فصل: الآية رقم ‏(‏ 80 ‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرطبي المسمى بـ «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان» **


 الآية رقم ‏(‏ 45 ‏:‏ 46 ‏)‏

‏{‏قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون، ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين‏}‏

قوله تعالى‏{‏قل إنما أنذركم بالوحي‏{‏ أي أخوفكم وأحذركم بالقرآن‏.‏ ‏{‏ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون‏{‏ أي من أصم الله قلبه، وختم على سمعه، وجعل على بصره غشاوة، عن فهم الآيات وسماع الحق‏.‏ وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي ومحمد بن السميقع ‏{‏ولا يُسْمَع‏{‏ بياء مضمومة وفتح الميم على ما لم يسم فاعله ‏{‏الصم‏{‏ رفعا أي إن الله لا يسمعهم‏.‏ وقرأ ابن عامر والسلمي أيضا، وأبو حيوة ويحيى بن الحرث ‏{‏ولا تسمع‏{‏ بتاء مضمومة وكسر الميم ‏{‏الصم‏{‏ نصبا؛ أي إنك يا محمد ‏{‏لا تُسمع الصم الدعاء ‏{‏؛ فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ورد هذه القراءة بعض أهل اللغة‏.‏ وقال‏:‏ وكان يجب أن يقول‏:‏ إذا ما تنذرهم‏.‏ قال النحاس‏:‏ وذلك جائز؛ لأنه قد عرف المعنى‏.‏

قوله تعالى‏{‏ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك‏{‏ قال ابن عباس‏:‏ طرف‏.‏ قال قتادة‏:‏ عقوبة‏.‏ ابن كيسان‏:‏ قليل وأدنى شيء؛ مأخوذة من نفح المسك‏.‏ قال‏:‏

وعمرة من سروات النساء تنفح بالمسك أردانها

ابن جريج‏:‏ نصيب؛ كما يقال‏:‏ نفح فلان لفلان من عطائه، إذا أعطاه نصيبا من المال‏.‏ قال الشاعر‏:‏

لما أتيتك أرجو فضل نائلكم نفحتني نفحة طابت لها العرب

أي طابت لها النفس‏.‏ والنفحة في اللغة الدفعة اليسيرة؛ فالمعنى ولئن مسهم أقل شيء من العذاب‏.‏ ‏{‏ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين‏{‏ أي متعدين فيعترفون حين لا ينفعهم الاعتراف‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 47 ‏)‏

‏{‏ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا‏{‏ الموازين جمع ميزان‏.‏ فقيل‏:‏ إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في وكفة، والسيئات في كفة‏.‏ وقيل‏:‏ يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله؛ كما قال‏:‏

ملك تقوم الحادثات لعدله فلكل حادثة لها ميزان

ويمكن أن يكون ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع‏.‏ وخرج اللالكائي الحافظ أبو القاسم في سننه عن أنس يرفعه‏:‏ ‏(‏إن ملكا موكلا بالميزان فيؤتي بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن رجح نادي الملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقي بعدها أبدا وإن خف نادي الملك شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا‏)‏‏.‏ وخرج عن حذيفة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏(‏صاحب الميزان يوم القيامة جبريل عليه السلام‏)‏ وقيل‏:‏ للميزان كفتان وخيوط ولسان والشاهين؛ فالجمع يرجع إليها‏.‏ وقال مجاهد وقتادة والضحاك‏:‏ ذكر الميزان مثل وليس ثم ميزان وإنما هو العدل‏.‏ والذي وردت به الأخبار وعليه السواد الأعظم القول الأول‏.‏ وقد مضى في ‏{‏الأعراف‏{‏ بيان هذا، وفي ‏{‏الكهف‏{‏ أيضا‏.‏ وقد ذكرناه في كتاب ‏{‏التذكرة‏{‏ مستوفى والحمد لله‏.‏ و‏{‏القسط‏{‏ العدل أي ليس فيها بخس ولا ظلم كما يكون في وزن الدنيا‏.‏ و‏{‏القسط‏{‏ صفة الموازين ووحد لأنه مصدر؛ يقال‏:‏ ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط‏.‏ مثل رجال عدل ورضا‏.‏ وقرأت فرقة ‏{‏القصط‏{‏ بالصاد‏.‏ ‏{‏ليوم القيامة‏{‏ أي لأهل يوم القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى في يوم القيامة‏.‏ ‏{‏فلا تظلم نفس شيئا‏{‏ أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيء‏.‏ ‏{‏وإن كان مثقال حبة من خردل‏{‏ قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر ‏{‏مثقال حبة‏{‏ بالرفع هنا؛ وفي ‏{‏لقمان‏{‏ على معنى إن وقع أو حضر؛ فتكون كان تامة ولا تحتاج إلى خبر الباقون ‏{‏مثقال‏{‏ بالنصب على معنى وإن كان العمل أو ذلك الشيء مثقال‏.‏ ومثقال الشيء ميزانه من مثله‏.‏ ‏{‏أتينا بها‏{‏ مقصورة الألف قراءة الجمهور أي أحضرناها وجئنا بها للمجازاة عليها ولها‏.‏ يجاء بها أي بالحجة ولو قال به أي بالمثقال لجاز‏.‏ وقيل‏:‏ مثقال الحبة ليس شيئا غير الحبة فلهذا قال‏{‏أتينا بها‏{‏‏.‏ وقرأ مجاهد وعكرمة ‏{‏آتينا‏{‏ بالمد على معنى جازينا بها‏.‏ يقال آتى يؤاتي مؤاتاة‏.‏ ‏{‏وكفى بنا حاسبين‏{‏ أي محاسبين على ما قدموه من خير وشر‏.‏ وقيل‏{‏حاسبين‏{‏ إذ لا أحد أسرع حسابا منا‏.‏ والحساب العد‏.‏ روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها‏:‏ أن رجلا قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إن مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل‏)‏ قال‏:‏ فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏أما تقرأ كتاب الله تعالى‏{‏ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا‏{‏‏)‏ فقال الرجل‏:‏ والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم‏.‏ قال حديث غريب‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 48 ‏:‏ 50 ‏)‏

‏{‏ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين، الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون، وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء‏{‏ وحكي عن ابن عباس وعكرمة ‏{‏الفرقان ضياء‏{‏ بغير واو على الحال‏.‏ وزعم الفراء أن حذف الواو والمجيء بها واحد، كما قال عز وجل‏{‏إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا‏}‏الصافات‏:‏ 6 - 7‏]‏ أي حفظا‏.‏ ورد عليه هذا القول الزجاج‏.‏ قال‏:‏ لأن الواو تجيء لمعنى فلا تزاد قال‏:‏ وتفسير ‏{‏الفرقان‏{‏ التوراة؛ لأن فيها الفرق بين الحرام والحلال‏.‏ قال‏{‏وضياء‏{‏ مثل ‏{‏فيه هدى ونور‏{‏ وقال ابن زيد‏{‏الفرقان‏{‏ هنا هو النصر على الأعداء؛ دليله قوله تعالى‏{‏وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان‏}‏الأنفال‏:‏ 41‏]‏ يعني يوم بدر‏.‏ قال الثعلبي‏:‏ وهذا القول أشبه بظاهر الآية؛ لدخول الواو في الضياء؛ فيكون معنى الآية‏:‏ ولقد أتينا موسى وهارون النصر والتوراة التي هي الضياء والذكر‏.‏ ‏{‏الذين يخشون ربهم بالغيب‏{‏ أي غائبين؛ لأنهم لم يروا الله تعالى، بل عرفوا بالنظر‏.‏ والاستدلال أن لهم ربا قادرا، يجازي على الأعمال فهم يخشونه في سرائرهم، وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس‏.‏

‏{‏وهم من الساعة‏{‏ أي من قيامها قبل التوبة‏.‏ ‏{‏مشفقون‏{‏ أي خائفون وجلون

قوله تعالى‏{‏وهذا ذكر مبارك أنزلناه‏{‏ يعني القرآن ‏{‏أفأنتم له‏{‏ يا معشر العرب ‏{‏منكرون‏{‏ وهو معجز لا تقدرون على الإتيان بمثله‏.‏ وأجاز الفراء ‏{‏وهذا ذكر مباركا أنزلناه‏{‏ بمعنى أنزلناه مباركا‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 51 ‏)‏

‏{‏ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولقد آتينا إبراهيم رشده‏{‏ قال الفراء‏:‏ أي أعطياه هداه‏.‏ ‏{‏من قبل‏{‏ أي من قبل النبوة؛ أي وفقناه للنظر والاستدلال، لما جن عليه الليل فرأى النجم والشمس والقمر‏.‏ وقيل‏{‏من قبل‏{‏ أي من قبل موسى وهارون‏.‏ والرشد على هذا النبوة‏.‏ وعلى الأول أكثر أهل التفسير؛ كما قال ليحيى‏{‏وآتيناه الحكم صبيا‏}‏مريم‏:‏ 12 ‏]‏‏.‏ وقال القرظي‏:‏ رشده صلاحه‏.‏ ‏{‏وكنا به عالمين‏{‏ أي إنه أهل لإيتاء الرشد وصالح للنبوة‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 52 ‏:‏ 56 ‏)‏

‏{‏إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين، قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين، قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين، قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين‏}‏

قوله تعالى‏{‏إذ قال لأبيه وقومه‏{‏ قيل‏:‏ المعنى أي اذكر حين قال لأبيه؛ فيكون الكلام قد تم عند قوله‏{‏وكنا به عالمين‏{‏‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى؛ ‏{‏وكنا به عالمين إذ قال‏{‏ فيكون الكلام متصلا ولا يوقف على قوله‏{‏عالمين‏{‏‏.‏ ‏{‏لأبيه‏{‏ وهو آزر ‏{‏وقومه‏{‏ نمرود ومن اتبعه‏.‏ ‏{‏ما هذه التماثيل‏{‏ أي الأصنام‏.‏ والتمثال اسم موضوع للشيء المصنوع مشبها بخلق من بخلق الله تعالى‏.‏ يقال‏:‏ مثلت الشيء بالشيء أي شبهته به‏.‏ واسم ذلك الممثل تمثال‏.‏ ‏{‏التي أنتم لها عاكفون‏{‏ أي مقيمون على عبادتها‏.‏ ‏{‏قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين‏{‏ أي نعبدها تقليدا لأسلافنا‏.‏ ‏{‏قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين‏{‏ أي في خسران بعبادتها؛ إذ هي جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تعلم‏.‏ ‏{‏قالوا أجئتنا بالحق‏{‏ أي أجاء أنت بحق فيما تقول‏؟‏ ‏{‏أم أنت من اللاعبين‏{‏ أي لاعب مازح‏.‏ ‏{‏قال بل ربكم رب السماوات والأرض‏{‏ أي لست بلاعب، بل ربكم والقائم بتدبيركم خالق السموات والأرض‏.‏ ‏{‏الذي فطرهن‏{‏ أي خلقهن وأبدعهن‏.‏ ‏{‏وأنا على ذلكم من الشاهدين‏{‏ أي على أنه رب السموات والأرض‏.‏ والشاهد يبين الحكم، ومنه ‏{‏شهد الله‏}‏آل عمران‏:‏ 18‏]‏ بين الله؛ فالمعنى‏:‏ وأنا أبين بالدليل ما أقول‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 57 ‏:‏ 58 ‏)‏

