موسى بن علي وغيره ما لا يُشبهُ حَديثَ الأثبات. ولكن في الصحيحين عن أبي هُرَيرة أن رَجُلا قال: يا رسول الله، إن امرأتي وَلَدت غُلامًا أسودَ؟. قال: «هل لك من إبل؟». قال: نعم. قال: «فما ألوانها؟» قال: حُمر. قال: «فهل فيها من أورَق؟» قال: نعم. قال: «فأنى أتاها ذلك؟» قال: عسى أن يكون نزعة عِرْق. قال: «وهذا عسى أن يكون نزعة عرق».
وقد قال عكرمة في قوله: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير.
وكذا قال أبو صالح: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة خنزير.
وقال قتادة: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} قال: قادر- والله- ربنا على ذلك. ومعنى هذا القول عند هؤلاء: أن الله، عز وجل، قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام، حَسَن المنظر والهيئة.
وقوله: {كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} أي: بل إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي، تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب.
وقوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} يعني: وإن عليكم لملائكةً حَفَظَة كراما فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطُّنَافِسِيّ، حدثنا وَكيع، حدثنا سفيان ومِسْعَر، عن علقمة بن مَرْثَد، عن مجاهد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين: الجنابة والغائط. فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بحرم حائط أو ببعيره، أو ليستره أخوه».
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار، فوصله بلفظ آخر، فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حفص بن سليمان، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينهاكم عن التعرِّي، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم، الكرام الكاتبين، الذين لا يُفَارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات: الغائط، والجنابة، والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه، أو بحرم حائط، أو ببعيره».
ثم قال: حفص بن سليمان لين الحديث، وقد روي عنه، واحتمل حديثه.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا مُبَشّر بن إسماعيل الحلبي، حدثنا تمام ابن نَجِيح، عن الحسن- يعني البصري- عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من حافظين يرفعان إلى الله، عز وجل، ما حفظا في يوم، فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفار إلا قال الله تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفى الصحيفة».
ثم قال: تفرد به تمام بن نجيح، وهو صالح الحديث.
قلت: وثقه ابن معين وضعفه البخاري، وأبو زُرْعة، وابن أبي حاتم والنسائي، وابن عدي. ورماه ابن حبان بالوضع.
وقال الإمام أحمد: لا أعرف حقيقة أمره.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقُلُوسِي حدثنا بيان بن حمران حدثنا سلام، عن منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله ملائكة يعرفون بني آدم- وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم- فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسَمَّوه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان. وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله وذكروه بينهم وسموه، وقالوا: هلك الليلة فلان».
ثم قال البزار: سلام هذا، أحسبه سلام المدائني، وهو لين الحديث.