فصل: كتاب الِاعْتِكَافِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*2*كتاب الاعتكاف

*3*باب الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا

لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الاعتكاف في العشر الأواخر، والاعتكاف في المساجد كلها‏)‏ أي مشروطية المسجد له من غير تخصيص بمسجد دون مسجد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لقوله تعالى ‏(‏ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد‏)‏ الآية‏)‏ ووجد الدلالة من الآية أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به، لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها‏.‏

ونقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، وروى الطبري وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية‏:‏ كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجل لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء فنزلت‏.‏

واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر ابن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول للشافعي قدم، وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصه أبو يوسف بالواجب منه وأما النفل ففي كل مسجد‏.‏

وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك، وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقا وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة، واتفقوا على أنه لا حد لأكثره واختلفوا في أقله فمن شرط فيه الصيام قال أقله يوم، ومنهم من قال يصح مع شرط الصيام في دون اليوم حكاه ابن قدامة، وعن مالك يشترط عشرة أيام، وعنه يوم أو يومان، ومن لم يشترط الصوم قالوا أقله ما يطلق عليه اسم لبث ولا يشترط القعود، وقيل يكفي المرور مع النية كوقوف عرفة، وروى عبد الرزاق عن يعلى أمية الصحابي ‏"‏ إني لأمكث في المسجد الساعة وما أمكث إلا لأعتكف‏"‏، واتفقوا على فساده بالجماع حتى قال الحسن والزهري‏:‏ من جامع فيه لزمته الكفارة، وعن مجاهد‏:‏ يتصدق بدينارين، واختلفوا في غير الجماع‏:‏ ففي المباشرة أقوال ثالثها إن أنزل بطل وإلا فلا‏.‏

ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث‏:‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ

الشرح‏:‏

قوله ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان ‏"‏ وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه وزاد‏:‏ قال نافع‏:‏ وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف فيه من المسجد، وزاد ابن ماجة من وجه آخر عن نافع‏:‏ أن ابن عمر كان إذا اعتكف طرح له فراشه وراء أسطوانة التوبة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ

الشرح‏:‏

حديث عائشة مثل حديث ابن عمر وزاد ‏"‏ حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده‏"‏، فيؤخذ من الأول اشتراط المسجد له، ومن الثاني أنه لم ينسخ وليس من الخصائص‏.‏

وأما قول ابن نافع عن مالك‏:‏ فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن ا ه‏.‏

وكأنه أراد صفة مخصوصة، وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة، ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي وقال‏:‏ إنه سنة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال‏:‏ في مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على تأكيده‏.‏

وقال أبو داود عن أحمد‏:‏ لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا أنه مسنون‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن ابن شهاب‏)‏ زاد معمر فيه‏:‏ عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، خالفه الليث عن الزهري فقال‏:‏ عن عروة عن عائشة موصولا وعن سعيد مرسلا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ قَالَ مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ

الشرح‏:‏

حديث أبي سعيد، قد تقدمت مباحثه في الباب الذي قبله‏.‏

*3*باب الْحَائِضِ تُرَجِّلُ رَأْسَ الْمُعْتَكِفِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الحائض ترجل رأس المعتكف‏)‏ أي تمشطه وتدهنه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏يصغي إلى‏)‏ بضم أوله أي يميل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو مجاور‏)‏ في رواية أحمد والنسائي ‏"‏ كان يأتيني وهو معتكف في المسجد فيتكئ على باب حجرتي فأغسل رأسه وسائره في المسجد ‏"‏ وقد تقدمت فوائده في كتاب الحيض، ويؤخذ منه أن المجاورة والاعتكاف واحد، وفرق بينهما مالك‏.‏

وفي الحديث جواز التنظف والتطيب والغسل والحلق والتزين إلحاقا بالترجل، والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد، وعن مالك تكره فيه الصنائع والحرف حتى طلب العلم‏.‏