‏{‏وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين، فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون‏}‏

قوله تعالى‏{‏وتالله لأكيدن أصنامكم‏{‏ أخبر أنه لم يكتف بالمحاجة باللسان بل كسر أصنامهم فعل واثق بالله تعالى، موطن نفسه على مقاساة المكروه في الذب عن الدين‏.‏ والتاء في ‏{‏تالله‏{‏ تختص في القسم باسم الله وحده، والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر ومظهر‏.‏ قال الشاعر‏:‏

تالله يبقي على الأيام ذو حيد بمشمخر به الظيان والآس

وقال ابن عباس‏:‏ أي وحرمة الله لأكيدن أصنامكم، أي لأمكرن بها‏.‏ والكيد المكر‏.‏ كاده يكيده كيدا ومكيدة، وكذلك المكايدة؛ وربما سمي الحرب كيدا؛ يقال‏:‏ غزا فلان فلم يلق كيدا، وكل شيء تعالجه فأنت تكيده‏.‏ ‏{‏بعد أن تولوا مدبرين‏{‏ أي منطلقين ذاهبين‏.‏ وكان لهم في كل سنة عيد يجتمعون فيه، فقالوا لإبراهيم‏:‏ لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا - روي ذلك عن ابن مسعود على ما يأتي بيانه في ‏{‏والصافات‏{‏ - فقال إبراهيم في نفسه‏{‏وتالله لأكيدهم أصنامكم‏{‏‏.‏ قال مجاهد وقتادة‏:‏ إنما قال ذلك إبراهيم في سر من قومه، ولم يسمعه إلا رجل‏.‏ واحد وهو الذي أفشاه عليه والواحد يخبر عنه بخبر الجمع إذا كان ما أخبر به مما يرضى به غيره ومثله ‏{‏يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأزل‏}‏المنافقون‏:‏ 8‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ إنما قاله بعد خروج القوم، ولم يبق منهم إلا الضعفاء فهم الدين سمعوه‏.‏ وكان إبراهيم احتال في التخلف عنهم بقوله‏{‏إني سقيم‏}‏الصافات‏:‏ 89‏]‏ أي ضعيف عن الحركة‏.‏

قوله تعالى‏{‏فجعلهم جذاذا‏{‏ أي فتاتا‏.‏ والجذ الكسر والقطع؛ جذذت الشيء كسرته وقطعته‏.‏ والجذاذ والجذاذ ما كسر منه، والضم أفصح من كسره‏.‏ قاله الجوهري‏.‏ الكسائي‏:‏ ويقال لحجارة الذهب جذاذ؛ لأنها تكسر‏.‏ وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن ‏{‏جذاذا‏{‏ بكسر الجيم؛ أي كسرا وقطعا جمع جذيذ وهو الهشيم، مثل خفيف وخفاف وظريف وظراف‏.‏ قال الشاعر‏:‏

جذذ الأصنام في محرابها ذاك في الله العلي المقتدر

الباقون بالضم؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم‏.‏ ‏[‏مثل‏]‏ الحطام والرفات الواحدة جذاذة‏.‏ وهذا هو الكيد الذي أقسم به ليفعلنه بها‏.‏ وقال‏{‏فجعلهم‏{‏؛ لأن القوم اعتقدوا في أصنامهم الإلهية‏.‏ وقرأ ابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال ‏{‏جذاذا‏{‏ بفتح الجيم؛ والفتح والكسر لغتان كالحصاد والحصاد‏.‏ أبو حاتم‏:‏ الفتح والكسر والضم بمعنى؛ حكاه قطرب‏.‏ ‏{‏إلا كبيرا لهم‏{‏ أي عظيم الآلهة في الخلق فإنه لم يكسره‏.‏ وقال السدي ومجاهد‏:‏ ترك الصنم الأكبر وعلق الفأس الذي كسر به الأصنام في عنقه؛ ليحتج به عليهم‏.‏ ‏{‏لعلهم إليه يرجعون‏{‏ أي إلى إبراهيم دينه ‏{‏يرجعون‏{‏ إذا قامت الحجة عليهم‏.‏ وقيل‏{‏لعلهم إليه‏{‏ أي إلى الصنم الأكبر ‏{‏يرجعون‏{‏ في تكسيرها‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 59 ‏:‏ 61 ‏)‏

‏{‏قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون‏}‏

قوله تعالى‏{‏قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين‏{‏ المعنى لما رجعوا من عيدهم ورأوا ما أحدث بآلهتهم، قالوا على جهة البحث والإنكار‏{‏من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين‏{‏‏.‏ وقيل‏{‏من‏{‏ ليس استفهاما، بل هو ابتداء وخبره ‏{‏لمن الظالمين‏{‏ أي فاعل هذا ظالم‏.‏ والأول أصح لقوله‏{‏سمعنا فتى يذكرهم‏{‏ وهذا هو جواب ‏{‏من فعل هذا‏{‏‏.‏ والضمير في ‏{‏قالوا‏{‏ للقوم الضعفاء الذين سمعوا إبراهيم، أو الواحد على ما تقدم‏.‏ ومعنى ‏{‏يذكرهم‏{‏ يعيبهم ويسبهم فلعله الذي صنع هذا‏.‏ واختلف الناس في وجه رفع إبراهيم؛ فقال الزجاج يرتفع على معنى يقال له هو إبراهيم؛ فيكون ‏(1)‏ محذوف، والجملة محكية‏.‏ قال‏:‏ ويجوز أن يكون رفعا على النداء وضمه بناء، وقام له مقام ما لم يسم فاعله‏.‏ وقيل‏:‏ رفعه على أنه مفعول ما لم يسم فاعله؛ على أن يجعل إبراهيم غير دال على الشخص، بل يجعل النطق به دالا على بناء هذه اللفظة أي يقال له هذا القول وهذا اللفظ، كما تقول زيد وزن، فعل، أو زيد ثلاثة أحرف، فلم تدل بوجه الشخص، بل دللت بنطقك على نفس اللفظة‏.‏ وعلى هذه الطريقة تقول‏:‏ قلت إبراهيم، ويكون مفعولا صحيحا نزلته منزلة قول وكلام؛ فلا يتعذر بعد ذلك أن يبني الفعل فيه للمفعول‏.‏ هذا اختيار ابن عطية في رفعه‏.‏ وقال الأستاذ أبو الحجاج الأشبيلي الأعلم‏:‏ هو رفع على الإهمال‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ لما رأى وجوه الرفع كأنها لا توضح المعنى الذي قصدوه، ذهب إلى رفعه بغير شيء، كما قد يرفع التجرد والعرو عن العوامل الابتداء‏.‏ والفتى الشاب والفتاة الشابة‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ما أرسل الله نبيا إلا شابا‏.‏ ثم قرأ‏{‏سمعنا فتى يذكرهم‏{‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏قالوا فأتوا به على أعين الناس‏{‏ فيه مسألة واحدة، وهي أنه لما بلغ الخبر نمرود وأشراف قومه، كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، فقالوا‏:‏ ائتوا به ظاهرا بمرأى من الناس حتى يروه ‏{‏لعلهم يشهدون‏{‏ عليه بما قال؛ ليكون ذلك حجة عليه‏.‏ وقيل‏{‏لعلهم يشهدون‏{‏ عقابه فلا يقدم أحد على مثل ما أقدم عليه‏.‏ أو لعل قوما ‏{‏يشهدون‏{‏ بأنهم رأوه يكسر الأصنام، أو ‏{‏لعلهم يشهدون‏{‏ طعنه على آلهتهم؛ ليعلموا أنه يستحق العقاب‏.‏

قلت‏:‏ وفي هذا دليل على أنه كان لا يؤاخذ أحد بدعوى أحد فيما تقدم؛ لقوله تعالى‏{‏فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون‏{‏ وهكذا الأمر في شرعنا ولا خلاف فيه‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏ 62 ‏:‏ 63 ‏)‏">

الآية رقم ‏(‏ 62 ‏:‏ 63 ‏)‏

‏{‏قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون‏}‏

قوله تعالى‏{‏قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم‏{‏ لما لم يكن السماع عاما ولا ثبتت الشهادة استفهموه هل فعل أم لا‏؟‏ وفي الكلام حذف فجاء إبراهيم حين أتى به فقالوا أأنت فعلت هذا بالآلهة‏؟‏ فقال لهم إبراهيم على جهة الاحتجاج عليهم‏{‏بل فعله كبيرهم هذا‏{‏‏.‏ فقال لهم إبراهيم على جهة الاحتجاج عليهم‏{‏بل فعله كبيرهم هذا‏{‏‏.‏ أي إنه غار وغضب من أن يعبد هو ويعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك، إن كانوا ينطقون فاسألوهم‏.‏ فعلق فعل الكبير بنطق الآخرين؛ تنبيها لهم على فساد اعتقادهم‏.‏ كأنه قال‏:‏ بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء‏.‏ وفي الكلام تقديم على هذا التأويل في قوله‏{‏فاسألوهم إن كانوا ينطقون‏{‏‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون‏.‏ بين أن من لا يتكلم ولا يعلم ولا يستحق أن يعبد‏.‏ وكان قول من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب‏.‏ أي سلوهم إن نطقوا فإنهم يصدقون، وإن لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل‏.‏ وفي ضمن هذا الكلام اعتراف بأنه هو الفاعل وهذا هو الصحيح لأنه عدده على نفسه، فدل أنه خرج مخرج التعريض‏.‏ وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة من دون الله، كما قال إبراهيم لأبيه‏{‏يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر‏}‏مريم‏:‏ 42‏]‏ - الآية - فقال إبراهيم‏{‏بل فعله كبيرهم هذا‏{‏ ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون؛ فيقول لهم فلم تعبدونهم‏؟‏ فتقوم عليهم الحجة منهم، ولهذا يجوز عند الأمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه؛ فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة، كما قال لقومه‏{‏هذا ربي‏{‏ وهذه أختي و‏{‏إني سقيم‏{‏ وبل فعله كبيرهم هذا ‏{‏وقرأ ابن السميقع ‏{‏بل فعله‏{‏ بتشديد اللام بمعنى فلعل الفاعل كبيرهم‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ الوقف عند قوله‏{‏بل فعله‏{‏ أي فعله من فعله؛ ثم يبتدئ ‏{‏كبيرهم هذا‏{‏‏.‏ وقيل‏:‏ أي لم ينكرون أن يكون فعله كبيرهم‏؟‏ فهذا إلزام بلفظ الخبر‏.‏ أي من اعتقد عبادتها يلزمه أن يثبت لها فعلا؛ والمعنى‏:‏ بل فعله كبيرهم فيما يلزمكم‏.‏

