فصل: باب الْأَسْوَاقِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَبَايَعَ بِهَا النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب مَا قِيلَ فِي الصَّوَّاغِ

وَقَالَ طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَقَالَ الْعَبَّاسُ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ فَقَالَ إِلَّا الْإِذْخِرَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ما قيل في الصواغ‏)‏ بفتح أوله على الإفراد وبضمه على الجمع يقال صائغ وصواغ بالتحتانية وأصله عمل الصياغة، قال ابن المنير‏:‏ فائدة الترجمة لهذه الصياغة وما بعدها التنبيه على أن ذلك كان في زمنه صلى الله عليه وسلم وأقره مع العلم به فيكون كالنص على جوازه وما عداه يؤخذ بالقياس‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَمِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنْ الْخُمْسِ فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنْ الصَّوَّاغِينَ وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرُسِي

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا عبد الله‏)‏ هو ابن المبارك ويونس هو ابن يزيد، ورواية ابن شهاب بالإسناد المذكور مما قيل فيه إنه أصح الأسانيد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كانت لي شارف‏)‏ بمعجمة وآخره فاء وزن فاعل‏:‏ الناقة المسنة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أبتني بفاطمة‏)‏ أي أدخل بها، وسيأتي الكلام على هذا الحديث في ‏"‏ فرض الخمس‏"‏، والغرض منه قوله ‏"‏ واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع ‏"‏ وقد قدمنا أنهم رهط من اليهود، فيؤخذ منه جواز معاملة الصائغ ولو كان غير مسلم، ويؤخذ منه أنه لا يلزم من دخول الفساد في صنعة أن تترك معاملة صاحبها ولو تعاطاها أراذل الناس مثلا، ولعل المصنف أشار إلى حديث ‏"‏ أكذب الناس الصباغون والصواغون ‏"‏ وهو حديث مضطرب الإسناد أخرجه أحمد وغيره‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُلْتَقَطُ لُقْطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَلِسُقُفِ بُيُوتِنَا فَقَالَ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَقَالَ عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي مَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا هُوَ أَنْ تُنَحِّيَهُ مِنْ الظِّلِّ وَتَنْزِلَ مَكَانَهُ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ خَالِدٍ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا إسحاق‏)‏ هو ابن شاهين، وخالد هو الطحان، وشيخه خالد هو الحذاء‏.‏

وقوله في أول الباب ‏"‏ وقال طاوس ‏"‏ وقوله في آخره ‏"‏ وقال عبد الوهاب الخ ‏"‏ تقدم وصل هذبن التعليقين في كتاب الحج، وكذلك شرح الحديث المذكور، وغرض الترجمة منه ذكر الصياغة وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك‏.‏

*3*باب ذِكْرِ الْقَيْنِ وَالْحَدَّادِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ذكر القين‏)‏ بفتح القاف ‏(‏والحداد‏)‏ قال ابن دريد‏:‏ أصل القين الحداد ثم صار كل صائغ عند العرب قينا‏.‏

وقال الزجاج‏:‏ القين الذي يصلح الأسنة، والقين أيضا الحداد‏.‏

وكأن البخاري اعتمد القول الصائر إلى التغاير بينهما‏.‏

وليس في الحديث الذي أورده في الباب إلا ذكر القين، وكأنه ألحق الحداد به في الترجمة لاشتراكهما في الحكم، وسيأتي الكلام على الحديث في تفسير سورة مريم إن شاء الله تعالى‏.‏

وأما قول أم أيمن ‏"‏ أنا قينت عائشة ‏"‏ فمعناه زينتها، قال الخليل‏:‏ التقيين التزيين، ومنه سميت المغنية قينة لأن من شأنها الزينة‏.‏

*3*باب ذِكْرِ الْخَيَّاطِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الخياط‏)‏ بالمعجمة والتحتانية، قال الخطابي‏:‏ في أحاديث هذه الأبواب دلالة على جواز الإجازة‏.‏

وفي الخياطة معنى زائد، لأن الغالب أن يكون الخيط من عند الخياط فيجتمع فيها إلى الصنعة الآلة، وكان القياس أنه لا تصح إذ لا تتميز إحداهما عن الأخرى غالبا، لكن الشارع أقره لما فيه من الإرفاق واستقر عمل الناس عليه، وسيأتي الكلام على حديث الباب في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى‏.‏

وفيه دلالة على أن الخياطة لا تنافي المروءة‏.‏

*3*باب ذِكْرِ النَّسَّاجِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب النساج‏)‏ بالنون والمهملة وآخره جيم، أورد فيه حديث سهل في البردة وقد تقدم الكلام عليه مستوفي في ‏"‏ باب من استعد الكفن ‏"‏ في كتاب الجنائز‏.‏

وقوله ‏"‏فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاج إليها ‏"‏ أي وهو محتاج إليها فحذف المبتدأ، وللكشميهني ‏"‏ محتاجا إليها ‏"‏ بالنصب على الحال‏.‏

*3*باب النَّجَّارِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب النجار‏)‏ بالنون والجيم، وللكشميهني بكسر النون وتخفيف الجيم وزيادة هاء في آخره وبه ترجم أبو نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ والأول أشبه بسياق بقية التراجم، وأورد فيه حديث سهل أيضا في قصة المنبر، وحديث جابر في ذكر المنبر وحنين الجذع، وقد تقدم الكلام على فوائدهما في كتاب الجمعة‏.‏

وقوله في آخر الحديث ‏"‏ الذي يسكت ‏"‏ بضم أوله وتشديد الكاف، وقوله ‏"‏قال بكت على ما كانت تسمع من الذكر‏"‏‏.‏

يحتمل أن يكون فاعل قال راوي الحديث، لكن صرح وكيع في روايته عن عبد الواحد ابن أيمن بأنه النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه أحمد وابن أبي شيبة عنه‏.‏

*3*باب شِرَاءِ الْإِمَامِ الْحَوَائِجَ بِنَفْسِهِ

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا اشْتَرَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَلًا مِنْ عُمَرَ وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِنَفْسِهِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا جَاءَ مُشْرِكٌ بِغَنَمٍ فَاشْتَرَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ شَاةً وَاشْتَرَى مِنْ جَابِرٍ بَعِيرًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب شراء الإمام الحوائج بنفسه‏)‏ كذا لأبي ذر عن غير الكشميهني، وسقطت الترجمة للباقين، ولبعضهم ‏"‏ شراء الحوائج بنفسه ‏"‏ أي الرجل‏.‏

وفائدة الترجمة رفع توهم من يتوهم أن تعاطي ذلك يقدح في المروءة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال ابن عمر‏:‏ اشترى النبي صلى الله عليه وسلم جملا من عمر‏)‏ هو طرف من حديث سيأتي موصولا في كتاب الهبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واشترى ابن عمر بنفسه‏)‏ هذا التعليق ثبت في رواية الكشميهني وحده، وسيأتي موصولا بعد باب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال عبد الرحمن بن أبي بكر‏)‏ أى الصديق ‏(‏جاء مشرك بغنم‏)‏ الحديث هو طرف من حديث يأتي موصولا في آخر البيوع في ‏"‏ باب الشراء والبيع مع المشركين‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واشترى‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏من جابر بعيرا‏)‏ هو طرف من حديث موصول في الباب الذي يليه، وفي هذه الأحاديث مباشرة الكبير والشريف شراء الحوائج وإن كان له من يكفيه إذا فعل ذلك على سبيل التواضع، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يشك أحد أنه كان له من يكفيه ما يريد من ذلك ولكنه كان يفعله تعليما وتشريعا ثم أورد حديث عائشة في شراء الطعام من اليهودي، وسيأتي شرحه في أول الرهن إن شاء الله تعالى‏.‏

