فصل: تفسير الآيات (87- 88):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تيسير التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (82- 86):

{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)}
العداوة: البغضاء. المودة: المحبة. القَس: جمعه قُسوس، والقسيس: جمعه قسيسون، الذي يكون بين الشمّاس، والكاهن. الراهب: العابد المنقطع عن الناس في دير أو صومعة حرم نفسه فيها من التنعم بالزواج ولَذَّات الطعام. تقبيض من الدمع: تمتلئ دمعا حتى يتدفق من جوانبها. مع الشاهدين: الذين شهدوا وصدّقوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فأثابهم: جازاهم.
نزلت هذه الآية في نجاشي الحبَشَة وأصحابه، حين هاجر فريق من المسلمين إلى هاك. قالت أم سَلَمة وكانت من المهاجرات إلى الحبشة قبل ان يتزوجها الرسول الكريم: لما نزلنا بأرض الحبشة جاوَرَنا بها خيرٌ جارٍ، النجاشي.. امِنّا على ديننا وعبدْنا الله تعالى لا نؤذَى ولا نسمع شيئاً نكرهه.
وقد بقي المهاجرون فيها إلى ان هاجر الرسول الكريم إلى المدينة، ولم يقدِروا الوصول اليه، فقد حالت بينهم وبينه الحرب.
فلما كانت وقعة بدر وقُتل فيها صناديق قريش، قال كفار قريش: إن ثأركم بأرض الحبشة، فابعثوا إلى سيّدها رجلين من ذوي الرأي فيكم مع هدايا له ولرجاله لعلّه يعطيكم مَن عنده فتقتلونهم بقتلى بدر. فعبث كفار قريش عمرو بن العاص، وعبدالله بن أبي ربيعة بهدايا. فخرجا حتى قدما على النجاشي، فأهَدوا إلى البطارقة مما معهما من الهدايا، وطلبوا منهم ان يساعدوهما عند الملك بأن يسلّمهما أولئك المهاجرين. ثم قابلا النجاشي وقدّما له هداياهما فقبلها منهما. ثم كلماه فقالا له: أيها الملك، قد جاء إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤا بدينٍ ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت. وقد بعثنا من آبائهم وأعمامهم أشرافُ قومه لتردهم إليهم. فقالت بطارقته حوله: صدَقا أيها الملك، فأسلمْهُم إليهما. فغضب النجاي ثم قال: لا واللهِ لا أُسلمهم حتى أدعوَهم، فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم. ثم أرسَل إليهم. فلما جاؤا، قال لهم النجاشي وأساقفته: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين آحد؟
فقام جعفر بن أبي طالب، فقال: أيها الملك، كنا قوماً أهلَ جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيف. وظللنا على ذلك حتى بعث الله الينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصدقه وعفافه، فدعانا إلى الله، أن نوحّده ونعبده، ونخلع ما كنّا نعبد قبله من الحجارة والأوثان. ولقد أمرَنا بصِدق الحديث، وأداء الامانة، وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء. كما نهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكلِ مال اليتيم، وقذف المحصنات. أمرنا ان نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. فصدّقناه وآمّنا به، واتّبعناه على ما جاء به من الله...
فعدا علينا قومُنا فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا لنرتدّ إلى عبادة الأوثان... فلمّا قهرونا وضيقوا علينا، خرجنا إلى بلادك، ورغبنا في جوارك.
فقال النجاشي: هل معك مما جاء به من الله من شيء؟ قال جعفر: نعم أول سورة مريم. قالت أم سلمة: فبكى والله النجاشي، حتى اخضلّت لحيته. وبكت اساقفته حين سمعوا ما تلا جعفر. ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. إنطلِقا، فوالله لا أسلّمهم إليكما. الخ القصة.
فهذه القصة من أسباب نزول هذه الآيات. فبعد أن حاجّ اللهُ تعالى أهل الكتاب، وذكر مخالفتهم لكتبهم وأنبيائهم، وانهم اتخذوا الإسلام هزواً ولعبا، وبلغت الجرأة باليهود ان يتطالوا على الله بقولهم {يَدُ الله مَغْلُولَةٌ}، وان النصارى اعتقدوا بأن المسيح ابن الله ذكر هنا احولهم في عداوتهم للمؤمنين، أو محبتهم لهم. ومقدار تلك العداوة أو المحبة: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ}
قسَمَاً أيها الرسول لسوف تجد أشد الناس عداوة لك وللمؤمنين معك، اليهودَ المشركين من عبدة الاصنام. وقد وقع ذلك. فإن أشد إيذاء واجهه النبي عليه السلام إنما كان من اليهود في المدينة وما حولها، ومن مشركي العرب، ولاسيما قريش.
ويشترك اليهود والمشركون في بعض الصفات والاخلاق، كالتكبّر والغرور، وحب المادّة، والقسوة. والمعروف عن اليهود ا نهم يعتبرون كل من عداهم لا حرمة له ولا قيمة، فكل مَن كان غير يهودي مباح لهم دمه وماله وعرضه، هذا مقرَّر في تملودهم.
{وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الذين قالوا إِنَّا نصارى}
أما أقرب الناس محبة للذين آمنوا بك وصدّقوك فهم النصارى. رأى النبي من نصارى الحبشة أحسن المودة. ولما أرسل كتبه إلى الملوك ورؤساء الدول كان النصارى منهم أحسنَ ردا، واستقبالاً للرسل. والواقع ان مودة النصارى للمسلمين في عصر النبي الكريم كانت ظاهرة ملموسة.
{ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً...}
وسببُ تلك المودّة أن فيهم قسيسين يعلّمون دينهم، ورهبانا يخشون ربهم. هذا كما أنهم لا يستكبرون عن سماع الحق واتّباعه. وفيهم من إذا سمعوا القرآن وتأثروا به، فتفيض اعينهم بالدمع. انهم يعرفون ان ما سمعوه حق، فتميل اليه قلوبهم وتنطلق ألسنتهم بالدعاء إلى الله قائلين: رنبا آمنا بك وبرسُلك، وبالحق الذي انزلته عليهم، فتقبّل منا إيماننا، واجلعنا مع الشاهدين من أمة محمد الذين جعلتهم حجة على الناس يوم القيامة. وأي مانع يمنعنا من الايمان بالله، وتصديق ما جاء على محمد ونحن نرجو ان يُدخلنا ربنا الجنةَ مع خبرة عباده!!
لذا كتب الله لهم ثواباً، جنات تجريى من تحتها الانهار، خالدون فيها إلى الأبد.
هذا جزاء المحسنين من ربهم. اما عقاب المسيئين إلى انفسهم بالكفر والجحود والتكذيب، اي: {والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} فهو الجحيم. انهم أهل النار، وسيبقون في العذاب الشديد الدائم.
ويجب ان نوضح هنا موضوعاً مهما، وهو أن النصارى الذين تعنيهم الآية إما هم أصحاب النجاشي الذين عاصروا النبيّ، وقد جاء بعضهم مع جعفر بن أبي طالب إلى المدينة وأسلم.
اما إذا استعرضنا النصارى الأوروبيين، وما كادوا للاسلام والمسلمين، وما شنّوه من حروب صليبيّة مجرمة في المشرق الاسلامي كما في الاندلس، وما قاموا به من مذابح يسعّرها التعصب والحقد فإننا لا نجدهم يختلفون عن اليهود. بل إن احقادهم مستمرة في موازرة الصهيونية. وقد لنا سابقا، ونكرر هنا ان هذا لا يشمل النصارى العرب، الذين لم يقصروا في واجبهم نحو وظنهم واخوانهم.