روى البخاري ومسلم والترمذي أبى عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لم يكذب إبراهيم النبي في شيء قط إلا في ثلاث‏{‏إني سقيم‏}‏الصافات‏:‏ 89‏]‏ وقوله لسارة أختي وقوله ‏{‏بل فعله كبيرهم‏{‏‏)‏ لفظ الترمذي‏.‏ وقال‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ ووقع في الإسراء في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة إبراهيم قال‏:‏ وذكر قوله في الكوكب ‏{‏هذا ربي‏{‏‏.‏ فعلى هذا تكون الكذبات أربعا إلا أن الرسول قد نفى تلك بقوله‏:‏ ‏(‏لم يكذب إبراهيم النبي قط إلا في ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله‏{‏إني سقيم‏}‏الصافات‏:‏ 89‏]‏ وقوله‏{‏بل فعله كبيرهم‏{‏ وواحدة في شأن سارة‏)‏ الحديث لفظ مسلم وإنما يعد عليه قوله في الكوكب‏{‏هذا ربي‏}‏الأنعام‏:‏ 78‏]‏ كذبة وهي داخلة في الكذب؛ لأنه - والله أعلم - كان حين قال ذلك في حال الطفولة، وليست حالة تكليف‏.‏ أو قال لقومه مستفهما لهم على جهة التوبيخ الإنكار، وحذفت همزة الاستفهام‏.‏ أو على طريق الاحتجاج على قومه‏:‏ تنبيها على أن ما لا يصلح للربوبية‏.‏ وقد تقدمت هذه الوجوه كلها في ‏{‏الأنعام‏{‏ مبينة والحمد لله‏.‏

قال القاضي أبو بكر بن العربي‏:‏ في هذا الحديث نكتة عظمى تقصم الظهر، وهي أنه عليه السلام قال‏:‏ ‏(‏لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث كذبات ثنتين ما حل بهما عن دين الله وهما قول ‏{‏إني سقيم‏}‏الصافات‏:‏ 89‏]‏ وقوله ‏{‏بل فعله كبيرهم‏{‏ ولم يعد ‏[‏قوله‏]‏ هذه أختي في ذات الله تعالى وإن كان دفع بها مكروها، ولكنه لما كان لإبراهيم عليه السلام فيها حظ من صيانة فراشه وحماية أهله، لم يجعلها في ذات الله؛ وذلك لأنه لا يجعل في جنب الله وذاته إلا العمل الخالص من شوائب الدنيا، والمعاريض التي ترجع إلى النفس إذا خلصت للدين كانت لله سبحانه، كما قال‏{‏ألا لله الدين الخالص‏}‏الزمر‏:‏ 3‏]‏‏.‏ وهذا لو صدر منا لكان لله، لكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا‏.‏ والله أعلم‏.‏

قال علماؤنا‏:‏ الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه‏.‏ والأظهر أن قول إبراهيم فيما أخبر عنه عليه السلام كان من المعاريض، وإن كانت معاريض وحسنات وحججا في الخلق ودلالات، لكنها أثرت في الرتبة، وخفضت عن محمد المنزلة، واستحيا منها قائلها، على ما ورد في حديث الشفاعة؛ فإن الأنبياء مما لا يشفق منه غيرهم إجلالا لله؛ فإن الذي كان يليق بمرتبته في النبوة والخلة، أن يصدع بالحق ويصرح بالحق لأمر كيفما كان، ولكنه رخص له فقبل الرخصة فكان ما كان من القصة؛ والقصة جاء في حديث الشفاعة ‏(‏إنما اتخذت خليلا من وراء وراء‏)‏ بنصب وراء فيهما على البناء كخمسة عشر، وكما قالوا جاري بيت بيت‏.‏ ووقع في بعض نسخ مسلم ‏(‏من وراء من وراء‏)‏ بإعادة من، وحينئذ لا يجوز البناء على الفتح، وإنما يبني كل واحد منهما على الضم؛ لأنه قطع عن الإضافة ونوى المضاف كقبل وبعد، وإن لم ينو المضاف أعرب ونون غير أن وراء لا ينصرف؛ لأن ألفه للتأنيث؛ لأنهم قالوا في تصغيرها ورية؛ قال الجوهري‏:‏ وهي شاذة‏.‏ فعلى هذا الفتح فيهما مع وجود ‏{‏من‏{‏ فيهما‏.‏ والمعنى إني كنت خليلا متأخرا عن غيري‏.‏ ويستفاد من هذا أن الخلة لم تصح بكمالها إلا لمن صح له في ذلك اليوم المقام المحمود كما تقدم‏.‏ وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏ 64 ‏:‏ 69 ‏)‏">

الآية رقم ‏(‏ 64 ‏:‏ 69 ‏)‏

‏{‏فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون، ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون، قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم، أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون‏}‏

قوله تعالى‏{‏فرجعوا إلى أنفسهم‏{‏ أي رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته، المتفطن لصحة حجه خصمه ‏{‏فقالوا إنكم أنتم الظالمون‏{‏ أي بعبادة من لا ينطق بلفظة، ولا يملك لنفسه لحظة، وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس، من لا يرد عن رأسه الفأس‏.‏ ‏{‏ثم نكسوا على رؤوسهم‏{‏ أي عادوا إلى جهلهم وعبادتهم فقالوا ‏{‏لقد علمت ما هؤلاء ينطقون‏{‏ فـ ‏{‏قال‏{‏ قاطعا لما به يهذون، ومفحما لهم فيما يتقولون ‏{‏أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم‏.‏ أف لكم‏{‏ أي النتن لكم ‏{‏ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون‏{‏‏.‏ وقيل‏{‏نكسوا على رؤوسهم‏{‏ أي طأطأوا رؤوسهم خجلا من إبراهيم، وفيه نظر؛ لأنه لم يقل نكسوا رؤوسهم، بفتح الكاف بل قال‏{‏نكسوا على رؤوسهم‏{‏ أي ردوا على ما كانوا عليه في أول الأمر وكذا قال ابن عباس، قال‏:‏ أدركهم الشقاء فعادوا إلى كفرهم‏.‏

‏{‏قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين، قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم‏}‏

قوله تعالى‏{‏قالوا حرقوه‏{‏ لما انقطعوا بالحجة أخذتهم عزة بإثم وانصرفوا إلى طريق الغشم والغلبة وقالوا حرقوه‏.‏ روي أن قائل هذه المقالة هو رجل من الأكراد من أعراب فارس؛ أي من باديتها؛ قال ابن عمرو ومجاهد وابن جريج‏.‏ ويقال‏:‏ اسمه هيزر فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ بل قال ملكهم نمرود‏.‏ ‏{‏وانصروا آلهتكم‏{‏ بتحريق إبراهيم لأنه يسبها ويعيبها‏.‏ وجاء في الخبر‏:‏ أن نمرود بنى صرحا طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ وجمعوا الحطب شهرا ثم أوقدوها، واشتعلت واشتدت، حتى أن كان الطائر ليمر بجنباتها فيحترق من شدة وهجها‏.‏ ثم قيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولا‏.‏ ويقال‏:‏ إن إبليس صنع لهم المنجنيق يومئذ‏.‏ فضجت السموات والأرض ومن فيهن من الملائكة وجميع الخلق، إلا الثقلين ضجة واحدة‏:‏ ربنا‏!‏ إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره يحرق فيك فأذن لنا في نصرته‏.‏ فقال الله تعالى‏{‏إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه‏{‏ فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خزان الماء - وهو في الهواء - فقالوا‏:‏ يا إبراهيم إن أردت أخمدنا النار بالماء‏.‏ فقال‏:‏ لا حاجة لي إليكم‏.‏ وأتاه ملك الريح فقال‏:‏ لو شئت طيرت النار‏.‏ فقال‏:‏ لا‏.‏ ثم رفع رأسه إلى السماء فقال‏{‏اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل‏{‏‏.‏ وروى أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏إن إبراهيم حين قيدوه ليلقوه في النار قال لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك‏)‏ قال‏:‏ ثم رموا به في المنجنيق من مضرب شاسع، فاستقبله جبريل؛ فقال‏:‏ يا إبراهيم ألك حاجة‏؟‏ قال‏{‏أما إليك فلا‏{‏‏.‏ فقال جبريل‏:‏ فاسأل ربك‏.‏ فقال‏{‏حسبي من سؤالي علمه بحالي‏{‏‏.‏ فقال الله تعالى وهو أصدق القائلين‏{‏يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم‏{‏ قال بعض العلماء‏:‏ جعل الله فيها بردا يرفع حرها، وحرا يرفع بردها، فصارت سلاما عليه‏.‏ قال أبو العالية‏:‏ ولو لم يقل ‏{‏بردا وسلاما‏{‏ لكان بردها أشد عليه من حرها، ولو لم يقل ‏{‏على إبراهيم‏{‏ لكان بردها باقيا على الأبد‏.‏ وذكر بعض العلماء‏:‏ أن الله تعالى أنزل زربية من الجنة فبسطها في الجحيم، وأنزل الله ملائكة‏:‏ جبريل وميكائيل وملك البرد وملك السلام‏.‏ وقال علي وابن عباس‏:‏ لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها، ولم تبق يومئذ نار إلا طفئت ظنت أنها تعني‏.‏ قال السدي‏:‏ وأمر الله كل عود من شجرة أن يرجع إلى شجره ويطرح ثمرته‏.‏ وقال كعب وقتادة‏:‏ لم تحرق النار من إبراهيم إلا وثاقه‏.‏ فأقام في النار سبعة أيام لم يقدر أحد أن يقرب من النار، ثم جاؤوا فإذا هو قائم يصلي‏.‏ وقال المنهال بن عمرو قال إبراهيم‏{‏ما كنت أياما قط أنعم مني في الأيام التي كنت فيها في النار‏{‏‏.‏ وقال كعب وقتادة والزهري‏:‏ ولم تبق يومئذ دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه؛ فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها وسماها فويسقة‏.‏ وقال شعيب الحماني‏:‏ ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست وعشرين سنة‏.‏ ذكر الأول الثعلبي، والثاني الماوردي؛ فالله أعلم‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ بردت نيران الأرض جميعا فما أنضجت كراعا، فرآه نمرود من الصراح وهو جالس على السرير يؤنسه ملك الظل‏.‏ فقال‏:‏ نعم الرب ربك‏!‏ لأقربن له أربعة آلاف بقرة وكف عنه‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏ 70 ‏:‏ 73 ‏)‏">

الآية رقم ‏(‏ 70 ‏:‏ 73 ‏)‏

‏{‏وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين، ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين، ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين‏}‏

قوله تعالى‏{‏وأرادوا به كيدا‏{‏ أي أراد نمرود وأصحابه أن يمكروا به ‏{‏فجعلناهم الأخسرين‏{‏ في أعمالهم، ورددنا مكرهم عليهم بتسليط أضعف خلقنا‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ سلط الله عليهم أضعف خلقه البعوض، فما برح نمرود حتى رأى عظام أصحابه وخيله تلوح، أكلت لحومهم وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في منخره فلم تزل تأكل إلى أن وصلت دماغه، وكان أكوم الناس عليه الذي يضرب رأسه بمرزبة من حديد‏.‏ فأقام بهذا نحوا من أربعمائة سنة‏.‏