*3*باب شِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالْحُمُرِ وَإِذَا اشْتَرَى دَابَّةً أَوْ جَمَلًا وَهُوَ عَلَيْهِ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ بِعْنِيهِ يَعْنِي جَمَلًا صَعْبًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب شراء الدواب والحمير‏)‏ في رواية أبي ذر ‏"‏ الحمر ‏"‏ بضمتين، وليس في حديثي الباب ذكر للحمر وكأنه أشار إلى إلحاقها في الحكم بالإبل لأن حديثي الباب إنما فيهما ذكر بعير وجمل، ولا اختصاص في الحكم المذكور بدابة دون دابة فهذا وجه الترجمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإذا اشترى دابة أو جملا وهو‏)‏ أي البائع ‏(‏عليه هل يكون ذلك قبضا‏)‏ يعني أو يشترط في القبض قدر زائد على مجرد التخلية‏؟‏ وهي مسألة خلافية سيأتي شرحها قريبا في ‏"‏ باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بعنيه يعني جملا صعبا‏)‏ هذا طرف من حديث سيأتي في الباب المذكور‏.‏

ثم أورد حديث جابر في قصة بيع جمله، وسيأتي الكلام عليه مستوفي في كتاب الشروط إن شاء الله تعالى ويقال إن الغزوة التي كان فيها هي غزوة ذات الرقاع، وقوله فيه ‏"‏ يحجنه ‏"‏ بفتح أوله وسكون المهملة وضم الجيم أي يطعنه وقوله ‏"‏ أبكرا أم ثيبا ‏"‏ بالنصب فيهما بتقدير أتزوجت، ويجوز الرفع بتقدير أهي‏.‏

*3*باب الْأَسْوَاقِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَبَايَعَ بِهَا النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الأسواق التي كانت في الجاهلية، فتبايع بها الناس في الإسلام‏)‏ ‏.‏

قال ابن بطال‏:‏ فقه هذه الترجمة أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية لا تمنع من فعل الطاعة فيها، ثم أورد المصنف فيه حديث ابن عباس، وقد تقدم التنبيه عليه في أول البيوع وأن شرحه مضى في كتاب الحج‏.‏

*3*باب شِرَاءِ الْإِبِلِ الْهِيمِ أَوْ الْأَجْرَبِ الْهَائِمُ الْمُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب شراء الإبل الهيم‏)‏ بكسر الهاء جمع أهيم للمذكر ويقال للأنثى هيمي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أو الأجرب‏)‏ في رواية النسفي ‏"‏ والأجرب ‏"‏ وهو من عطف المفرد على الجمع في الصفة لأن الموصوف هنا هو الإبل وهو اسم جنس صالح للجمع والمفرد، فكأنه قال شراء الإبل الهيم وشراء الإبل الجرب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الهائم المخالف للقصيد في كل شيء‏)‏ قال ابن التين‏:‏ ليس الهائم واحد الهيم، وما أدري لم ذكر البخاري الهائم هنا ا هـ‏.‏

وقد أثبت غيره ما نفاه، قال الطبري في تفسيره‏:‏ الهيم جمع أهيم، ومن العرب من يقول هائم ثم يجمعونه على هيم كما قالوا غائط وغيط، قال‏:‏ والإبل الهيم التي أصابها الهيام بضم الهاء وبكسرها داء تصير منه عطشي تشرب فلا تروى‏.‏

وقيل الإبل الهيم المطلية بالقطران من الجرب فتصير عطشي من حرارة الجرب، وقيل هو داء ينشأ عنه الجرب‏.‏

ثم أسند من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس من قوله‏:‏ ‏(‏فشاربون شرب الهيم‏)‏ قال‏:‏ الإبل العطاش‏.‏

ومن طريق عكرمة هي الإبل يأخذها العطش فتشرب حتى تهلك‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عَمْرٌو كَانَ هَا هُنَا رَجُلٌ اسْمُهُ نَوَّاسٌ وَكَانَتْ عِنْدَهُ إِبِلٌ هِيمٌ فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَاشْتَرَى تِلْكَ الْإِبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ فَجَاءَ إِلَيْهِ شَرِيكُهُ فَقَالَ بِعْنَا تِلْكَ الْإِبِلَ فَقَالَ مِمَّنْ بِعْتَهَا قَالَ مِنْ شَيْخٍ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ وَيْحَكَ ذَاكَ وَاللَّهِ ابْنُ عُمَرَ فَجَاءَهُ فَقَالَ إِنَّ شَرِيكِي بَاعَكَ إِبِلًا هِيمًا وَلَمْ يَعْرِفْكَ قَالَ فَاسْتَقْهَا قَالَ فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُهَا فَقَالَ دَعْهَا رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَدْوَى سَمِعَ سُفْيَانُ عَمْرًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال عمرو‏)‏ هو ابن دينار، وقول البخاري في آخر الحديث ‏"‏ سمع سفيان عمرا ‏"‏ هو مقول شيخه علي بن عبد الله، وقد رواه الحميدي في مسنده عن سفيان قال ‏"‏ حدثنا عمرو به‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان هاهنا‏)‏ أى بمكة‏.‏

وفي رواية ابن أبي عمر عن سفيان عند الإسماعيلي ‏"‏ من أهل مكة‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏اسمه نواس‏)‏ بفتح النون والتشديد للأكثر، وللقابسي بالكسر والتخفيف، وللكشميهني كالأول لكن بزيادة ياء النسب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من شريك له‏)‏ لم أقف على اسمه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إبلا هيما‏)‏ في رواية ابن أبي عمر هياما بكسر أوله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولم يعرفك‏)‏ بسكون العين من المعرفة للأكثر، وللمستملي بضم أوله وفتح العين والتشديد من التعريف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فاستقها‏)‏ بالمهملة فعل أمر من الاستياق، والقائل ابن عمر والمقول له نواس‏.‏

وفي رواية ابن أبي عمر ‏"‏ قال فاستقها إذا ‏"‏ أي إن كان الأمر كما تقول فارتجعها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقال دعها‏)‏ القائل هو ابن عمر، وكأن نواسا أراد أن يرتجعها فاستدرك ابن عمر فقال‏:‏ دعها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رضينا بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ أي رضيت بحكمه حيث حكم ألا عدوى ولا طيرة، وعلى التأويل الذي اختاره ابن التين يصير الحديث موقوفا من كلام ابن أبي عمر، وعلى الذي اخترته جرى الحميدي في جمعه فأورد هذه الطريق عقب حديث الزهري عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر عن أبيهما مرفوعا ‏"‏ لا عدوى ولا طيرة ‏"‏ كأنه اعتمد على أنه حديث واحد، وفي الحديث جواز بيع الشيء المعيب إذا بينه البائع ورضي به المشتري، سواء بينه البائع قبل العقد أو بعده، لكن إذا أخر بيانه عن العقد ثبت الخيار للمشتري‏.‏

وفيه اشتراء الكبير حاجته بنفسه، وتوقي ظلم الرجل الصالح، وذكر الحميدي في آخر الحديث قصة قال‏:‏ وكان نواس يجالس ابن عمر وكان يضحكه، فقال يوما‏:‏ وددت أن لي أبا قبيس ذهبا، فقال له ابن عمر‏:‏ ما تصنع به‏؟‏ قال‏:‏ أموت عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا عدوى‏)‏ قال الخطابي‏:‏ لا أعرف للعدوى هنا معنى إلا أن يكون الهيام داء من شأنه أن من وقع به إذا رعى مع الإبل حصل لها مثله‏.‏