وفي الحديث استخدام الرجل امرأته برضاها، وفي إخراجه رأسه دلالة على اشتراط المسجد للاعتكاف، وعلى أن من أخرج بعض بدنه من مكان حلف أن لا يخرج منه لم يحنث حتى يخرج رجليه ويعتمد عليهما‏.‏

*3*باب لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب لا يدخل‏)‏ أي المعتكف ‏(‏البيت إلا لحاجة‏)‏ كأنه أطلق على وفق الحديث‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عروة‏)‏ أي ابن الزبير ‏(‏وعمرة‏)‏ كذا في رواية الليث جمع بينهما، ورواه يونس عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة وحده، ورواه مالك عنه عن عروة عن عمرة، قال أبو داود وغيره لم يتابع عليه وذكر البخاري أن عبيد الله بن عمر تابع مالكا، وذكر الدار قطني أن أبا أويس رواه كذلك عن الزهري، واتفقوا على أن الصواب قول الليث وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد‏.‏

وقد رواه بعضهم عن مالك فوافق الليث أخرجه النسائي أيضا، وله أصل من حديث عروة عن عائشة كما سيأتي من طريق هشام عن أبيه وهو عند النسائي من طريق تميم بن سلمة عن عروة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة‏)‏ زاد مسلم إلا لحاجة الإنسان وفسرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل‏.‏

ويلتحق بهما القيء والفصد لمن احتاج إليه، ووقع عند أبي داود من طريق عبد الرحمن بن إسحاق الزهري عن عروة عن عائشة قالت ‏"‏ السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، قال أبو داود غير عبد الرحمن لا يقول فيه البتة، وجزم الدار قطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها ‏"‏ لا يخرج إلا لحاجة ‏"‏ وما عداه ممن دونها، وروينا عن علي والنخعي والحسن البصري إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة‏.‏

وقال الثوري والشافعي وإسحاق إن شرط شيئا من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله وهو رواية عن أحمد‏.‏

*3*باب غَسْلِ الْمُعْتَكِفِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب غسل المعتكف‏)‏ ذكر فيه حديث عائشة أيضا، وقد تقدمت مباحثه في كتاب الحيض‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏فأغسله‏)‏ زاد النسائي من رواية حماد عن إبراهيم ‏"‏ فاغسله بخطمي‏"‏‏.‏

*3*باب الِاعْتِكَافِ لَيْلًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الاعتكاف ليلا‏)‏ أي بغير نهار‏.‏

*3*باب اعْتِكَافِ النِّسَاءِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب اعتكاف النساء‏)‏ أي ما حكمه وقد أطلق الشافعي كراهته لهن في المسجد، الذي تصلي فيه الجماعة، واحتج بحديث الباب فإنه دال على كراهة الاعتكاف للمرأة إلا في مسجد بيتها لأنها تتعرض لكثرة من يراها‏.‏

وقال ابن عبد البر لولا أن ابن عيينة زاد في الحديث - أي حديث الباب - أنهن استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف لقطعت بأن اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة غير جائز‏.‏