قوله تعالى‏{‏ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين‏{‏ يريد نجينا إبراهيم ولوطا إلى أرض الشام وكانا بالعراق‏.‏ وكان ‏{‏إبراهيم‏{‏ عليه السلام عمه؛ قال ابن عباس‏.‏ وقيل‏:‏ لها مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها؛ ولأنها معادن الأنبياء‏.‏ والبركة ثبوت الخير، ومنه برك البعير إذا لزم مكانه فلم يبرح‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ الأرض المباركة مكة‏.‏ وقيل‏:‏ بيت المقدس؛ لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء، وهي أيضا كثيرة الخصب والنمو، عذبة الماء، ومنها يتفرق في الأرض‏.‏ قال أبو العالية‏:‏ ليس ماء عذب إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس، ثم يتفرق في الأرض‏.‏ ونحوه عن كعب الأحبار‏.‏ وقيل‏:‏ الأرض المباركة مصر‏.‏

قوله تعالى‏{‏ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة‏{‏ أي زيادة؛ لأنه دعا في إسحاق وزيد في يعقوب من غير دعاء فكان ذلك نافلة؛ أي زيادة على ما سأل؛ إذ قال‏{‏رب هب لي من الصالحين‏}‏الصافات‏:‏ 100‏]‏‏.‏ ويقال لولد الولد نافلة؛ لأنه زيادة على الولد‏.‏ ‏{‏وكلا جعلنا صالحين‏{‏ أي وكلا من إبراهيم وإسحاق ويعقوب جعلناه صالحا عاملا بطاعة الله‏.‏ وجعلهم صالحين إنما يتحقق بخلق الصلاح والطاعة لهم، وبخلق القدرة على الطاعة، ثم ما يكتسبه العبد فهو مخلوق لله تعالى‏.‏

قوله تعالى‏{‏وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا‏{‏ أي رؤساء يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات‏.‏ ومعنى ‏{‏بأمرنا‏{‏ أي بما أنزلنا عليهم من الوحي والأمر والنهي؛ فكأنه قال يهدون بكتابنا وقيل‏:‏ المعنى يهدون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم بإرشاد الخلق، ودعائهم إلى التوحيد‏.‏ ‏{‏وأوحينا إليهم فعل الخيرات‏{‏ أي أن يفعلوا الطاعات‏.‏ ‏{‏وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين‏{‏ أي مطيعين‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏ 74 ‏:‏ 75 ‏)‏">

الآية رقم ‏(‏ 74 ‏:‏ 75 ‏)‏

‏{‏ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين، وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولوطا آتيناه حكما وعلما‏{‏ ‏{‏لوطا‏{‏ منصوب بفعل مضمر دل عليه الثاني؛ أي وآتينا لوطا آتيناه‏.‏ وقيل‏:‏ أي واذكر لوطا‏.‏ والحكم النبوة، والعلم المعرفة بأمر الدين وما يقع به الحكم بين الخصوم‏.‏ وقيل‏{‏علما‏{‏ فهما؛ والمعنى واحد‏.‏ ‏{‏ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث‏{‏ يريد سدوم‏.‏ ابن عباس‏:‏ كانت سبع قرى، قلب جبريل عليه السلام ستة وأبقي واحدة للوط وعياله، وهي زغر التي فيها الثمر من كورة فلسطين إلى حد السراة؛ ولها قرى كثيرة إلى حد بحر الحجاز وفي الخبائث التي كانوا يعملونها قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ اللواط على ما تقدم‏.‏ والثاني‏:‏ الضراط؛ أي كانوا يتضارطون في ناديهم ومجالسهم‏.‏ وقيل‏:‏ الضراط وحذف الحصي وسيأتي‏.‏ ‏{‏إنهم كانوا قوم سوء فاسقين‏{‏ أي خارجين عن طاعة الله، والفسوق الخروج وقد تقدم‏.‏ ‏{‏وأدخلناه في رحمتنا‏{‏ في النبوة‏.‏ وقيل‏:‏ في الإسلام‏.‏ وقيل‏:‏ الجنة‏.‏ وقيل‏:‏ عنى بالرحمة إنجاءه من قومه ‏{‏إنه من الصالحين‏{‏‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏ 76 ‏:‏ 77 ‏)‏">

الآية رقم ‏(‏ 76 ‏:‏ 77 ‏)‏

‏{‏ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم، ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ونوحا إذ نادى من قبل‏{‏ أي واذكر نوحا إذ نادى؛ أي دعا‏.‏ ‏{‏من قبل‏{‏ أي من قبل إبراهيم ولوط على قومه، وهو قوله‏{‏رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا‏}‏نوح‏:‏ 26‏]‏ وقال لما كذبوه‏{‏أني مغلوب فانتصر‏}‏القمر‏:‏ 10‏]‏‏.‏ ‏{‏فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم‏{‏ أي من الغرق‏.‏ والكرب الغم الشديد ‏{‏وأهله‏{‏ أي المؤمنين منهم‏.‏ ‏{‏ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا‏{‏ قال أبو عبدة‏{‏من‏{‏ بمعنى على‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى فانتقمنا له ‏{‏من القوم الذين كذبوا بآياتنا‏{‏‏.‏ ‏{‏فأغرقناهم أجمعين‏{‏ أي الصغير منهم والكبير‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏ 78 ‏:‏ 79 ‏)‏">

الآية رقم ‏(‏ 78 ‏:‏ 79 ‏)‏

‏{‏وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين‏}‏

قوله تعالى‏{‏وداود وسليمان إذ يحكمان‏{‏ أي واذكرهما إذ يحكمان، ولم يرد بقوله ‏{‏إذ يحكمان‏{‏ الاجتماع في الحكم وإن جمعهما في القول؛ فإن حكمين على حكم واحد لا يجوز‏.‏ وإنما حكم كل واحد منهما انفراده؛ وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم الله تعالى إياه‏.‏ ‏{‏في الحرث‏{‏ اختلف فيه على قولين‏:‏ فقيل‏:‏ كان زرعا؛ قال قتادة‏.‏ وقيل‏:‏ كرما نبت عنا قيده؛ قال ابن مسعود وشريح‏.‏ و‏{‏الحرث‏{‏ يقال فيهما، وهو في الزرع أبعد من الاستعارة‏.‏ ‏{‏إذ نفشت فيه غنم القوم‏{‏ أي رعت فيه ليلا؛ والنفش الرعي بالليل‏.‏ يقال‏:‏ نفشت بالليل، وهملت بالنهار، إذا رعت بلا راع‏.‏ وأنفشها صاحبها‏.‏ وإبل نفاش‏.‏ وفي حديث عبدالله بن عمرو‏:‏ الحبة في الجنة مثل كرش البعير يبيت نافشا؛ أي راعيا؛ حكاه الهروي‏.‏ وقال ابن سيده‏:‏ لا يقال الهمل في الغنم وإنما هو في الإبل‏.‏ ‏{‏وكنا لحكمهم شاهدين‏{‏ دليل على أن أقل الجمع اثنان‏.‏ وقيل‏:‏ المراد الحاكمان والمحكوم عليه؛ فلذلك قال ‏{‏لحكمهم‏{‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏ففهمناها سليمان‏{‏ أي فهمناه القضية والحكومة، فكنى عنها إذ سبق ما يدل عليها‏.‏ وفضل حكم سليمان حكم أبيه في أنه أنه أحرز أن يبقي كل واحد منهما على متاعه، وتبقي نفسه طيبة بذلك؛ وذلك أن داود عليه السلام رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ بل دفع الغنم إلى صاحب الحرث، والحرث إلى صاحب الغنم‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ فيشبه على القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي أفسدت‏.‏ وعلى القول الثاني رآها تقاوم الحرث والغلة؛ فلما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود من باب أخر فقال‏:‏ بم قضى بينكما نبي الله داود‏؟‏ فقالا‏:‏ قضى بالغنم لصاحب الحرث‏.‏ فقال لعل الحكم غير هذا انصرفا معي‏.‏ فأتى أباه فقال‏:‏ يا نبي الله أنك حكمت بكذا وكذا وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع‏.‏ قال‏:‏ وما هو‏؟‏ قال‏:‏ ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حال التي أصابته الغنم في السنة المقبلة، رد كل واحد منهما مال إلى صاحبه‏.‏ فقال داود‏:‏ وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك‏.‏ وقضى بما قضى به سليمان؛ قال معناه ابن مسعود ومجاهد وغيرهما‏.‏ قال الكلبي‏:‏ قوم داود الغنم والكرم الذي أفسدته الغنم فكانت القيمتان سواء، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم‏.‏ وهكذا قال النحاس؛ قال‏:‏ إنما قضى بالغنم لصاحب الحرث؛ لأن ثمنها كان قريبا منه‏.‏ وأما في حكم سليمان فقد قيل‏:‏ كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء أيضا‏.‏

قوله تعالى‏{‏وكلا آتينا حكما وعلما‏{‏ تأول قوم أن داود عليه السلام لم يخطئ في هذه النازلة، بل فيها أوتي الحكم والعلم‏.‏ وحملوا قوله‏{‏ففهمناها سليمان‏{‏ على أنه فضيلة له على داود وفضيلته راجعة إلى داود، والوالد تسره زيادة ولده عليه‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ بل لأنه لم يصب العين المطلوبة في هذه النازلة، وإنما مدحه الله بأن له حكما وعلما يرجع إليه في غير هذه النازلة‏.‏ وأما في هذه فأصاب سليمان وأخطأ داود عليهما الصلاة والسلام، ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم، لكن لا يقرون عليه، وإن أقر عليه غيرهم‏.‏ ولما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم‏:‏ إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيبا فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك مصيبا فقد أخطأت أنت؛ فأجابه الوليد ‏{‏وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نقشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين‏.‏ ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما‏{‏‏.‏ وقال قوم‏:‏ كان داود وسليمان - عليهما السلام - نبيين يقضيان بما يوحى إليهما، فحكم داود بوحي، وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود، وعلى هذا ‏{‏ففهمناها سليمان‏{‏ أي بطريق الوحي الناسخ لما أوحى إلى داود، وأمر سليمان أن يبلغ ذلك داود؛ ولهذا قال‏{‏وكلا آتينا حكما وعلما‏{‏‏.‏ هذا قول جماعة من العلماء ومنها ابن فورك‏.‏ وقال الجمهور‏:‏ إن حكمهما كان باجتهاد وهي‏:‏

واختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء فمنعه قوم، وجوزه المحققون؛ لأنه ليس فيه استحالة عقلية؛ لأنه دليل شرعي فلا إحالة أن يستدل به الأنبياء، كما لو قال له الله سبحانه وتعالى‏:‏ إذا غلب على ظنك كذا فاقطع بأن ما غلب على ظنك هو حكمي فبلغه الأمة؛ فهذا غير مستحيل في العقل‏.‏ فإن قيل‏:‏ إنما يكون دليلا إذا عدم النص وهم لا يعدمونه‏.‏ قلنا‏:‏ إذا لم ينزل الملك فقد عدم النص عندهم، وصاروا في البحث كغيرهم من المجتهدين عن معاني النصوص التي عندهم‏.‏ والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الخطأ، وعن الغلط، وعن التقصير في اجتهادهم، وغيرهم ليس كذلك‏.‏ كما ذهب الجمهور في أن جميع الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الخطأ والغلط في اجتهادهم‏.‏ وذهب أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أن نبينا صلى الله عليه وسلم مخصوص منهم في جواز الخطأ عليهم، وفرق بينه وبين غيره من الأنبياء أنه لم يكن بعده يستدرك غلطه، ولذلك عصمه الله تعالى منه، وقد بعث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك غلطة‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنه على العموم في جميع الأنبياء، وأن نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم في تجويز الخطأ على سواء إلا أنهم لا يقرون على إمضائه، فلم يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء‏.‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سألته امرأة عن العدة فقال لها‏:‏ ‏(‏اعتدي حيث شئت‏)‏ ثم قال لها‏:‏ ‏(‏امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله‏)‏‏.‏ وقال له رجل‏:‏ أرأيت إن قتلت صبرا محتسبا أيحجزني الجنة شيء‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لا‏)‏ ثم دعاه فقال‏:‏ ‏(‏إلا الدين كذا أخبرني جبريل عليه السلام‏)‏‏.‏