وقال غيره‏:‏ لها معنى ظاهر، أي رضيت بهذا البيع على ما فيه من العيب ولا أعدي على البائع حاكما‏.‏

واختار هذا التأويل ابن التين ومن تبعه‏.‏

وقال الداودي‏:‏ معنى قوله ‏"‏ لا عدوى ‏"‏ النهي عن الاعتداء والظلم‏.‏

وقال أبو علي الهجري في ‏"‏ النوادر ‏"‏‏:‏ الهيام داء من أدواء الإبل يحدث عن شرب الماء النجل إذا كثر طحلبه، ومن علامة حدوثه إقبال البعير على الشمس حيث دارت، واستمراره على أكله وشربه وبدنه ينقص كالذائب، فإذا أراد صاحبه استبانة أمره استبان له فإن وجد ريحه مثل ريح الخميرة فهو أهيم، فمن شم من بوله أو بعره أصابه الهيام ا هـ‏.‏

وبهذا يتضح المعنى الذي خفي على الخطابي وأبداه احتمالا، وبه يتضح صحة عطف البخاري الأجرب على الهيم لاشتراكهما في دعوى العدوى، ومما يقويه أن الحديث على هذا التأويل يصير في حكم المرفوع، ويكون قول ابن عمر ‏"‏ لا عدوى ‏"‏ تفسيرا للقضاء الذي تضمنه‏.‏

*3*باب بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ وَغَيْرِهَا

وَكَرِهَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ بَيْعَهُ فِي الْفِتْنَةِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها‏)‏ أي هل يمنع أم لا‏؟‏ قوله‏:‏ ‏(‏وكره عمران بن حصين بيعه في الفتنة‏)‏ أي في أيام الفتنة، وهذا وصله ابن عدي في الكامل من طريق أبي الأشهب عن أبي رجاء عن عمران، ورواه الطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي رجاء عن عمران مرفوعا وإسناده ضعيف، وكأن المراد بالفتنة ما يقع من الحروب بين المسلمين لأن في بيعه إذ ذاك إعانة لمن اشتراه، وهذا محله إذا اشتبه الحال، فأما إذا تحقق الباغي فالبيع للطائفة التي في جانبها الحق لا بأس به، قال ابن بطال‏:‏ إنما كره بيع السلاح في الفتنة لأنه من باب التعاون على الإثم ومن ثم كره مالك والشافعي وأحمد وإسحاق بيع العنب ممن يتخذه خمرا وذهب مالك إلى فسخ البيع وكأن المصنف أشار إلى خلاف الثوري في ذلك حيث قال بع حلالك ممن شئت‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ فَأَعْطَاهُ يَعْنِي دِرْعًا فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن يحيى بن سعيد‏)‏ هو الأنصاري، وعمر بن كثير هو ابن أفلح وقع في رواية يحيى بن يحيى الأندلسي ‏"‏ عمرو ‏"‏ بفتح العين وهو تصحيف‏.‏

والإسناد كله مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق أولهم يحيى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين فبعت الدرع‏)‏ كذا وقع مختصرا، فقال الخطابي‏:‏ سقط شيء من الحديث لا يتم الكلام إلا به وهو أنه قتل رجلا من الكفار فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم وكان الدرع من سلبه، وتعقبه ابن التين بأنه تعسف في الرد على البخاري لأنه إنما أراد جواز بيع الدرع فذكر موضعه من الحديث وحذف سائره، وكذا يفعل كثيرا‏.‏

قلت‏:‏ وهو كما قال‏.‏

وليس ما قاله الخطابي بمدفوع، وسيأتي الحديث مستوفي مع الكلام عليه في غزوة حنين من كتاب المغازي‏.‏

وقد استشكل مطابقته للترجمة‏:‏ قال الإسماعيلي ليس في هذا الحديث من ترجمة الباب شيء، وأجيب بأن الترجمة مشتملة على بيع السلاح في الفتنة وغيرها فحديث أبي قتادة منزل على الشق الثاني وهو بيعه في غير الفتنة‏.‏

وقرأت بخط القطب في شرحه‏:‏ يحتمل أن يكون الرجل لما قال فأرضه منه فأراد أن يأخذ الدرع ويعوضه عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه بمنزلة البيع؛ وكان ذلك وقت الفتنة‏.‏

انتهى‏.‏

ولا يخفى تعسف هذا التأويل، والحق أن الاستدلال بالبيع إنما هو في بيع أبي قتادة الدرع بعد ذلك، لأنه باع الدرع فاشترى بثمنه البستان، وكان ذلك في غير زمن الفتنة، ويحتمل أن المراد بإيراد هذا الحديث جواز بيع السلاح في الفتنة لمن لا يخشى منه الضرر، لأن أبا قتادة باع درعه في الوقت الذي كان القتال فيه قائما بين المسلمين والمشركين وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، والظن به أنه لم يبعه ممن يعين على قتال المسلمين، فيستفاد منه جواز بيعه في زمن القتال لمن لا يخشى منه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مخرفا‏)‏ بالمعجمة الساكنة والفاء مفتوح الأول هو البستان، وبكسر الميم الوعاء الذي يجمع فيه الثمار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بني سلمة‏)‏ بكسر اللام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تأثلته‏)‏ بالمثلثة قبل اللام أي جمعته قاله ابن فارس‏.‏

وقال القزاز جعلته أصل مالي، وأثلة كل شيء أصله‏.‏

*3*باب فِي الْعَطَّارِ وَبَيْعِ الْمِسْكِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب في العطار وبيع المسك‏)‏ ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك، وكأنه ألحق العطار به لاشتراكهما في الرائحة الطيبة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبد الواحد‏)‏ هو ابن زياد، وأبو بردة بن عبد الله هو بريد بن عبد الله بن أبي بردة ابن أبي موسى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كمثل صاحب المسك‏)‏ في رواية أبي أسامة عن بريد كما سيأتي في الذبائح ‏"‏ كحامل المسك ‏"‏ وهو أعم من أن يكون صاحبه أو لا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكير الحداد‏)‏ بكسر الكاف بعدها تحتانية ساكنة معروف‏.‏

وفي رواية أبي أسامة ‏"‏ كحامل المسك ونافخ الكير ‏"‏ وحقيقته البناء الذي يركب عليه الزق والزق هو الذي ينفخ فيه فأطلق على الزق اسم الكير مجازا لمجاورته له، وقيل الكير هو الزق نفسه وأما البناء فاسمه الكور‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يعدمك‏)‏ بفتح أوله وكذلك الدال من العدم أي لا يعدمك إحدى الخصلتين أى لا يعدوك، تقول ليس يعدمني هذا الأمر أي ليس يعدوني‏.‏

وفي رواية أبي ذر بضم أوله وكسر الدال من الإعدام أي لا يعدمك صاحب المسك إحدى الخصلتين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إما تشتريه أو تجد ريحه‏)‏ في رواية أبي أسامة إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، ورواية عبد الواحد أرجح لأن الإحذاء - وهو الإعطاء - لا يتعين بخلاف الرائحة فإنها لازمة سواء وجد البيع أو لم يوجد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك‏)‏ في رواية أبي أسامة ‏"‏ ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك ‏"‏ ولم يتعرض لذكر البيت وهو واضح، وفي الحديث النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته في الدين والدنيا، والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما، وفيه جواز بيع المسك والحكم بطهارته لأنه صلى الله عليه وسلم مدحه ورغب فيه ففيه الرد على من كرهه وهو منقول عن الحسن البصري وعطاء وغيرهما، ثم انقرض هذا الخلاف واستقر الإجماع على طهارة المسك وجواز بيعه، وسيأتي لذلك مزيد بيان في كتاب الذبائح، ولم يترجم المصنف للحداد لأنه تقدم ذكره، وفيه ضرب المثل والعمل في الحكم بالأشباه والنظائر‏.‏