انتهى‏.‏

وشرط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها‏.‏

وفي رواية لهم أن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها وبه قال أحمد‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً فَأَذِنَتْ لَهَا فَضَرَبَتْ خِبَاءً فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى الْأَخْبِيَةَ فَقَالَ مَا هَذَا فَأُخْبِرَ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَالْبِرَّ تُرَوْنَ بِهِنَّ فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا يحيى‏)‏ هو ابن سعيد الأنصاري، ونسبه خلف بن هشام في روايته عن حماد بن زيد عند الإسماعيلي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عمرة‏)‏ في رواية الأوزاعي الآتية في أواخر الاعتكاف عن يحيى بن سعيد ‏"‏ حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عائشة‏)‏ في رواية أبي عوانة من طريق عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد عن عمرة ‏"‏ حدثتني عائشة‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فكنت أضرب له خباء‏)‏ أي بكسر المعجمة ثم موحدة، وقوله ‏"‏فيصلي الصبح ثم يدخله ‏"‏ وفي رواية ابن فضيل عن يحيى بن سعيد الآتية في باب الاعتكاف في شوال ‏"‏ كان يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة دخل ‏"‏ واستدل بهذا على أن مبدأ الاعتكاف من أول النهار، وسيأتي نقل الخلاف فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء‏)‏ في رواية الأوزاعي المذكورة ‏"‏ فاستأذنته عائشة فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت ‏"‏ وفي رواية ابن فضيل المذكورة ‏"‏ فاستأذن عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت قبة، فسمعت بها حفصة فضربت قبة ‏"‏ زاد في رواية عمرو بن الحارث ‏"‏ لتعتكف معه ‏"‏ وهذا يشعر بأنها فعلت ذلك بغير إذن، لكن رواية ابن عيينة عند النسائي ‏"‏ ثم استأذنته حفصة فأذن لها ‏"‏ وقد ظهر من رواية حماد والأوزاعي أن ذلك كان على لسان عائشة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر‏)‏ وفي رواية ابن فضيل ‏"‏ وسمعت بها زينب فضربت قبة أخرى ‏"‏ وفي رواية عمرو بن الحارث ‏"‏ فلما رأته زينب ضربت معهن وكانت امرأة غيورا ‏"‏ ولم أقف في شيء من الطرق أن زينب استأذنت، وكأن هذا هو أحد ما بعث على الإنكار الآتي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأخبية‏)‏ في رواية مالك التي بعد هذه ‏"‏ فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه إذا أخبية ‏"‏ وفي رواية ابن فضيل ‏"‏ فلما انصرف من الغداة أبصر أربع قباب ‏"‏ يعني قبة له وثلاثا للثلاثة‏.‏

وفي رواية الأوزاعي ‏"‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه الذي بني له ليعتكف فيه ‏"‏ ووقع في رواية أبي معاوية عند مسلم وأبي داود ‏"‏ فأمرت زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخبائها فضرب ‏"‏ وهذا يقتضي تعميم الأزواج بذلك وليس كذلك، وقد فسرت الأزواج في الروايات الأخرى بعائشة وحفصة وزينب فقط وبين ذلك قوله في هذه الرواية ‏"‏ أربع قباب ‏"‏ وفي رواية ابن عيينة عند النسائي ‏"‏ فلما صلى الصبح إذا هو بأربعة أبنية، قال‏:‏ لمن هذه‏؟‏ قالوا لعائشة وحفصة وزينب‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏آلبر‏)‏ بهمزة استفهام ممدودة وبغير مد، ‏"‏ وآلبر ‏"‏ بالنصب، وقوله ‏"‏ترون بهن ‏"‏ بضم أوله أي تظنون‏.‏

وفي رواية مالك ‏"‏ آلبر تقولون بهن ‏"‏ أي تظنون، والقول يطلق على الظن قال الأعشى‏:‏ أما الرحيل فدون بعد غد فمتى تقول الدار تجمعنا أي تظن، ووقع في رواية الأوزاعي ‏"‏ آلبر أردن بهذا ‏"‏ وفي رواية ابن عيينة ‏"‏ آلبر تقولون يردن بهذا ‏"‏ والخطاب للحاضرين من الرجال وغيرهم‏.‏

وفي رواية ابن فضيل ‏"‏ ما حملهن على هذا، آلبر‏؟‏ انزعوها فلا أراها، فنزعت ‏"‏ وما استفهامية، وآلبر في هذه الرواية مرفوع، وقوله فلا أراها زعم ابن التين أن الصواب حذف الألف من أراها قال‏:‏ لأنه مجزوم بالنهي وليس كما قال‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فترك الاعتكاف‏)‏ في رواية أبي معاوية ‏"‏ فأمر بخبائه فقوض ‏"‏ وهو بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة أي نقض، وكأنه صلى الله عليه وسلم خشي أن يكون الحامل لهن على ذلك المباهاة والتنافس الناشئ عن الغيرة حرصا على القرب منه خاصة فيخرج الاعتكاف عن موضوعه أو لما أذن لعائشة وحفصة أولا كان ذلك خفيفا بالنسبة إلى ما يفضي إليه الأمر من توارد بقية النسوة على ذلك فيضيق المسجد على المصلين، أو بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة عنده يصيره كالجالس في بيته، وربما شغلنه عن التخلي لما قصد من العبادة فيفوت مقصود الاعتكاف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرا من شوال‏)‏ في رواية الأوزاعي ‏"‏ فرجع فلما أن اعتكف ‏"‏ وفي رواية ابن فضيل ‏"‏ فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال ‏"‏ وفي رواية أبي معاوية ‏"‏ فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال ‏"‏ ويجمع بينه وبين رواية ابن فضيل بأن المراد بقوله ‏"‏ آخر العشر من شوال ‏"‏ انتهاء اعتكافه، قال الإسماعيلي‏:‏ فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن أول شوال هو يوم الفطر وصومه حرام‏.‏