قال الحسن‏:‏ لولا هذه الآية لرأيت القضاة هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده‏.‏ وقد اختلف الناس في المجتهدين في الفروع إذ اختلفوا؛ فقالت فرقة‏:‏ الحق في طرف واحد عند الله، قد نصب على ذلك أدلة، وحمل المجتهدين على البحث عنها، والنظر فيها، فمن صادف العين المطلوبة في المسألة فهو المصيب على الإطلاق، وله أجران في الاجتهاد وأجر في الإصابة، ومن لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده مخطئ في أنه لم يصب العين فله أجر وهو غير معذور‏.‏ هذا سليمان قد صادف العين المطلوبة، وهي التي فهم‏.‏ ورأت فرقة أن العالم المخطئ لا إثم في خطئه وإن كان غير معذور‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ الحق في طرف واحد ولم ينصب الله تعالى عليه دلائل ‏[‏بل‏]‏ وكل الأمر إلى نظر المجتهدين فمن أصابه أصاب ومن أخطأ فهو معذور مأجور متعبد بإصابته العين بل تعبدنا بالاجتهاد فقط‏.‏ وقال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه رضي الله عنهم‏:‏ إن الحق في مسائل الفروع في الطرفين، وكل مجتهد مصيب، والمطلوب إنما هو الأفضل في ظنه، وكل مجتهد قد أداه نظره إلى الأفضل في ظنه؛ والدليل على هذه المقالة أن الصحابة فمن بعدهم قرر بعضهم خلاف بعض، ولم ير أحد منهم أن يقع الانحمال على قوله دون قول مخالفه‏.‏ ومنه رد مالك رحمه الله للمنصور أبي جعفر عن حمل الناس ‏{‏الموطأ‏{‏؛ فإذا قال عالم في أم حلال فذلك هو الحق فيما يختص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله، وكذا في العكس‏.‏ قالوا‏:‏ وإن كان سليمان عليه السلام فهم القضية المثلى والتي أرجح فالأولى ليست بخطأ، وعلى هذا يحملون قول عليه السلام‏:‏ ‏(‏إذا اجتهد العالم فأخطأ‏)‏ أي فأخطأ الأفضل‏.‏

روى مسلم وغيره عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر‏)‏ هكذا لفظ الحديث في كتاب مسلم ‏(‏إذا حكم فاجتهد‏)‏ فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس؛ فإن الاجتهاد مقدم لي الحكم، فلا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع‏.‏ وإنما معنى هذا الحديث‏:‏ إذا أراد أن يحكم، كما قال‏{‏فإذا قرأت القرآن فاستعذ‏}‏النحل‏:‏ 98‏]‏ فعند ذلك أراد أن يجتهد في النازلة‏.‏ ويفيد هذا صحة ما قال الأصوليون‏:‏ إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرا عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم لإمكان أن يظهر له ثانيا خلاف ما ظهر له أولا، اللهم إن يكون ذاكرا لأركان اجتهاده، مائلا إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في أمارة أخرى‏.‏

إنما يكون يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالما بالاجتهاد والسنن والقياس، وقضاء من مضي؛ لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، فأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف لا يعذر بالخطأ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر‏.‏ يدل على ذلك حديثه الآخر؛ رواه أبو داود‏:‏ ‏(‏القضاة ثلاثة‏)‏ الحديث‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب لا على الخطأ، ومما يؤيد هذا قوله تعالى‏{‏ففهمناها سليمان‏{‏ الآية‏.‏ قال الحسن‏:‏ أثنى على سليمان ولم يذم داود‏.‏

ذكر أبو التمام المالكي أن مذهب مالك أن الحق في واحد من أقاويل المجتهدين، وليس ذلك في أقاويل المختلفين، وبه قال أكثر الفقهاء‏.‏ قال‏:‏ وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكا عن اختلاف الصحابة، فقال‏:‏ مخطئ ومصيب، وليس الحق في جميع أقاويلهم‏.‏ وهذا القول قيل‏:‏ هو المشهور عن مالك وإليه ذهب محمد بن الحسين‏.‏ واحتج من قال هذا بحديث عبدالله بن عمرو؛ قالوا‏:‏ وهو نص على أن في المجتهدين وفي الحاكمين مخطئا ومصيبا؛ قالوا‏:‏ والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدي إلى كون الشيء حلالا حراما، وواجبا ندبا‏.‏ واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عمر‏.‏ قال‏:‏ نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف من الأحزاب ‏(‏ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة‏)‏ فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال الآخرون‏:‏ لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت، قال‏:‏ فما عنف واحدا من الفريقين؛ قالوا‏:‏ فلو كان أحد الفريقين مخطئا لعينه النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويمكن أن يقال‏:‏ لعله إنما سكت عن تعيين المخطئين لأنه غير آثم بل مأجور، فاستغنى عن تعيينه‏.‏ والله أعلم‏.‏ ومسألة الاجتهاد طويلة متشعبة؛ وهذه النبذة التي ذكرناها كافية في معنى الآية، والله الموفق للهداية‏.‏

ويتعلق بالآية فصل آخر‏:‏ وهو رجوع الحاكم بعد قضائه من اجتهاده إلى اجتهاد آخر أرجح من الأول؛ فإن داود عليه السلام فعل ذلك‏.‏ وقد اختلف في ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى؛ فقال عبدالملك ومطرف في ‏{‏الواضحة‏{‏‏:‏ ذلك له ما دام في ولايته؛ فأما إن كانت ولاية أخرى فليس له ذلك، وهو بمنزلة غيره من القضاة‏.‏ وهذا هو ظاهر قول مالك رحمة الله في ‏{‏المدونة‏{‏‏.‏ وقال سحنون في رجوعه من اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس له ذلك؛ وقال ابن عبدالحكم‏.‏ قالا‏:‏ ويستأنف الحكم بما قوي عنده‏.‏ قال سحنون‏:‏ إلا أن يكون نسي الأقوى عنده في ذلك الوقت، أو وهم فحكم بغيره فله نقضه؛ وأما وإن حكم بحكم هو الأقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوى عنده غيره بعد ذلك فلا سبيل إلى نقض الأول؛ قاله سحنون في كتاب ابنه‏.‏ وقال أشهب في كتاب ابن المواز‏:‏ إن كان رجوعه إلى الأصوب في مال فله نقض الأول، وإن كان في طلاق أو نكاح أو عتق فليس له نقضه‏.‏

قلت‏:‏ رجوع القاضي عما حكم القاضي إذا يتبين له أن الحق في غيره ما دام في ولايته أولى‏.‏ وهكذا في رسالة عمر إلى أبي موسى‏.‏ الله عنهما؛ رواها الدارقطني، وقد ذكرناها في ‏{‏الأعراف‏{‏ ولم يفصل؛ وهي الحجة لظاهر قول مالك‏.‏ ولم يختلف العلماء أن القاضي إذا قضى تجوزا وبخلاف أهل العلم فهوم دود، إن كان على وجه الاجتهاد؛ فأما أن يتعقب قاض حكم قاض آخر فلا يجوز ذلك له لأن فيه مضرة عظمى من جهة نقض الأحكام، وتبديل الحلال بالحرام، وعدم ضبط قوانين الإسلام، ويتعرض أحد من العلماء لنقض ما رواه الآخر، وإنما كان يحكم بما ظهر له‏.‏

قال بعض الناس‏:‏ إن داود عليه السلام لم يكن أنفذ الحكم وظهر له ما قال غير‏.‏ وقال آخرون لم يكن حكما وإنما كانت فتيا‏.‏

قلت‏:‏ وهكذا تؤول فيما رواه أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال‏:‏ بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها‏:‏ إنما ذهب بابنك أنت‏.‏ وقالت الأخرى‏:‏ إنما ذهب بابنك؛ فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى؛ فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه؛ فقال‏:‏ ائتوني بالسكين أشفه بينكما؛ فقالت الصغرى‏:‏ لا - يرحمك الله - هو ابنها؛ فقضى به للصغرى؛ قال أبو هريرة‏:‏ إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، ما كنا نقول إلا المدية؛ أخرجه مسلم‏.‏ فأما القول بأن ذلك من داود فتيا فهو ضعيف؛ لأنه كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وفتياه حكم‏.‏ وأما القول الآخر فيبعد؛ لأنه تعالى قال‏{‏إذ يحكمان في الحرث‏{‏ فبين أن كل واحد منهما كان قد حكم‏.‏ وكذا قول في الحديث‏:‏ فقضى به للكبرى؛ يدل على إنفاذ القضاء وإنجازه‏.‏ ولقد أبعد من قال‏:‏ إنه كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى من حيث هي كبرى؛ لأن الكبر والصغر طرد محض عند الدعاوى كالطول والقصر والسواد والبياض وذلك لا يوجب ترجيح أحد المتداعيين حتى يحكم له أو عليه لأجل ذلك‏.‏ وهو مما يقطع به من فهم ما جاءت به الشرائع‏.‏ والذي ينبغي أن يقال‏:‏ إن داود عليه السلام إنما قضى به للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها‏.‏ ولم يذكر في الحديث تعيينه إذ لم تدع حاجة إليه، فيمكن أن الولد كان بيدها، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البينة، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان‏.‏ وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا الحديث‏.‏ وهو الذي تشهد له قاعدة الدعاوي الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها‏.‏ لا يقال‏:‏ فإن كان داود قضى بسبب شرعي فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه؛ فالجواب‏:‏ أن سليمان عليه السلام لم يتعرض لحكم أبيه بالنقض، وإنما احتال حيلة لطيفة ظهر له بسببها صدق الصغرى؛ وهي أنه لما قال‏:‏ هات السكين أشقه بينكما، قالت الصغرى‏:‏ لا؛ فظهر له من قرينه الشفقة في الصغرى، وعدم ذلك في الكبرى، مع ما عساه انضاف إلى ذلك من القرائن ما حصل له العلم بصدقها فحكم لها‏.‏ ولعله كان ممن سوغ له أن يحكم بعلمه‏.‏ وقد ترجم النسائي على هذا الحديث ‏{‏حكم الحاكم بعلمه‏{‏‏.‏ وترجم له أيضا ‏{‏السعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل ليستبين الحق‏{‏‏.‏ وترجم له أيضا ‏{‏نقض الحاكم لا يحكم به غيره ممن هو مثله أو أجل منه‏{‏‏.‏ ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عندما رأت من سليمان الحزم والجد في ذلك، فقضى بالولد للصغرى؛ ويكون هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ما أوجب إقراره، فإنه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين وبعدها، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأول، لكن من باب تبدل الأحكام بحسب تبدل الأسباب‏.‏ والله أعلم‏.‏ وفي هذا الحديث من الفقه أن الأنبياء سوغ لهم الحكم بالاجتهاد؛ وقد ذكرناه‏.‏ وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة، وممارسة أحوال الخلق؛ وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء‏.‏ وفيه الحجة لمن يقول‏:‏ إن الأم تستلحق؛ وليس مشهور مذهب مالك، وليس هذا موضع ذكره‏.‏ وعلى الجملة فقضاء سليمان في هذه القصة تضمنها مدحه تعالى له بقوله‏{‏ففهمناها سليمان‏{‏‏.‏