*3*باب ذِكْرِ الْحَجَّامِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ذكر الحجام‏)‏ قال ابن المنير‏:‏ ليست هذه الترجمة تصويبا لصنعة الحجامة فإنه قد ورد فيها حديث يخصها، وإن كان الحجام لا يظلم أجره فالنهي على الصانع لا على المستعمل، والفرق بينهما ضرورة المحتجم إلى الحجامة وعدم ضرورة الحجام لكثرة الصنائع سواها‏.‏

قلت‏:‏ إن أراد بالتصويب التحسين والندب إليها فهو كما قال، وإن أراد التجويز فلا فإنه يسوغ للمستعمل تعاطيها للضرورة، ومن لازم تعاطيها للمستعمل تعاطي الصانع لها فلا فرق إلا بما أشرت إليه، إذ لا يلزم من كونها من المكاسب الدنيئة أن لا تشرع فالكساح أسوأ حالا من الحجام ولو تواطأ الناس على تركه لأضر ذلك بهم، وسيأتي الكلام على كسب الحجام في كتاب الإجارة، ويأتي الكلام هناك عن حديثي الباب عن أنس وابن عباس إن شاء الله تعالى‏.‏

*3*باب التِّجَارَةِ فِيمَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء‏)‏ أي إذا كان مما ينتفع به غير من كره له لبسه، أما ما لا منفعة فيه شرعية فلا يجوز بيعه أصلا على الراجح من أقوال العلماء، وذكر فيه حديثين‏:‏ أحدهما حديث ابن عمر في قصة عمر في حلة عطارد وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها، يعني تبيعها ‏"‏ وسيأتي في اللباس من وجه آخر بلفظ ‏"‏ إنما بعثت بها إليك لتبيعها أو لتكسوها ‏"‏ وهو واضح فيما ترجم له هنا من جواز بيع ما يكره لبسه للرجال، والتجارة وإن كانت أخص من البيع لكنها جزؤه المستلزمة له، وأما ما يكره لبسه للنساء فبالقياس عليه، أو المراد بالكراهة في الترجمة ما هو أعم من التحريم والتنزيه فيدخل فيه الرجال والنساء، فعرف بهذا جواب ما اعترض به الإسماعيلي من أن حديث ابن عمر لا يطابق الترجمة حيث ذكر فيها النساء‏.‏

الثاني حديث عائشة في قصة النمرقة المصورة، وسيأتي الكلام عليه وعلى الذي قبله مستوفي في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى ‏"‏ ووجه الدلالة منه أنه صلى الله عليه وسلم لم يفسخ البيع في النمرقة، وسيأتي أن في بعض طرق الحديث المذكور أنه صلى الله عليه وسلم توكأ عليها بعد ذلك، والثوب الذي فيه الصورة يشترك في المنع منه الرجال والنساء فهو مطابق للترجمة من هذه الحيثية، بخلاف ما اعترض به الإسماعيلي‏.‏

وقال ابن المنير‏:‏ في الترجمة إشعار بحمل قوله ‏"‏ إنما يلبس هذه من لا خلاق له ‏"‏ على العموم حتى يشترك في ذلك الرجال والنساء، لكن الحق أن ذلك خاص بالرجال، وإنما الذي يشترك فيه الرجال والنساء المنع من النمرقة، وحاصله أن حديث ابن عمر يدل على بعض الترجمة، وحديث عائشة يدل على جميعها

*3*باب صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِالسَّوْمِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب صاحب السلعة أحق بالسوم‏)‏ بفتح المهملة وسكون الواو أي ذكر قدر معين للثمن‏.‏

وقال ابن بطال‏:‏ لا خلاف بين العلماء في هذه المسألة، وإن متولي السلعة من مالك أو وكيل أولى بالسوم من طالب شرائها‏.‏

قلت لكن ذلك ليس بواجب، فسيأتي في قصة جمل جابر أنه صلى الله عليه وسلم بدأه بقوله ‏"‏ بعنيه بأوقية ‏"‏ الحديث‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ وَفِيهِ خِرَبٌ وَنَخْلٌ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبد الوارث‏)‏ هو ابن سعيد والإسناد كله بصريون‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثامنوني‏)‏ بمثلثة على وزن فاعلوني، وهو أمر لهم بذكر الثمن معينا باختيارهم على سبيل السوم ليذكر هو لهم ثمنا معينا يختاره ثم يقع التراضي بعد ذلك، وبهذا يطابق الترجمة‏.‏

وقال المازري‏:‏ معنى قوله ثامنوني أي بايعوني بالثمن أي ولا آخذه هبة، قال‏:‏ فليس فيه إلا أن المشترى يبدأ بذكر الثمن، ‏.‏

وتعقبه عياض‏.‏

بأن الترجمة إنما هي لذكر الثمن معينا، وأما مطلق ذكر الثمن فلا فرق فيه في الأولوية بين البائع والمشتري‏.‏

قلت‏:‏ وقد سبق هذا الحديث في أبواب المساجد، ويأتي الكلام عليه مستوفي في أول الهجرة إن شاء الله تعالى‏.‏

*3*باب كَمْ يَجُوزُ الْخِيَارُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب‏)‏ بالتنوين ‏(‏كم يجوز الخيار‏)‏ والخيار بكسر الخاء اسم من الاختيار أو التخيير، وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، وهو خياران‏:‏ خيار المجلس وخيار الشرط، وزاد بعضهم خيار النقيصة، وهو مندرج في الشرط فلا يزاد‏.‏

والكلام هنا علي خيار الشرط والترجمة معقودة لبيان مقداره وليس في حديثي الباب بيان لذلك، قال ابن المنير‏:‏ لعله أخذ من عدم تحديده في الحديث أنه لا يتقيد بل يفوض الأمر فيه إلى الحاجة لتفاوت السلع في ذلك‏.‏

قلت‏:‏ وقد روى البيهقي من طريق أبي علقمة الغروي عن نافع عن ابن عمر مرفوعا ‏"‏ الخيار ثلاثة أيام ‏"‏ وهذا كأنه مختصر من الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من طريق محمد بن إسحاق عن نافع في قصة حبان بن منقذ وسأذكره بعد خمسة أبواب، وبه احتج للحنفية والشافعية في أن أمد الخيار ثلاثة أيام، وأنكر مالك التوقيت في خيار الشرط ثلاثة أيام بغير زيادة وإن كانت في الغالب يمكن الاختيار فيها، لكن لكل شيء أمد بحسبه يتخير فيه، فللدابة مثلا والثوب يوم أو يومان وللجارية جمعة وللدار شهر‏.‏

وقال الأوزاعي يمتد الخيار شهرا وأكثر بحسب الحاجة إليه‏.‏

وقال الثوري‏:‏ يختص الخيار بالمشتري ويمتد له إلى عشرة أيام وأكثر، ويقال إنه انفرد بذلك، وقد صح القول بامتداد الخيار عن عمر وغيره وسيأتي شيء منه في أبواب الملازمة، ويحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله ‏"‏ كم يجوز الخيار ‏"‏ أي كم يخير أحد المتبايعين الآخر مرة‏.‏