وقال غيره‏:‏ في اعتكافه في شوال دليل على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضي استحبابا، واستدل به المالكية على وجوب قضاء العمل لمن شرع فيه ثم أبطله، ولا دلالة فيه لما سيأتي‏.‏

وقال ابن المنذر وغيره‏:‏ في الحديث أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها وأنها إذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يخرجها، وإن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها‏.‏

وعن أهل الرأي إذا أذن لها الزوج ثم منعها أثم بذلك وامتنعت، وعن مالك ليس له ذلك، وهذا الحديث حجه عليهم، وفيه جواز ضرب الأخبية في المسجد، وأن الأفضل للنساء أن لا يعتكفن في المسجد، وفيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزم بالنية ولا بالشروع فيه، ويستنبط منه سائر التطوعات خلافا لمن قال باللزوم، وفيه أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح وهو قول الأوزاعي والليث والثوري‏.‏

وقال الأئمة الأربعة وطائفة‏:‏ يدخل قبيل غروب الشمس، وأولو الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها وأجاب عن هذا الحديث بأنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف وإنما هم به ثم عرض له المانع المذكور فتركه، فعلى هذا فاللازم أحد الأمرين إما أن يكون شرع في الاعتكاف فيدخل على جواز الخروج منه، وإما أن لا يكون شرع فيدل على أن أول وقته بعد صلاة الصبح‏.‏

وفيه أن المسجد شرط للاعتكاف لأن النساء شرع لهن الاحتجاب في البيوت فلو لم يكن المسجد شرطا ما وقع ما ذكر من الإذن والمنع ولاكتفي لهن بالاعتكاف في مساجد بيوتهن‏:‏ وقال إبراهيم بن علية‏:‏ في قوله ‏"‏ آلبر تردن ‏"‏ دلالة على أنه ليس لهن الاعتكاف في المسجد إذ مفهومه أنه ليس ببر لهن، ما قاله ليس بواضح، وفيه شؤم الغيرة لأنها ناشئة عن الحسد المفضي إلى ترك الأفضل لأجله، وفيه ترك الأفضل إذا كان فيه مصلحة، وأن من خشي على عمله الرياء جاز له تركه وقطعه، وفيه أن الاعتكاف لا يجب بالنية، وأما قضاؤه صلى الله عليه وسلم له فعلى طريق الاستحباب لأنه كان إذا عمل عملا أثبته ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال، وفيه أن المرأة إذا اعتكفت في المسجد استحب لها أن تجعل لها ما يسترها، ويشترط أن تكون إقامتها في موضع لا يضيق على المصلين‏.‏

وفي الحديث بيان مرتبة عائشة في كون حفصة لم تستأذن إلا بواسطتها، ويحتمل أن يكون سبب ذلك كونه كان تلك الليلة في بيت عائشة‏.‏

*3*باب الْأَخْبِيَةِ فِي الْمَسْجِدِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الأخبية في المسجد‏)‏ ذكر فيه الحديث الماضي في الباب قبله مختصرا من طريق مالك عن يحيى بن سعيد فوقع في أكثر الروايات عن عمرة عن عائشة، وسقط قوله عن عائشة في رواية النسفي والكشميهني وكذا هو في الموطآت كلها، وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق عبد الله بن يوسف شيخ البخاري فيه مرسلا أيضا، وجزم بأن البخاري أخرجه عن عبد الله بن يوسف موصولا، قال الترمذي‏:‏ رواه مالك وغير واحد عن يحيى مرسلا‏.‏