قد تقدم القول في الحرث والحكم في هذه الواقعة في شرعنا‏:‏ أن على أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار، ثم الضمان في المثل بالمثليات، وبالقيمة في ذوات القيم‏.‏ والأصل في هذه المسألة في شرعنا ما حكم به نبينا صلى الله عليه وسلم في ناقة البراء بن عازب‏.‏ رواه مالك عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة‏:‏ أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالليل، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها‏.‏ هكذا رواه جميع الرواة مرسلا‏.‏ وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب، إلا ابن عيينة فإنه رواه عن الزهري عن سعيد وحرام بن سعد بن محيصة‏:‏ أن ناقة؛ فذكر مثله بمعناه‏.‏ ورواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنه بلغه أن ناقة البراء دخلت حائط قوم؛ مثل حديث مالك سواء، إلا أنه لم يذكر حرام بن سعد بن محيصة ولا غيره‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ لم يصنع ابن أبي ذئب شيئا؛ إلا أنه أفسد إسناده‏.‏ ورواه عبدالرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتابع عبدالرزاق على ذلك وأنكروا عليه قوله عن أبيه‏.‏ ورواه ابن جريج عن ابن شهاب قال‏:‏ حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن ناقة دخلت في حائط قوم فأفسدت؛ فجعل الحديث لابن شهاب عن أبي أمامة، ولم يذكر أن الناقة كانت للبراء‏.‏ وجائز أن يكون الحديث عن ابن شهاب عن ابن محيصة، وعن سعيد بن المسيب، وعن أبي أمامة - والله أعلم - فحدث به عمن شاء منهم على ما حضره وكلهم ثقات‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ وهذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث‏.‏

ذهب مالك وجمهور الأئمة إلى القول بحديث البراء، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعا في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شيء، وأدخل فسادها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏جرح العجماء جبار‏)‏ فقاس جميع أعمالها على جرحها‏.‏ ويقال‏:‏ أنه ما تقدم أبا حنيفة أحد بهذا القول، ولا حجة له ولا لمن اتبعه في حديث العجماء، وكونه ناسخا لحديث البراء ومعارضا له؛ فإن النسخ شروطه معدومة، والتعاوض إنما يصح إذا لم يمكن استعماله أحدهما إلا بنفي الآخر، وحديث ‏(‏العجماء جرحها جبار‏)‏ عموم متفق عليه، ثم خص منه الزرع والحوائط بحديث البراء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو جاء عنه في حديث واحد‏:‏ العجماء جرحها جبار نهارا لا ليلا وفي الزرع والحوائط والحرث، لم يكن هذا مستحيلا من القول؛ فكيف يجوز أن يقال في هذا متعارض‏؟‏ ‏!‏ وإنما هذا من باب العموم والخصوص على ما هو مذكور في الأصول‏.‏

إن قيل‏:‏ ما الحكمة في تفريق الشارع بين الليل والنهار، وقد قال الليث بن سعد‏:‏ يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار كل ما أفسدت، ولا يضمن أكثر من قيمة الماشية‏؟‏ قلنا‏:‏ الفرق بينهما واضح وذلك أن أهل المواشي لهم ضرورة إلى إرسال مواشيهم ترعى بالنهار، والأغلب عندهم أن من عنده زرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل الزروع؛ لأنه وقت التصرف في المعاش، كما قال الله سبحانه وتعالى‏{‏وجعلنا النهار معاشا‏}‏النبأ‏:‏ 11‏]‏ فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شيء إلى موضعه وسكنه؛ كما قال الله تعالى‏{‏من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه‏}‏القصص‏:‏ 72‏]‏ وقال‏{‏وجعل الليل سكنا‏}‏الأنعام‏:‏ 96‏]‏ ويرد أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها، فإذا فرط صاحب الماشية في ردها إلى منزله، وفرط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئا فعليه ضمان ذلك، فجرى الحكم الأوفق الأسمح، وكان ذلك أرفق بالفريقين، وأسهل على الطائفتين، وأحفظ للمالين، وقد وضح الصبح لذي عينين، ولكن لسليم الحاستين؛ وأما قول الليث‏:‏ لا يضمن أكثر من قيمة المال فقد قال أبو عمر‏:‏ لا أعلم من أين قال هذا الليث بن سعد، إلا أن يجعله قياسا على العبد الجاني لا يفتك بأكثر من قيمته ولا يلزم سيده في جنايته أكثر من قيمته، وهذا ضعيف الوجه؛ كما قال في ‏{‏التمهيد‏{‏ وفي ‏{‏الاستذكار‏{‏ فخالف الحديث في ‏(‏العجماء جرحها جبار‏)‏ وخالف ناقة البراء، وقد تقدمه إلى ذلك طائفة من العلماء منهم عطاء‏.‏ قال ابن جريج قلت لعطاء‏:‏ الحرث الماشية ليلا أو نهارا‏؟‏ قال‏:‏ يضمن صاحبها ويغرم‏.‏ قلت‏:‏ كان عليه حظرا أو لم يكن‏؟‏ قال نعم‏!‏ يغرم‏.‏ قلت‏:‏ ما يغرم‏؟‏ قال‏:‏ قيمة ما أكل حماره ودابته وماشيته‏.‏ وقال معمر عن ابن شبرمة‏:‏ يقوم الزرع على حاله التي أصيب عليها دراهم‏.‏ وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنهما‏:‏ يضمن رب الماشية ليلا أو نهارا، من طرق لا تصح‏.‏

قال مالك‏:‏ ويقوم الزرع الذي أفسدت المواشي بالليل على الرجاء والخوف‏.‏ قال‏:‏ والحوائط التي تحرس والتي لا تحرس، والمحظر عليها وغير المحظر سواء، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغا ما بلغ، وإن كان أكثر من قيمتها‏.‏ قال‏:‏ وإن انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم لم يغرم صاحبها شيئا، وإنما هذا في الحائط والزرع والحرث؛ ذكره عنه ابن عبدالحكم‏.‏ وقال ابن القاسم‏:‏ ما أفسدت الماشية بالليل فهو في مال ربها، وإن كان أضعاف ثمنها؛ لأن الجناية من قبله إذ لم يربطها، وليست الماشية كالعبيد؛ حكاه سحنون وأصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم‏.‏

ولا يستأني بالزرع أن ينبت أولا ينبت كما يفعل في سن الصغير‏.‏ وقال عيسى عن ابن القاسم‏:‏ قيمته لو حل بيعه‏.‏ وقال أشهب وابن نافع في المجموعة عنه‏:‏ وإن لم يبد صلاحه‏.‏ ابن العربي‏:‏ والأول أقوى لأنها صفته فتقوم كما يقوم كل متلف على صفته‏.‏

لو لم يقض للمفسد له بشيء حتى نبت وانجبر فإن كان فيه قبل ذلك منفعة رعي أو شيء ضمن تلك المنفعة، وإن لم تكن فيه منفعة فلا ضمان‏.‏ وقال أصبغ‏:‏ يضمن؛ لأن التلف قد تحقق والجبر ليس من جهته فلا يعتد له به‏.‏

وقع في كتاب ابن سحنون أن الحديث إنما جاء في أمثال المدينة التي هي حيطان محدقة، وأما البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة، وبساتين كذلك، فيضمن أرباب النعم ما أفسدت من ليل أو نهار؛ كأنه ذهب إلى أن ترك تثقيف الحيوان في مثل هذه البلاد تعد؛ لأنها ولا بد تفسد‏.‏ وهذا جنوب إلى قول الليث‏.‏

قال أصبغ في المدينة‏:‏ ليس لأهل المواشي أن يخرجوا مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذواد؛ فركب العلماء على هذا أن البقعة لا تخلو أن تكون بقعة زرع، أو بقعة سرح، فإن كانت بقعة زرع فلا تدخلها ماشية إلا ماشية تجتاح، وعلى أربابها حفظها، وما أفسدت فصاحبها ضامن ليلا أو نهارا؛ وإن كانت بقعة سرح فعلى صاحب الذي حرثه فيها حفظه، ولا شيء على أرباب المواشي‏.‏

المواشي على قسمين‏:‏ ضواري وحريسة وعليهما قسمها مالك‏.‏ فالضواري هي المعتادة للزرع والثمار، فقال مالك‏:‏ تغرب وتباع في بلد لا زرع فيه؛ رواه ابن القاسم في الكتاب وغيره‏.‏ قال ابن حبيب‏:‏ وإن كره ذلك ربها، وكذلك قال مالك في الدابة التي ضريت في إفساد الزرع‏:‏ تغرب وتباع‏.‏ وأما ما يستطاع الاحتراس منه فلا يؤمر صاحبه بإخراجه‏.‏

قال أصبغ‏:‏ النحل والحمام والإوز والدجاج كالماشية، لا يمنع صاحبها من اتخاذها وإن ‏[‏ضريت‏]‏، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وهذه رواية ضعيفة لا يلتفت إليها من أراد أن يجد ما ينتفع به مما لا يضر بغيره مكن منه، وأما انتفاعه بما يتخذه بإضراره بأحد فلا سبيل إليه‏.‏ قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا ضرر ولا ضرار‏)‏ وهذه الضواري عن ابن القاسم في المدينة لا ضمان على أربابها إلا بعد التقدم ابن العربي‏:‏ وأرى الضمان عليهم قبل التقدم إذا كانت ضواري‏.‏

ذكر عبدالرزاق عن معمر عن قتادة عن الشعبي أن شاة وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شريح، فقال الشعبي‏:‏ انظروه فإنه سيسألهم ليلا وقعت فيه أو نهارا؛ ففعل‏.‏ ثم قال‏:‏ إن كان بالليل ضمن، وإن كان بالنهار لم يضمن، ثم قرأ شريح ‏{‏إذ نقشت فيه غنم القوم‏{‏ قال‏:‏ والنفش بالليل والهمل بالنهار‏.‏

قلت‏:‏ ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم ‏(‏العجماء جرحها جبار‏)‏ الحديث‏.‏ وقال ابن شهاب‏:‏ والجبار الهدر، والعجماء البهيمة، قال علماؤنا‏:‏ ظاهر قوله‏:‏ ‏(‏العجماء جرحها جبار‏)‏ أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شيء، وهذا مجمع عليه‏.‏ فلو كان معها قائد أو سائق أو راكب فحملها أحدهم على شيء فأتلفته لزمه حكم المتلف؛ فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص وكان الحمل عمدا كان فيه القصاص ولا يختلف فيه؛ لأن الدابة كالآلة‏.‏ وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على العاقلة‏.‏ وفي الأموال الغرامة في مال الجاني‏.‏