وأشار إلى ما في الطريق الآتية بعد ثلاثة أبواب من زيادة همام ‏"‏ ويختار ثلاث مرار ‏"‏ لكن لما لم تكن الزيادة ثابتة أبقى الترجمة على الاستفهام كعادته‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ نَافِعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَكُونُ الْبَيْعُ خِيَارًا قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا صدقة‏)‏ هو ابن الفضل المروزي، وعبد الوهاب هو الثقفي، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن المتبايعين بالخيار‏)‏ كذا للأكثر، وحكى ابن التين في رواية القابسي ‏"‏ إن المتبايعان ‏"‏ قال وهي لغة‏.‏

وفي رواية أيوب عن نافع في الباب الذي يليه ‏"‏ البيعان ‏"‏ بتشديد التحتانية، والبيع بمعنى البائع كضيق وضائق وصين وصائن وليس كبين وبائن فإنهما متغايران كقيم وقائم، واستعمال البيع في المشتري إما على سبيل التغليب أو لأن كلا منهما بائع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما لم يتفرقا‏)‏ في رواية النسائي ‏"‏ يفترقا ‏"‏ بتقديم الفاء، ونقل ثعلب عن الفضل بن سلمة افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان، ورده ابن العربي بقوله تعالى ‏(‏وما تفرق الذين أوتوا الكتاب‏)‏ فإنه ظاهر في التفرق بالكلام لا أنه بالاعتقاد، وأجيب بأنه من لازمه في الغالب لأن من خالف آخر في عقيدته كان مستدعيا لمفارقته إياه ببدنه، ولا يخفى ضعف هذا الجواب، والحق حمل كلام المفضل على الاستعمال بالحقيقة، وإنما استعمل أحدهما في موضع الآخر اتساعا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أو يكون البيع خيارا‏)‏ سيأتي شرحه بعد باب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال نافع وكان ابن عمر الخ‏)‏ هو موصول بالإسناد المذكور، وقد ذكره مسلم أيضا من طريق ابن جريج عن نافع، وهو ظاهر في أن ابن عمر كان يذهب إلى أن التفرق المذكور بالأبدان كما سيأتي‏.‏

وفي الحديث ثبوت الخيار لكل من المتبايعين ما داما في المجلس وسيأتي بعد باب‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا وَزَادَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا بَهْزٌ قَالَ قَالَ هَمَّامٌ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي التَّيَّاحِ فَقَالَ كُنْتُ مَعَ أَبِي الْخَلِيلِ لَمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي الخليل‏)‏ في رواية شعبة الآتية بعد باب ‏"‏ عن قتادة عن صالح أبي الخليل ‏"‏ وفي رواية أحمد عن غندر عن شعبة عن قتادة ‏"‏ سمعت أبا الخليل‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الله بن الحارث‏)‏ هو أبو نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، ولم ينسب في شيء من طرق حديثه في الصحيحين، لكن وقع لأحمد من طريق سعيد عن قتادة ‏"‏ عبد الله بن الحارث الهاشمي ‏"‏ ورواه ابن خزيمة والإسماعيلي عنه من وجه آخر عن شعبة فقال عن قتادة ‏"‏ سمعت أبا الخليل يحدث عن عبد الله ابن الحارث بن نوفل ‏"‏ وعبد الله هذا مذكور في الصحابة لأن ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأتى به فحنكه، وهو معدود من حيث الرواية في كبار التابعين، وقتادة وشيخه تابعيان أيضا، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر عن العباس في قصة أبي طالب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وزاد أحمد حدثنا بهز‏)‏ أي ابن أسد، وهذه الطريق وصلها أبو عوانة في صحيحه عن أبي جعفر الدارمي واسمه أحمد بن سعيد عن بهز به ولم أرها في مسند أحمد بن حنبل، وزعم بعضهم أنه أحمد المذكور، وستأتي هذه الزيادة من وجه آخر عن همام بعد ثلاثة أبواب بأوضح من سياقه‏.‏

وفي صنيع همام فائدة طلب علو الإسناد لأن بينه وبين أبي الخليل في إسناده الأول رجلين وفي الثاني رجل واحد‏.‏

*3*باب إِذَا لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْخِيَارِ هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب إذا لم يوقت الخيار‏)‏ أي إذا لم يعين البائع أو المشتري وقتا للخيار وأطلقاه ‏(‏هل يجوز البيع‏)‏ وكأنه أشار بذلك إلى الخلاف الماضي في حد خيار الشرط، والذي ذهب إليه الشافعية والحنفية أنه لا يزاد فيه على ثلاثة أيام، وذهب ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون إلى أنه لا أمد لمدة خيار الشرط بل البيع جائز والشرط لازم إلى الوقت الذي يشترطانه وهو اختيار ابن المنذر، فإن شرطا أو أحدهما الخيار مطلقا فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى‏:‏ هو شرط باطل والبيع جائز‏.‏

وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي‏:‏ يبطل البيع أيضا‏.‏

وقال أحمد وإسحاق للذي شرط الخيار أبدا‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ قوله ‏"‏ أو يقول أحدهما ‏"‏ كذا هو في جميع الطرق بإثبات الواو في يقول، وفي إثباتها نظر لأنه مجزوم عطفا على قوله ‏"‏ ما لم يتفرقا ‏"‏ فلعل الضمة أشبعت كما أشبعت الياء في قراءة من قرأ ‏(‏إنه من يتقي ويصبر‏)‏ ‏.‏

ويحتمل أن تكون بمعنى ‏"‏ إلا أن ‏"‏ فيقرأ حينئذ بنصب اللام وبه جزم النووي وغيره، ثم ذكر المصنف في الباب حديث ابن عمر من وجه آخر عن نافع وفيه ‏"‏ أو يكون بيع خيار ‏"‏ والمعنى أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه اختر إمضاء البيع أو فسخه فاختار إمضاء البيع مثلا أن البيع يتم وإن لم يتفرقا، وبهذا قال الثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وآخرون‏.‏

وقال أحمد لا يتم البيع حتى يتفرقا، وقيل إنه تفرد بذلك، وقيل المعنى بقوله ‏"‏ أو يكون بيع خيار ‏"‏ أي أن يشترطا الخيار مطلقا فلا يبطل بالتفرق، وسيأتي البحث فيه بعد بابين مستوفي إن شاء الله تعالى‏.‏

*3*باب الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا

وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَشُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وبه قال ابن عمر‏)‏ أي بخيار المجلس، وهو بين من صنيعه الذي مضى قبل باب، وأنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه‏.‏

وللترمذي من طريق ابن فضيل عن يحيى بن سعيد ‏"‏ وكان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد قام ليجب له ‏"‏ ولابن أبي شيبة من طريق محمد بن إسحاق عن نافع ‏"‏ كان ابن عمر إذا باع انصرف ليجب له البيع ‏"‏ ولمسلم من طريق ابن جريج قال‏:‏ أملى على نافع فذكر الحديث وفيه ‏"‏ قال نافع‏:‏ وكان إذا بايع رجلا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع إليه ‏"‏ وسيأتي صنيع ابن عمر ذلك من وجه آخر بعد بابين، وروى سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله عن عبد العزيز بن حكيم ‏"‏ رأيت ابن عمر اشترى من رجل بعيرا فأخرج ثمنه فوضعه بين يديه فخيره بين بعيره وبين الثمن‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وشريح والشعبي‏)‏ أي قالا بخيار المجلس، وهذا وصله سعيد بن منصور عن هشيم عن محمد ابن علي‏:‏ سمعت أبا الضحى يحدث أنه شهد شريحا واختصم إليه رجلان اشترى أحدهما من الآخر دارا بأربعة آلاف فأوجبها له، ثم بدا له في بيعها قبل أن يفارق صاحبها فقال لي‏:‏ لا حاجة لي فيها، فقال البائع‏:‏ قد بعتك فأوجبت لك، فاختصما إلى شريح فقال‏:‏ هو بالخيار ما لم يتفرقا‏.‏