.تفسير الآيات (87- 88):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)}
عندما نزلت الآيات السابقة، وفيها مدح للقسيسين والرهبان، ظنه بعض المؤمنين ان في هذا ترغيبا في الرهبانية، ودعوةً إلى ترك الطيبات من الطعام واللباس والنساء، فأزال الله تعالى هذا الظن بهذا النهي الصريح.
ذلك ما يرويه كثير من المحدّثين. فقد روى الطبري: إن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود والمقداد بن الأَسْود، وسالماً مولى أبي حذيفة، وقدامة بن مظعون تبتّلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح وحرّموا طيبات الطعام واللباس، وهمّوا بالاختصاء واجمعوا على القيام بالليل وصيام النهار، فنزلت هذه الآية. فلما نزلت، بعثَ اليهم رسول الله فقال: «ان لأنفسكم حقاً، وان لأعينكم حقاً، وان لأهلهكم حقا، فصلّوا وناموا، وصوموا وأفطِروا، فليس منا من ترك سنّتنا» فقالوا: اللهمّ صدّقْنا واتبعنا ما انزلت مع الرسول.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا، لا تحرّموا على أنفسكم ما احلّ الله لكم من الطيبات، ولا اعطاكم الله من الرزق الحلال، ولا تعتدوا بالتضييق على انفسكم مما لم يكلّفكم به الله.
من محاسن شرعنا انه يميل دائما إلى التوسط في الأمور، وعلينا ان نقتدي بالرسول الكريم عليه صلوات الله، فانه كان يأكل أطيب الطعام، إذا وجد، وتارة يأكل اخشنه، وحينا يجوع، واخرى يشبع، ويحمد الله على الحالين.