واختلفوا فيمن أصابته برجلها أو ذنبها، فلم يضمن مالك والليث والأوزاعي صاحبها، وضمنه الشافعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة‏.‏ واختلفوا في الضارية فجمهورهم أنها كغيرها، ومالك وبعض أصحابه يضمنونه‏.‏

روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الرجل جبار‏)‏ قال الدارقطني‏:‏ لم يروه غير سفيان بن حسين ولم يتابع عليه، وخالفه الحفاظ عن الزهري منهم مالك وابن عيينة ويونس ومعمر وابن جريج والزبيدي وعقيل وليث بن سعد، وغيرهم كلهم رووه عن الزهري فقالوا‏:‏ ‏(‏العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار‏)‏ ولم يذكروا الرجل وهو الصواب‏.‏ وكذلك روى أبو صالح السمان، وعبدالرحمن الأعرج، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن زياد وغيرهم عن أبي هريرة، ولم يذكروا فيه ‏(‏والرجل جبار‏)‏ وهو المحفوظ عن أبي هريرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والبئر جبار‏)‏ قد روى موضعه ‏(‏والنار‏)‏ قال الدارقطني‏:‏ حدثنا حمزة بن القاسم الهاشمي حدثنا حنبل بن إسحاق قال سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول في حديث عبدالرزاق‏:‏ حديث أبي هريرة ‏(‏والنار جبار‏)‏ ليس بشيء لم يكن في الكتاب باطل ليس هو بصحيح‏.‏ حدثنا محمد بن مخلد حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قال سمعت أحمد بن حنبل يقول‏:‏ أهل اليمن يكتبون النار النير ويكتبون البير؛ يعني مثل ذلك‏.‏ وإنما لقن عبدالرزاق ‏(‏النار جبار‏)‏‏.‏ وقال الرمادي‏:‏ قال عبدالرزاق قال معمر لا أراه إلا وهما‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏النار جبار‏)‏ وقال يحيي بن معين‏:‏ أصله البئر ولكن معمرا صحفه قال أبو عمر‏:‏ لم يأت ابن معين على قوله هذا بدليل، وليس هكذا ترد أحاديث الثقات‏.‏ ذكر وكيع عن عبدالعزيز بن حصين عن يحي بن يحي الغساني قال‏:‏ أحرق رجل سافي قراح له فخرجت شررة من نار حتى أحرقت شيئا لجاره‏.‏ قال‏:‏ فكتب فيه إلى عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه ابن حصين فكتب إلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏العجماء جبار‏)‏ وأرى أن النار جبار‏.‏ وقد روي ‏(‏والسائمة جبار‏)‏ بدل العجماء فهذا ما ورد في ألفاظ هذا الحديث ولكل معنى لفظ صحيح مذكور في شرح الحديث وكتب الفقه‏.‏

قوله تعالى‏{‏وسخرنا مع داود الجبال يسبحن‏{‏ قال وهب‏:‏ كان داود يمر بالجبال مسبحا والجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير‏.‏ وقيل كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق؛ ولهذا قال‏{‏وسخرنا‏{‏ أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح‏.‏ وقيل‏:‏ إن سيرها معه تسبيحها، والتسبيح مأخوذ من السباحة؛ دليله قوله تعالى‏{‏يا جبال أوبي معه‏}‏سبأ‏:‏ 10‏]‏‏.‏ وقال قتادة‏{‏يسبحن‏{‏ يصلين معه إذا صلى، والتسبيح الصلاة‏.‏ وكل محتمل‏.‏ وذلك فعل الله تعالى بها؛ ذلك لأن الجبال لا تعقل فتسبيحها دلالة على تنزيه الله تعالى عن صفات العاجزين والمحدثين‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 80 ‏)‏

‏{‏وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون‏}‏

قوله تعالى‏{‏وعلمناه صنعة لبوس لكم‏{‏ يعني اتخاذ الدروع بإلانة الحديد له، واللبوس عند العرب السلاح كله؛ درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا‏.‏ قال الهذلي يصف رمحا‏:‏

ومعي لبوس للبئيس كأنه روق بجبهة ذي نعاج مجفل

واللبوس كل ما يلبس، وأنشد ابن السكيت‏:‏

ألبس كل حالة لبوسها إما نعيمها وإما ما بوسها

وأراد الله تعالى هنا الدرع، وهو بمعنى الملبوس نحو الركوب والحلوب‏.‏ قال قتادة‏:‏ أول من صنع الدروع داود‏.‏ وإنما كانت صفائح، فهو أول من سردها وحلقها‏.‏

قوله تعالى‏{‏ليحصنكم‏{‏ ليحرزكم‏.‏ ‏{‏من بأسكم‏{‏ أي من حربكم‏.‏ وقيل‏:‏ من السيف والسهم والرمح، أي من آلة بأسكم فحذف المضاف‏.‏ ابن عباس‏{‏من بأسكم‏{‏ من سلاحكم‏.‏ الضحاك‏:‏ من حرب أعدائكم‏.‏ والمعنى واحد‏.‏ وقرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر وحفص وروح ‏{‏لتحصنكم‏{‏ بالتاء ردا على الصفة‏.‏ وقيل‏:‏ على اللبوس والمنعة التي هي الدروع‏.‏ وقرأ شيبة وأبو بكر والمفضل ورويس وابن أبي إسحاق ‏{‏لنحصنكم‏{‏ بالنون لقوله‏{‏وعلمناه‏{‏‏.‏ وقرأ الباقون بالياء جعلوا الفعل للبوس، أو يكون المعنى ليحصنكم الله‏.‏ ‏{‏فهل أنتم شاكرون‏{‏ أي على تيسير نعمة الدروع لكم‏.‏ وقيل‏{‏فهل أنتم شاكرون‏{‏ بأن تطيعوا رسولي‏.‏

هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة، ونسب من ذكرنا إلى الضعف وعدم المنة‏.‏ وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضا يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثا، ونوح نجارا، ولقمان خياطا، وطالوت دباغا‏.‏ وقيل‏:‏ سقاء؛ فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع‏.‏ بها عن نفسه الضرر والباس‏.‏ وفي الحديث‏{‏إن الله يحب المؤمن المحترف الضعيف المتعفف ويبغض السائل الملحف‏{‏‏.‏ وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة ‏{‏الفرقان‏{‏ وقد تقدم في غير ما آية، وفيه كفاية والحمد لله‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 81 ‏:‏ 82 ‏)‏

‏{‏ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين، ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولسليمان الريح عاصفة‏{‏ أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة، أي شديدة الهبوب‏.‏ يقال منه‏:‏ عصفت الريح أي اشتدت فهي ريح عاصف وعصوف‏.‏ وفي لغة بني أسد‏:‏ أعصفت الريح فهي معصفة ومعصفة‏.‏ والعصف التبن فسمي به شدة الريح؛ لأنها تعصفه بشدة تطيرها‏.‏ وقرأ عبدالرحمن الأعرج وأبو بكر ‏{‏ولسليمان الريح‏{‏ برفع الحاء على القطع مما قبله؛ والمعنى ولسليمان تسخير الريح؛ ابتداء وخبر‏.‏ ‏{‏تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها‏{‏ يعني الشام يروي أنها كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث أراد، ثم ترده إلى الشام‏.‏ وقال وهب‏:‏ كان سليمان بن داود إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره‏.‏ وكان امرأ غزاء لا يعقد عن الغزو؛ فإذا أراد أن يغزو أمر بخشب فمدت ورفع عليها الناس والدواب وآلة الحرب، أمر العاصف فأقلت ذلك، ثم أمر الرخاء فمرت به شهرا في رواحه وشهرا في غدوه، وهو معنى قوله تعالى‏{‏تجري بأمره رخاء حيث أصاب‏}‏ص‏:‏ 36‏]‏‏.‏ والرخاء اللينة‏.‏ ‏{‏وكنا بكل شيء عالمين‏{‏ أي بكل شيء عملنا عالمين بتدبيره‏.‏

قوله تعالى‏{‏ومن الشياطين من يغوصون له‏{‏ أي وسخرنا له من يغوصون؛ يريد تحت الماء‏.‏ أي يستخرجون له الجواهر من البحر‏.‏ والغوص النزول تحت الماء، وقد غاص في الماء، والهاجم على الشيء غائص‏.‏ والغواص الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ، وفعله الغياصة‏.‏ ‏{‏ويعملون عملا دون ذلك‏{‏ أي سوي ذلك من الغوص؛ قاله الفراء‏.‏ وقيل‏:‏ يراد بذلك المحاريب والتماثيل وغير ذلك يسخرهم فيه‏.‏ ‏{‏وكنا لهم حافظين‏{‏ أي لأعمالهم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ حافظين لهم من أن يفسدوا أعمالهم، أو يهيجوا أحدا من بني آدم في زمان سليمان‏.‏ وقيل‏{‏حافظين‏{‏ من أن يهربوا أو يمتنعوا‏.‏ أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون من استخراج الشياطين‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 83 ‏:‏ 84 ‏)‏

‏{‏وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين‏}‏

قوله تعالى‏{‏وأيوب إذ نادى ربه‏{‏ أي واذكر أيوب إذ نادى ربه‏.‏ ‏{‏أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين‏{‏ أي نالني في بدني ضر وفي مالي وأهلي‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ سمي أيوب لأنه آب إلى الله تعالى في كل حال‏.‏ وروي أن أيوب عليه السلام كان رجلا من الروم ذا مال عظيم، وكان برا تقيا رحيما بالمساكين، يكفل الأيتام والأرامل، ويكرم الضيف، ويبلغ ابن السبيل، شاكرا لأنعم الله تعالى، وأنه دخل مع قومه على جبار عظيم فخاطبوه في أمر، فجعل أيوب يلين له في القول من أجل زرع كان له فامتحنه الله بذهاب مال وأهله، وبالضر في جسمه حتى تناثر لحمه وتدود جسمه، حتى أخرجه أهل قريته إلى خارج القرية، وكانت امرأته تخدمه‏.‏ قال الحسن‏:‏ مكث بذلك تسع سنين وستة أشهر‏.‏ فلما أراد الله أن يفرج عنه قال الله تعالى له‏{‏اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب‏}‏ص‏:‏ 42‏]‏ فيه شفاؤك، وقد وهبت لك أهلك ومالك وولدك ومثلهم معهم‏.‏ وسيأتي في ‏{‏ص‏{‏ ما للمفسرين في قصة أيوب من تسليط الشيطان عليه، والرد عليهم إن شاء الله تعالى‏.‏  واختلف في قول أيوب‏{‏مسني الضر‏{‏ على خمسة عشر قولا‏:‏