قال محمد‏:‏ وشهدت الشعبي قضى بذلك‏.‏

وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن شريح قال ‏"‏ البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ‏"‏ وعن جرير عن مغيرة عن وكيع عن الشعبي أنه أتى في رجل اشترى من رجل برذونا فأراد أن يرده قبل أن يتفرقا فقضى الشعبي أنه قد وجب البيع، فشهد عنده أبو الضحى أن شريحا أتى في مثل ذلك فرده على البائع، فرجع الشعبي إلى قول شريح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وطاوس‏)‏ قال الشافعي في ‏"‏ الأم ‏"‏‏:‏ أخبرنا ابن عيينة عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال ‏"‏ خير رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا بعد البيع ‏"‏ قال وكان أبي يحلف ما الخيار إلا بعد البيع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعطاء وابن أبي مليكة‏)‏ وصلها ابن أبي شيبة عن جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة وعطاء قالا‏:‏ البيعان بالخيار حتى يتفرقا عن رضا‏.‏

ونقل ابن المنذر القول به أيضا عن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة، وعن الحسن البصري والأوزاعي وابن جريح وغيرهم، وبالغ ابن حزم فقال لا نعلم لهم مخالفا من التابعين لا النخعي وحده ورواية مكذوبة عن شريح، والصحيح عنه القول به، وأشار إلى ما رواه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن حجاج عن الحكم عن شريح قال‏:‏ إذا تكلم الرجل بالبيع فقد وجب البيع، وإسناده ضعيف لأجل حجاج وهو ابن أرطاة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ قَتَادَةُ أَخْبَرَنِي عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا إسحاق‏)‏ قال أبو علي الجياني‏:‏ لم أره منسوبا في شيء من الروايات، ولعله إسحاق ابن منصور، فإن مسلما روى عن إسحاق بن منصور عن حبان بن هلال‏.‏

قلت‏:‏ قد رأيته منسوبا في رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري في هذا الحديث إسحاق بن منصور، ولم أره في مسند إسحاق بن راهويه من روايته عن حبان، فقوى ما قال أبو علي رحمه الله‏.‏

ثم رأيت أبا نعيم استخرجه من طريق إسحاق بن راهويه عن حبان وقال‏:‏ أخرجه البخاري عن إسحاق فالله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حبان بن هلال‏)‏ هو بفتح الحاء بعدها موحدة ثقيلة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا شعبة‏)‏ سيأتي بعد باب من هذا الوجه ‏"‏ عن همام ‏"‏ بدل شعبة، وهو محمول على أنه كان عند حبان عن شيخين حدثاه به عن شيخ واحد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما لم يتفرقا‏)‏ في رواية همام الماضية قبل باب ‏"‏ ما لم يفترقا ‏"‏ وفي رواية سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر، وعن عطاء عن ابن عباس مرفوعا ‏"‏ ما لم يفارقه صاحبه فإن فارقه فلا خيار له ‏"‏ وقد اختلف القائلون بأن المراد أن يتفرقا بالأبدان هل للتفرق المذكور حد ينتهي إليه‏؟‏ والمشهور الراجح من مذهب العلماء في ذلك أنه موكول إلى العرف، فكل ما عد في العرف تفرقا حكم به وما لا فلا والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإن صدقا وبينا‏)‏ أي صدق البائع في إخبار المشترى مثلا وبين العيب إن كان في السلعة، وصدق المشتري في قدر الثمن مثلا وبين العيب إن كان في الثمن، ويحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد وذكر أحدهما تأكيد للآخر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏محقت بركة بيعهما‏)‏ يحتمل أن يكون على ظاهره وأن شؤم التدليس والكذب وقع في ذلك العقد فمحق بركته، وإن كان الصادق مأجورا والكاذب مأزورا‏.‏

ويحتمل أن يكون ذلك مختصا بمن وقع منه التدليس، والعيب دون الآخر، ورجحه ابن أبي جمرة‏.‏

وفي الحديث فضل الصدق والحث عليه وذم الكذب والحث على منعه، وأنه سبب لذهاب البركة، وأن عمل الآخرة يحصل خيري الدنيا والآخرة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا بيع الخيار‏)‏ أي فلا يحتاج إلى التفرق كما سيأتي شرحه في الباب الذي يليه‏.‏

وفي رواية أيوب عن نافع في الباب الذي قبله ‏"‏ ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر ‏"‏ وهو ظاهر في حصر لزوم البيع بهذين الأمرين، وفيه دليل على إثبات خيار المجلس وقد مضى قبل بباب أن ابن عمر حمله على التفرق بالأبدان، وكذلك أبو برزة الأسلمي، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة‏.‏

وخالف في ذلك إبراهيم النخعي فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه قال ‏"‏ البيع جائز وإن لم يتفرقا ‏"‏ ورواه سعيد بن منصور عنه بلفظ ‏"‏ إذا وجبت الصفقة فلا خيار ‏"‏ وبذلك قال المالكية إلا ابن حبيب والحنفية كلهم، قال ابن حزم‏:‏ لا نعلم لهم سلفا إلا إبراهيم وحده، وقد ذهبوا في الجواب عن حديثي الباب فرقا‏:‏ فمنهم من رده لكونه معارضا لما هو أقوى منه، ومنهم من صححه ولكن أوله على غير ظاهره، فقالت طائفة منهم‏:‏ هو منسوخ بحديث ‏"‏ المسلمون على شروطهم ‏"‏ والخيار بعد لزوم العقد يفسد الشرط، وبحديث التحالف عند اختلاف المتبايعين لأنه يقتضي الحاجة إلى اليمين وذلك يستلزم لزوم العقد ولو ثبت الخيار لكان كافيا في رفع العقد، وبقوله تعالى ‏(‏وأشهدوا إذا تبايعتم‏)‏ والإشهاد إن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر وإن وقع قبل التفرق لم يصادف محلا، ولا حجة في شيء من ذلك لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسف ولا تكلف‏.‏

وقال بعضهم هو من رواية مالك وقد عمل بخلافه فدل على أنه عارضه ما هو أقوى منه، والراوي إذا عمل بخلاف ما روى دل على وهن‏.‏

المروي عنده‏.‏

وتعقب بأن مالكا لم يتفرد به، فقد رواه غيره وعمل به وهم أكثر عددا رواية وعملا، وقد خص كثير من محققي أهل الأصول الخلاف المشهور - فيما إذا عمل الراوي بخلاف ما روى - بالصحابة دون ما جاء بعدهم، ومن قاعدتهم أن الراوي أعلم بما روى، وابن عمر هو راوي الخبر وكان يفارق إذا باع ببدنه فاتباعه أولى من غيره‏.‏

وقالت طائفة هو معارض بعمل أهل المدينة، ونقل ابن التين عن أشهب بأنه مخالف لعمل أهل مكة أيضا‏.‏

وتعقب بأنه قال به ابن عمر ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم ابن أبي ذئب كما مضى، وهؤلاء من أكابر علماء أهل المدينة في أعصارهم ولا يحفظ عن أحد من علماء المدينة القول بخلافه سوى عن ربيعة‏.‏