.تفسير الآية رقم (89):

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)}
اللغو في اليمين: الحلف على وجه الغلظ من غير قصد. بما عقدتم: بما قصدتموه. الكفّارة: الستر والتغطية، لانها تمحو الذنوب وتسترها. الاوسط: الطعام العادي، ليس. بالرديء، ولا الفاخر. تحرير رقبة: عتقها.
روى ابن جرير عن ابن عباس، قال: لما نزلت {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ} قالوا يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا؟ فأنزل الله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ}.
لا يؤاخذكم الله بالأيمان التي تحلفونا بلا قصد، ولا يعاقبكم عليها، وإنما يعاقبكم إذا أنتم حنثتم باليمين فيما قصدتم به.
فلو قال رجل: واللهِ لا أفعل كذا، وفَعَلَه، فعليه الكفّارة. وهذه الكفارة هي إطعام عشرة مساكين وجبةً واحدة، مما جرت العادة أن تأكلوا في بيوتكم من غير إسراف ولا تقتير. أو كِسوة عشرة مساكين كسوةً معتادة. أو ان تحرروا إنسانا من الرق. فاذا لم يستطع الحالف القيام بأي من هذه الأمور فعليه ان يصوم ثلاثة أيام. ان كل واحد من هذه الامور كفارة كافية، لكنّ عليكم ان تحفظوا أيمانكم فلا تحلفوا على أتفه الاشياء. لا تُكثروا من الأيمان سواء أكانت صادقة ام كاذبة، فالاحسنُ تجنُّب الحلف.
{كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
على ذها النحو الشافي الوافي يبين الله أحكامه ويشرحها لكم، لتشكروا نعمته بعد معرفتها بالقيام بحقها.
والإيمان ثلاثة أقسام:
(1) قسم ليس من أيمان المسلمين، مثل الحلق بالمخلوقات، نحو الكعبة والملائكة والمشايخ والملوك والآباء وغير ذلك.. وهذه من اللغو في الايمان، غير منعقدة، ولا كفارة فيها، ولا يجوز الحلف بها.
(2) أيمان بالله تعالى، كقول الحالف: واللهِ لأفعلنّ كذا، وهذه يمين منعقدة فيها الكفّارة عند الحلف.
(3) أيمان بمعنى الحلف بالله، يريد بها الحالف تعظيم الخالق، كالحلف بالنِّذْر، والحرام الطلاق، كقوله: إن فعلتُ كذا فعليّ صيام شهر، أو الحج إلى بيت الله، اوالطلاقُ يلزمني، أو عليّ الطلاق لا أفعل كذا، أو ان فعلته فنسائي طوالق، أو كل صدقة أو نحو ذلك، فهذا كله فيه كفّارة اليمين.
وهناك نوع من الأيمان تسمى اليمين الغموس، وهي كما جاء في صحيح البخاري عند عبد الله بن عمرو قال: «جاء اعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال عقوق الوالدين، قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس». قال وما اليمين الغموس؟ قال: «التي يُقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب».
فهذه اليمين لا كفّارة فيها لأنها جرم لا يُغتفر. ولأنها تغمس صاحبها في النار، ولا يكفّرها عتق ولا صيام ولا صدقة، بل لابد من التوبة ورد الحقوق.
ويلاحظ ان الكفّارات وردت كثيراً في عتق العبيد، فان الإسلام رغّب كثيراً في عتقه، والعتق يدخل في أكثر الكفّارات للذنوب.

.قراءات:

قرأ حمزة والكسائي وأبو كبر عن عاصم {عقدتم} بالتخفيف، وقرأ ابن عامر {عاقدتم} وقرأ الباقون {عقدتم}.