الأول‏:‏ أنه وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض فقال‏{‏مسني الضر‏{‏ إخبارا عن حاله، لا شكوى لبلائه؛ رواه أنس مرفوعا‏.‏ الثاني‏:‏ أنه إقرار بالعجز فلم يكن منافيا للصبر‏.‏ الثالث‏:‏ أنه سبحانه أجراه على لسانه ليكون حجة لأهل البلاء بعده في الإفصاح بما ينزل بهم‏.‏ الرابع‏:‏ أنه أجراه على لسانه إلزاما له في صفة الآدمي في الضعف عن تحمل البلاء‏.‏ الخامس‏:‏ أنه انقطع الوحي عنه أربعين يوما فخاف هجران ربه فقال‏{‏مسني الضر‏{‏‏.‏ وهذا قول جعفر بن محمد‏.‏ السادس‏:‏ أن تلامذته الذين كانوا يكتبون عنه لما أفضت حال إلى ما انتهت إليه محوا ما كتبوا عنه، وقالوا‏:‏ ما لهذا عند الله قدر؛ فاشتكى الضر في ذهاب الوحي والدين من أيدي الناس‏.‏ وهذا مما لم يصح سنده‏.‏ والله أعلم؛ قال ابن العربي‏.‏ السابع‏:‏ أن دودة سقطت من لحمه فأخذها وردها في موضعها فعقرته فصاح ‏{‏مسني الضر‏{‏ فقيل‏:‏ أعلينا تتصبر‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وهذا بعيد جدا مع أنه يفتقر إلى نقل صحيح، ولا سبيل إلى وجوده‏.‏ الثامن‏:‏ أن الدود كان يتناول بدنه فصبر حتى تناولت دودة قلبه وأخرى لسانه، فقال‏{‏مسني الضر‏{‏ لاشتغاله عن ذكر الله، قال ابن العربي‏:‏ وما أحسن هذا لو كان له سند ولم تكن دعوى عريضة‏.‏ التاسع‏:‏ أنه أبهم عليه جهة أخذ البلاء له هل هو تأديب، أو تعذيب، أو تخصيص، أو تمحيص، أو ذخر أو طهر، فقال‏{‏مسني الضر‏{‏ أي ضر الإشكال في جهة أخذ البلاء‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وهذا غلو لا يحتاج إليه‏.‏ العاشر‏:‏ أنه قيل له سل الله العافية فقال‏:‏ أقمت في النعيم سبعين سنة وأقيم في البلاء سبع سنين وحينئذ أسأله فقال‏{‏مسني الضر‏{‏‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وهذا ممكن ولكنه لم يصح في إقامته مدة خبر ولا في هذه القصة‏.‏ الحادي عشر‏:‏ أن ضره قول إبليس لزوجه اسجدي لي فخاف ذهاب الإيمان عنها فتهلك ويبقي بغير كافل‏.‏ الثاني عشر‏:‏ لما ظهر به البلاء قال قومه‏:‏ قد أضر بنا كونه معنا وقذره فليخرج عنا، فأخرجته امرأته إلى ظاهر البلد؛ فكانوا إذا خرجوا رأوه وتطيروا به وتشاءموا برؤيته، فقالوا‏:‏ ليبعد بحيث لا نراه‏.‏ فخرج إلى بعد من القرية، فكانت امرأته تقوم عليه وتحمل قوته إليه‏.‏ فقالوا‏:‏ إنها تتناوله وتخالطنا فيعود بسببه ضره إلينا‏.‏ فأرادوا قطعها عنه؛ فقال‏{‏مسني الضر‏{‏‏.‏ الثالث عشر‏:‏ قال عبدالله بن عبيد بن عمير‏:‏ كان لأيوب أخوان فأتياه فقاما‏.‏ بعيد لا يقدران أن يدنوا منه من نتن ريحه، فقال أحدهما‏:‏ لو علم الله في أيوب خيرا ما ابتلاه به البلاء؛ فلم يسمع شيئا أشد عليه من هذه الكلمة؛ فعند ذلك قال‏{‏مسني الضر‏{‏ ثم قال‏{‏اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعان قط وأنا أعلم مكان جائع فصدقني‏{‏ فنادى مناد من السماء ‏{‏أن صدق عبدي‏{‏ وهما يسمعان فخرا ساجدين‏.‏ الرابع عشر‏:‏ أن معنى ‏{‏مسني الضر‏{‏ من شماتة الأعداء؛ ولهذا قيل له‏:‏ ما كان أشد عليك في بلائك‏؟‏ قال شماتة الأعداء‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وهذا ممكن فإن الكليم قد سأله أخوه العافية من ذلك فقال‏{‏إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء‏}‏الأعراف‏:‏ 150‏]‏‏.‏ الخامس عشر‏:‏ أن امرأته كانت ذات ذوائب فعرفت حين منعت أن تتصرف لأحد بسببه ما تعود به عليه، فقطعت ذوائبها واشترت بها ممن قوتا وجاءت به إليه، وكان يستعين بذوائبها في تصرفه وتنقله، فلما عدمها وأراد الحركة في تنقله لم يقدر قال‏{‏مسني الضر‏{‏‏.‏ وقيل‏:‏ إنها لما اشترت القوت بذوائبها جاءه إبليس في صفة رجل وقال له‏:‏ إن أهلك بغت فأخذت وحلق شعرها‏.‏ فحلف أيوب أن يجلدها؛ فكانت المحنة على قلب المرأة أشد من المحنة على قلب أيوب‏.‏

قلت‏:‏ وقول سادس عشر‏:‏ ذكر ابن المبارك‏:‏ أخبرنا يونس بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوما النبي صلى الله عليه وسلم وما أصابه من البلاء؛ الحديث‏.‏ وفيه أن بعض إخوانه ممن صابره ولازمه قال‏:‏ يا نبي الله لقد أعجبني أمرك وذكرته إلى أخيك وصاحبك، أنه قد ابتلاك بذهاب الأهل والمال وفي جسدك منذ ثمان عشرة سنة حتى بلغت ما ترى ألا يرحمك فيكشف عنك ‏!‏ لقد أذنبت ذنبا ما أظن أحدا بلغه‏!‏ فقال أيوب عليه السلام‏{‏ما أدري ما يقولان غير أن ربي عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان وكل يحلف بالله - أو على النفر يتزاعمون - فأنقلب إلى أهلي فأكفر عن أيمانهم إرادة ألا يأثم أحد ذكره ولا يذكره أحد إلا بالحق‏{‏ فنادى ربه ‏{‏أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين‏{‏ إنما كان دعاؤه عرضا عرضه على الله تبارك وتعالى يخبره بالذي بلغه، صابرا لما يكون من الله تبارك وتعالى فيه‏.‏ وذكر الحديث‏.‏ وقول سابع عشر‏:‏ سمعته ولم أقف عليه أن دودة سقطت من جسده فطلبها ليردها إلى موضعها فلم يجدها فقال‏{‏مسني الضر‏{‏ لما فقد من أجر ألم تلك الدودة، وكان أراد أن يبقي له الأجر موفرا إلى وقت العافية، وهذا حسن إلا أنه يحتاج إلى سند‏.‏ قال العلماء‏:‏ ولم يكن قوله ‏{‏مسني الضر‏{‏ جزعا؛ لأن الله تعالى قال‏{‏إنا وجدناه صابرا‏}‏ص‏:‏ 44‏]‏ بل كان ذلك دعاء منه، والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى، والدعاء لا ينافي الرضا‏.‏ قال الثعلبي سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول‏:‏ حضرت مجلسا غاصا بالفقهاء والأدباء في دار السلطان، فسألت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب كان شكاية قد قال الله تعالى‏{‏إنا وجدناه صابرا‏}‏ص‏:‏ 44‏]‏ فقلت‏:‏ ليس هذا شكاية وإنما كان دعاء؛ بيانه ‏{‏فاستجبنا له‏{‏ والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء‏.‏ فاستحسنوه وارتضوه‏.‏ وسئل الجند عن هذه الآية فقال‏:‏ عرفه فاقة السؤال ليمن عليه بكوم النوال‏.‏

قوله تعالى‏{‏فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم‏{‏ قال مجاهد وعكرمة قيل لأيوب صلى الله عليه وسلم‏:‏ قد آتيناك أهلك في الجنة فإن شئت تركناهم لك في الجنة وإن شئت آتيناكهم في الدنيا‏.‏ قال مجاهد‏:‏ فتركهم الله عز وجل له في الجنة وأعطاه مثلهم في الدنيا‏.‏ قال النحاس‏:‏ والإسناد عنهما بذلك صحيح‏.‏

قلت‏:‏ وحكاه المهدوي عن ابن عباس‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ قال عبدالله بن مسعود كان أهل أيوب قد ماتوا إلا امرأته فأحياهم الله عز وجل في أقل من طرف البصر، وآتاه مثلهم معهم‏.‏ وعن ابن عباس أيضا‏:‏ كان بنوه قد ماتوا فأحيوا له وولد له مثلهم معهم‏.‏ وقال قتادة وكعب الأحبار والكلبي وغيرهم‏.‏ قال ابن مسعود‏:‏ مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فلما عوفي نشروا له، وولدت امرأته سبعة بنين وسبع بنات‏.‏ الثعلبي‏:‏ وهذا القول أشبه بظاهر الآية‏.‏

قلت‏:‏ لأنهم ماتوا ابتلاء قبل آجالهم حسب ما تقدم بيانه في سورة ‏{‏البقرة‏{‏ في قصة ‏{‏الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت‏}‏البقرة‏:‏ 243‏]‏‏.‏ وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة فماتوا ثم أحيوا؛ وذلك أنهم ماتوا قبل آجالهم، وكذلك هنا والله أعلم‏.‏ وعلى قول مجاهد وعكرمة يكون المعنى‏{‏وأتيناه أهله‏{‏ في الآخرة ‏{‏ومثلهم معهم‏{‏ في الدنيا‏.‏ وفي الخبر‏:‏ إن الله بعث إليه جبريل عليه السلام حين ركض برجله على الأرض ركضة فظهرت عين ماء حار، وأخذ بيده ونفضه نفضة فتناثرت عنه الديدان، وغاص في الماء غوصة فنبت لحمه وعاد إلى منزله، ورد الله عليه أهله ومثلهم معهم، ونشأت سحابة على قدر قواعد داره فأمطرت ثلاثة أيام بلياليها جرادا من ذهب‏.‏ فقال له جبريل‏:‏ أشبعت‏؟‏ فقال‏:‏ ومن يشبع من الله‏!‏ فضل‏.‏ فأوحى الله إليه‏:‏ قد أثنيت عليك بالصبر قبل وقوعك في البلاء وبعده، ولولا أني وضعت تحت كل شعرة منك صبرا ما صبرت‏.‏ ‏{‏رحمة من عندنا‏{‏ أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا‏.‏ وقيل‏:‏ ابتليناه ليعظم ثوابه غدا‏.‏ ‏{‏وذكرى للعابدين‏{‏ أي وتذكيرا للعباد؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له وهو أفضل أهل زمانه وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب، فيكون هذا تنبيها لهم على إدامة العبادة، واحتمال الضرر‏.‏ واختلف في مدة إقامته في البلاء؛ فقال ابن عباس‏:‏ كانت مدة البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال‏.‏ وهب‏:‏ ثلاثين سنة‏.‏ الحسن سبع سنين وستة أشهر‏.‏ قلت‏:‏ وأصح من هذا والله أعلم ثماني عشرة سنة؛ رواه ابن شهاب عن النبي صلى؛ ذكره ابن المبارك وقد تقدم‏.‏