وأما أهل مكة فلا يعرف أحد منهم القول بخلافه، فقد سبق عن عطاء وطاوس وغيرهما من أهل مكة، وقد اشتد إنكار ابن عبد البر وابن العربي على من زعم من المالكية أن مالكا ترك العمل به لكون عمل أهل المدينة على خلافه، قال ابن العربي‏:‏ إنما لم يأخذ به مالك لأن وقت التفرق غير معلوم فأشبه بيوع الغرر كالملامسة، وتعقب بأنه يقول بخيار الشرط ولا يحده بوقت معين، وما ادعاه من الغرر موجود فيه وبأن الغرر في خيار المجلس معدوم لأن كلا منهما متمكن من إمضاء البيع أو فسخه بالقول أو بالفعل فلا غرر‏.‏

وقالت طائفة هو خبر واحد فلا يعمل به إلا فيما تعم به البلوى، ورد بأنه مشهور فيعمل به كما ادعوا نظير ذلك في خبر القهقهة في الصلاة وإيجاب الوتر‏.‏

وقال آخرون‏:‏ هو مخالف للقياس الجلي في إلحاق ما قبل التفرق بما بعده، وتعقب بأن القياس مع النص فاسد الاعتبار‏.‏

وقال آخرون‏:‏ التفرق بالأبدان محمول على الاستحباب تحسينا للمعاملة مع المسلم لا على الوجوب‏.‏

وقال آخرون‏:‏ هو محمول على الاحتياط للخروج من الخلاف وكلاهما على خلاف الظاهر‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ المراد بالتفرق في الحديث التفرق بالكلام كما في عقد النكاح والإجارة والعتق، وتعقب بأنه قياس مع ظهور الفارق لأن البيع ينقل فيه ملك رقبة المبيع ومنفعته بخلاف ما ذكر‏.‏

وقال ابن حزم‏:‏ سواء قلنا التفرق بالكلام أو بالأبدان فإن خيار المجلس بهذا الحديث ثابت، أما حيث قلنا التفرق بالأبدان فواضح، وحيث قلنا بالكلام فواضح أيضا، لأن قول أحد المتبايعين مثلا بعتكه بعشرة وقول الآخر بل بعشرين مثلا افتراق في الكلام بلا شك، بخلاف ما لو قال اشتريته بعشرة فإنهما حينئذ متوافقان فيتعين ثبوت الخيار لهما حين يتفقان لا حين يتفرقان وهو المدعي‏.‏

وفيل المراد بالمتبايعين المتساومان، ورد بأنه مجاز والحمل على الحقيقة أو ما يقرب منها أولى‏.‏

واحتج الطحاوي بآيات وأحاديث استعمل فيها المجاز وقال‏:‏ من أنكر استعمال لفظ البائع في السائم فقد غفل عن اتساع اللغة‏:‏ وتعقب بأنه لا يلزم من استعمال المجاز في موضع طرده في كل موضع، فالأصل من الإطلاق الحقيقة حتى يقوم الدليل على خلافه‏.‏

وقالوا أيضا‏:‏ وقت التفرق في الحديث هو ما بين قول البائع بعتك هذا بكذا وبين قول المشتري اشتريت، قالوا فالمشتري بالخيار في قوله اشتريت أو تركه والبائع بالخيار إلى أن يوجب المشتري، وهكذا حكاه الطحاوي عن عيسى بن أبان منهم، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، قال عيسى بن أبان‏:‏ وفائدته تظهر فيما لو تفرقا قبل القبول فإن القبول يتعذر، وتعقب بأن تسميتهما متبايعين قبل تمام العقد مجاز أيضا، فأجيب بأن تسميتهما متبايعين بعد تمام العقد مجاز أيضا، لأن اسم الفاعل في الحال حقيقة وفيما عداه مجاز، فلو كان الخيار بعد انعقاد البيع لكان لغير البيعين والحديث يرده فتعين حمل التفرق على الكلام، وأجيب بأنه إذا تعذر الحمل على الحقيقة تعين المجاز، وإذا تعارض المجازان فالأقرب إلى الحقيقة أولى‏.‏

وأيضا فالمتبايعان لا يكونان متبايعين حقيقة إلا في حين تعاقدهما، لكن عقدهما لا يتم إلا بأحد أمرين إما بإبرام العقد أو التفرق على ظاهر الخبر فصح أنهما متعاقدان ما داما في مجلس العقد، فعلى هذا تسميتهما متبايعين حقيقة بخلاف حمل المتبايعين على المتساومين فإنه مجاز باتفاق‏.‏

وقالت طائفة التفرق يقع بالأقوال كقوله تعالى ‏(‏وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته‏)‏ ، وأجيب بأنه سيئ بذلك لكونه يفضي إلى التفرق بالأبدان، قال البيضاوي‏:‏ ومن نفى خيار المجلس ارتكب مجازين بحمله التفرق على الأقوال وحمله المتبايعين على المتساومين، وأيضا فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه، لأنه يصير تقديره إن المتساومين إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه وهو تحصيل الحاصل لأن كل أحد يعرف ذلك، ويقال لمن زعم أن التفرق بالكلام‏:‏ ما هو الكلام الذي يقع به التفرق، أهو الكلام الذي وقع به العقد أم غيره‏؟‏ فإن كان غيره فما هو، فليس بين المتعاقدين كلام غيره‏؟‏ وإن كان هو ذلك الكلام بعينه لزم أن يكون الكلام الذي اتفقا عليه وتم بيعهما به هو الكلام الذي افترقا به وانفسخ بيعهما به وهذا في غاية الفساد‏.‏

وقال آخرون العمل بظاهر الحديث متعذر فيتعين تأويله، وبيان تعذره أن المتبايعين إن اتفقا في الفسخ أو الإمضاء لم يثبت لواحد منهما على الآخر خيار، وإن اختلفا فالجمع بين الفسخ والإمضاء جمع بين النقيضين وهو مستحيل‏.‏

وأجيب بأن المراد أن لكل منهما الخيار في الفسخ، وأما الإمضاء فلا احتياج إلى اختياره فإنه مقتضى العقد والحال يفضي إليه مع السكوت بخلاف الفسخ‏.‏

وقال آخرون‏:‏ حديث بن عمر هذا وحكيم بن حزام معارض بحديث عبد الله بن عمرو، وذلك فيما أخرجه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا ‏"‏ البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله ‏"‏ قال ابن العربي‏:‏ ظاهر هذه الزيادة مخالف لأول الحديث في الظاهر، فإن تأولوا الاستقالة فيه على الفسخ تأولنا الخيار فيه على الاستقالة وإذا تعارض التأويلان فزع إلى الترجيح، والقياس في جانبنا وتعقب بأن حمل الاستقالة على الفسخ أوضح من حمل الخيار على الاستقالة، لأنه لو كان المراد حقيقة الاستقالة لم تمنعه من المفارقة لأنها لا تختص بمجلس العقد، وقد أثبت في أول الحديث الخيار ومده إلى غاية التفرق، ومن المعلوم أن من له الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة فتعين حملها على الفسخ، وعلى ذلك حمله الترمذي وغيره من العلماء فقالوا‏:‏ معناه لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع لأن العرب تقول استقلت ما فات عني إذا استدركه، فالمراد بالاستقالة فسخ النادم منهما للبيع‏.‏

وحملوا نفي الحل على الكراهة لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم، إلا أن اختيار الفسخ حرام، قال ابن حزم‏:‏ احتجاجهم بحديث عمرو بن شعيب على التفرق بالكلام لقوله فيه ‏"‏ خشية أن يستقيله ‏"‏ لكون الاستقالة لا تكون إلا بعد تمام البيع، وصحة انتقال الملك تستلزم أن يكون الخبر المذكور لا فائدة له لأنه يلزم من حمل التفرق على القول إباحة المفارقة، خشي أن يستقيله أو لم يخش‏.‏