.تفسير الآيات (90- 91):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)}
الخمر: كل شراب مسكر. الميسر: القمار. الانصاب الأصنام التي نصبت للعبادة، وكانوا يذبحون قرابينهم عندها. الأزلام: قِداح اعواد من الخشب بهيئة السهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية. الرجس: المستقذَر حساً أو معنى.
بعد أن نهى سبحانه عن تحريم الحلال من الطيبات، وامر بأكل الطيّب من الرزق، نظر إلى الخمر والميسر والازلام. وكانت هذه من الطيبات في الجاهلية، وكان العرب يشربون الخمر بإسراف، بل يجعلونها من المفاخر التي يتسابقون في مجالسها. وكان يصاحب مجلسَ الشراب نحرُ الذبائح، واتخاذ الشواء منها للشاربين، والمقامرة عليها بالأزلام. كذلك كانوا يذبحون قرابينهم عند الانصاب.. فنهى الله تعالى عن هذه المفاسد كلها نهياً قاطعاً، بعد أن مهد لتحريم الخمر مرتين من قبل هذه الآية.
وأول ما ذُكرت الخمر في سورة النحل، وهي مكيّة، في قوله تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً....} الآية.
ثم نزل في المدينة وفي سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا....} الآية فالمنافع في الربح والتجارة، والإثم في الشر والمفاسد التي تنجم عنهما. وقد تركها بعضُ الصحابة، واستمر آخرون.
ثم نزل قوله تعالى في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ...} الآية كذلك تركها البعضُ واستمرّ عليها آخرون. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه دائما يقول: اللهم بَيّن لنا في الخمر. وقد حدثت حوادث بين بعض الأنصار ونفرٍ من قريش، وهم على الشراب، وكان من جملة الذي لحقهم أذى سعد بن أبي وقّاص حيث ضربه احد الانصار ففَزَر له أنفه. وحين نزلت {يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب...} الآية كانت الحاسمة في تحريم الخمر تحريماً قاطعاً.
يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله: إن الخمر التي تشربونها، والميسر الذي تقامرون به، والاصنام التي تذبحون عندها قرابينكم، والازلام التي تستقسمون بها، كل ذلك رِجسٌ قذِر من إغواء الشيطان لكم، وقد كرهه لكم ولذلك حرّمها، فاجتنبوها نهايئاً، رجاء ان تفلحوا وتفوزوا برضاه.
{إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}.
بعد أن أمر الله تعالى باجتناب الخمر والميسر ذكر أن فيهما مفسدتين: احدهما دنيوية، هي ايقاع العداوة والغضاء بين الناس. والثانية دينية هي الصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة التي هي عماد الدين. ثم اكد بذلك بهذا الاستفهام بقوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}، أي انْتَهُوا عن هذه الأشياء.
وأسمعُ بعض الناس يقولون: إن الخمر غير محرّمة، لأ، ه لم يقل الله انها حرام صراحةً بل قال: اجتنبوه.
وقولهم هذه كلام فيه الهوى والتذرّع بالتلاعب بالالفاظ لتعليل الأمور التي يحبونها، فالقرآن ليس كتاب فقه حتى ينصّ على كل شيء بأنه حارم أو حلال، وانما هو قرآن كريم له اسلوب عربي فريد لا يدانيه اسلوب. واكبر دليل على تحريم الخمر تحريما نهائياً أن الله تعالى قرن الخمر بالميسر الذي هو القمار، وبالأزلام والأنصاب، وقد جاء تحريم الأزلام والانصاب صريحاً بقوله تعالى في أول هذه السورة {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ذلكم فِسْقٌ...} الآية ولما نزلت {إِنَّمَا الخمر والميسر...} الآية قال سيدُنا عمر: أُقرِنْتِ بالميسِر والأنصابِ والأزلام، بعداً لكِ وسحُقا.
فإذا كانت عبادة الأصنام والذبحُ عندها تقرّباً لها حلالا، فإن الخمر تكون حلالا، واذا كانت الأزلام والاستقسام بها حلالا، فإن الخمر تكون كذلك، واذا كان الميسر والمقامرة حالاً فإن الخمر كذلك تكون حلالا.. الذين يقولون بتحليلها أناس يتّبعون أهواءهم، ولا يخشَون الله فيما يقولون.
والأزلام: هي سهام من خشب، وهي ثلاثة أقسام:
(1) قِداح الميسر وهي عشرة واساؤها كما يلي: الفَذّ والتوأم والرقيب والحِلْسُ والنافِس والمُسيل والمعلَّى والمَنِيح والسَّفِيح والوغد، ولكل واحدٍ من هذه نصيبٌ إذا فاز، واذا خاب عليه ذلك النصيب. وأعلاها المعلَّى له سبعة أجزاء.
(2) والقسم الثاني: ثلاثة ازلام: مكتوب على أحدها: امرني ربي، وعلى الثاني نهاني ربي، والثالث غُفل ليس عليه كتابة.
(3) وهذا القسم للأحكام.
وكانت العرب في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً أو تجارة أو نكاحاً أو اختلفوا في نسب، أو أمر قتيل أو تحمُّل دية مقتول أو غير ذلك من الامور جاء إلى هُبَل، أعظم صنم في الكعبة لقريش، وقدّم مائة درهم إلى السادن، فيخرج له القداح ويسحب واحداً منها من الكيس التي هي فيه. فإذا خرج أمرني ربي، أمضى عمله، والا تركه.
ولقد رحم الإسلام هذه الأمور لأنها تشتمل على مفاسد، والاسلام يريد ان يبني مجتمعاً نقيا طاهرا.