وقال بعضهم التفرق بالأبدان في الصرف قبل القبض يبطل العقد فكيف يثبت العقد ما يبطله‏؟‏ وتعقب باختلاف الجهة وبالمعارضة بنظيره، وذلك أن النقد وترك الأجل شرط لصحة الصرف وهو يفسد السلم عندهم‏.‏

واحتج بعضهم بحديث ابن عمر الآتي بعد بابين في قصة البكر الصعب وسيأتي توجهه وجوابه، واحتج الطحاوي بقول ابن عمر‏:‏ ما أدركت الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المبتاع‏:‏ وتعقب بأنهم يخالفونه، أما الحنفية فقالوا‏:‏ هو من مال البائع ما لم يره المبتاع أو ينقله‏.‏

والمالكية قالوا‏:‏ إن كان غائبا غيبة بعيدة فهو من البائع وأنه لا حجة فيه لأن الصفقة فيه محمولة على البيع الذي انبرم لا على ما لم ينبرم جمعا بين كلاميه‏.‏

وقال بعضهم معنى قوله حتى يتفرقا أي حتى يتوافقا يقال للقوم‏:‏ على ماذا تفارقتم‏؟‏ أي على ماذا اتفقتم‏؟‏ وتعقب بما ورد في بقية حديث ابن عمر في جميع طرقه ولا سيما في طريق الليث الآتية في الباب الذي بعد هذا‏.‏

وقال بعضهم حديث ‏"‏ البيعان بالخيار ‏"‏ جاء بألفاظ مختلفة فهو مضطرب لا يحتج به، وتعقب بأن الجمع بين ما اختلف من ألفاظه ممكن بغير تكلف ولا تعسف فلا يضره الاختلاف، وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف ألفاظه وليس هذا الحديث من ذلك‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ لا يتعين حمل الخيار في هذا الحديث على خيار الفسخ، فلعله أريد به خيار الشراء أو خيار الزيادة في الثمن أو المثمن، وأجيب بأن المعهود في كلامه صلى الله عليه وسلم حيث يطلق الخيار إرادة خيار الفسخ كما في حديث المصراة وكما في حديث الذي يخدع في البيوع‏.‏

وأيضا فإذا ثبت أن المراد بالمتبايعين المتعاقدان فبعد صدور العقد لا خيار في الشراء ولا في الثمن‏.‏

وقال ابن عبد البر‏:‏ قد أكثر المالكية والحنفية من الاحتجاج لرد هذا الحديث بما يطول ذكره، وأكثره لا يحصل منه شيء‏.‏

وحكى ابن السمعاني في ‏"‏ الاصطلاح ‏"‏ عن بعض الحنفية قال‏:‏ البيع عقد مشروع بوصف وحكم، فوصفه اللزوم وحكمه الملك، وقد تم البيع بالعقد فوجب أن يتم بوصفه وحكمه، فأما تأخير ذلك إلى أن يفترقا فليس عليه دليل لأن السبب إذا تم يفيد حكمه، ولا ينتفي إلا بعارض ومن ادعاه فعليه البيان‏.‏

وأجاب أن البيع سبب للإيقاع في الندم والندم يحوج إلى النظر فأثبت الشارع خيار المجلس نظرا للمتعاقدين ليسلما من الندم، ودليله خيار الرؤية عندهم وخيار الشرط عندنا‏.‏

قال‏:‏ ولو لزم العقد بوصفه وحكمه لما شرعت الإقالة، لكنا شرعت نظرا للمتعاقدين، إلا أنها شرعت لاستدراك ندم ينفرد به أحدهما فلم تجب، وخيار المجلس شرع لاستدراك ندم يشتركان فيه فوجب‏.‏

*3*باب إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع‏)‏ أي وقبل الفرق ‏(‏فقد وجب البيع‏)‏ أي وإن لم يتفرقا‏.‏

أورد فيه حديث ابن عمر من طريق الليث عن نافع بلفظ ‏"‏ إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، أي فينقطع الخيار، وقوله ‏"‏وكانا جميعا ‏"‏ تأكيد لذلك، وقوله ‏"‏أو يخير أحدهما الآخر ‏"‏ أي فينقطع الخيار، وقوله ‏"‏فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ‏"‏ أي وبطل الخيار، وقوله ‏"‏وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحد منهما البيع ‏"‏ أي لم يفسخه ‏"‏ فقد وجب البيع ‏"‏ أي بعد التفرق، وهذا ظاهر جدا في انفساخ البيع بفسخ أحدهما، قال الخطابي‏:‏ هذا أوضح شيء في ثبوت خيار المجلس، وهو مبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الحديث، وكذلك قوله في آخره ‏"‏ وإن تفرقا بعد أن تبايعا، فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن هو القاطع للخيار، ولو كان معناه التفرق بالقول لخلا الحديث عن فائدة‏.‏

انتهى‏.‏

وقد أقدم الداودي على رد هذا الحديث المتفق على صحته بما لا يقبل منه فقال‏:‏ قول الليث في هذا الحديث ‏"‏ وكانا جميعا الخ ‏"‏ ليس بمحفوظ لأن مقام الليث في نافع ليس كمقام مالك ونظراته‏.‏

انتهى‏.‏

وهو رد لما اتفق الأئمة على ثبوته بغير مستند، وأي لوم على من روى الحديث مفسرا لأحد محتملاته حافظا من ذلك ما لم يحفظه غيره مع وقوع تعدد المجلس، فهو محمول على أن شيخهم حدثهم به تارة مفسرا وتارة مختصرا، وقد اختلف العلماء في المراد بقوله في حديث مالك ‏"‏ إلا بيع الخيار ‏"‏ فقال الجمهور وبه جزم الشافعي‏:‏ هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق، فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخاير‏.‏

قال النووي‏:‏ اتفق أصحابنا على ترجيح هذا التأويل وأبطل كثير منهم ما سواه وغلطوا قائله‏.‏

انتهى‏.‏

ورواية الليث ظاهرة جدا في ترجيحه، وقيل هو استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق، وقيل المراد بقوله ‏"‏ أو يفرق أحدهما الآخر ‏"‏ أي فيشترط الخيار مدة معينة فلا ينقضي الخيار بالتفرق بل يبقى حتى تمضي المدة حكاه ابن عبد البر عن أبي ثور، ورجح الأول بأنه أقل في الإضمار، وتعينه رواية النسائي من طريق إسماعيل - قيل هو ابن أمية وقيل غيره - عن نافع بلفظ إلا أن يكون البيع كان عن خيار ‏"‏ فإن كان البيع عن خيار وجب البيع، وقيل هو استثناء من إثبات خيار المجلس، والمعنى أو يخير أحدهما الآخر فيختار في خيار المجلس فينتفي الخيار وهذا أضعف هذه الاحتمالات، وقيل قوله ‏"‏ إلا أن يكون بيع خيار ‏"‏ أي هما بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا ولو قبل التفرق وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار ولو بعد التفرق، وهو قول يجمع التأويلين الأولين، ويؤيده رواية عبد الرزاق عن سفيان في حديث الباب الذي يليه حيث قال فيه ‏"‏ إلا بيع الخيار أو يقول لصاحبه اختر إن حملنا ‏"‏ أو ‏"‏ على التقسيم لا على الشك‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ قوله ‏"‏ أو يخير أحدهما الآخر ‏"‏ بإسكان الراء من ‏"‏ يخير ‏"‏ عطفا على قوله ‏"‏ ما لم يتفرقا ‏"‏ ويحتمل نصب الراء على أن ‏"‏ أو ‏"‏ بمعنى ‏"‏ إلا أن ‏"‏ كما تقدم قريبا مثله في قوله ‏"‏ أو يقول أحدهما لصاحبه اختر‏"‏