وقال الدار قطني‏:‏ تابع مالكا على إرساله عبد الوهاب الثقفي ورواه إلياس عن يحيى موصولا؛ وقال الإسماعيلي‏:‏ تابع مالكا أنس بن عياض وحماد بن زيد على اختلاف عنه‏.‏

انتهى‏.‏

وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق عبد الله بن نافع عن مالك موصولا، فحصلنا على جماعة وصلوه، وقد تقدمت مباحثه في الباب الذي قبله‏.‏

*3*باب هَلْ يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد‏)‏ أورد هذه الترجمة على الاستفهام لاحتمال القضية ما ترجم له، لكن تقييده ذلك بباب المسجد مما لا يتأتى فيه الخلاف حتى يتوقف عن بت الحكم فيه، وإنما الخلاف في الاشتغال في المسجد بغير العبادة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته‏)‏ عند ابن حبان في رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن علي بن الحسين ‏"‏ حدثتني صفية ‏"‏ وهي صفية بنت حيي بمهملة وتحتانية مصغرا، ابن أخطب، كان أبوها رئيس خيبر وكانت تكنى أم يحيى، وسيأتي شرح تزويجها في المغازي إن شاء الله تعالى‏.‏

وفي تصريح علي بن الحسين بأنها حدثته رد على من زعم أنها ماتت سنة وثلاثين أو قبل ذلك، لأن عليا إنما ولد بعد ذلك سنة أربعين أو نحوها، والصحيح أنها ماتت سنة خمسين وقيل بعدها، وكان علي بن الحسين حين سمع منها صغيرا، وقد اختلفت الرواة عن الزهري في وصل هذا الحديث، وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى، واعتمد المصنف الطريق الموصولة وحمل الطريق المرسلة على أنها عند علي عن صفية فلم يجعلها علة للموصول كما صنع في طريق مالك في الباب قبله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه‏)‏ وفي رواية معمر الآتية في صفة إبليس فأتيته أزوره ليلا‏.‏

وفي رواية هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وعنده أزواجه فرحن‏.‏

وقال لصفية‏:‏ لا تعجلي حتى أنصرف معك ‏"‏ والذي يظهر أن اختصاص صفية بذلك لكون مجيئها تأخر عن رفقتها فأمرها بتأخير التوجه ليحصل لها التساوي في مدة جلوسهن عنده، أو أن بيوت رفقتها كانت أقرب من منزلها فخشي النبي صلى الله عليه وسلم عليها، أو كان مشغولا فأمرها بالتأخر ليفرغ من شغله ويشيعها، وروى عبد الرزاق من طريق مروان بن سعيد بن المعلى ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفا في المسجد فاجتمع إليه نساؤه ثم تفرقن، فقال لصفية أقلبك إلى بيتك، فذهب معها حتى أدخلها بيتها وفي رواية هشام المذكورة ‏"‏ وكان بيتها في دار أسامة ‏"‏ زاد في رواية عبد الرزاق عن معمر ‏"‏ وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ‏"‏ أي الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة ابن زيد لأن أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفية، وكانت بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حوالي أبواب المسجد وبهذا يتبين صحة ترجمة المصنف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فتحدثت عنده ساعة‏)‏ زاد ابن أبي عتيق عن الزهري كما سيأتي في الأدب ‏"‏ ساعة من العشاء‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثم قامت تنقلب‏)‏ أي ترد إلى بيتها ‏(‏فقام معها يقلبها‏)‏ بفتح أوله وسكون القاف أي يردها إلى منزلها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة‏)‏ في رواية ابن أبي عتيق ‏"‏ الذي عند مسكن أم سلمة ‏"‏ والمراد بهذا بيان المكان الذي لقيه الرجلان فيه لإتيان مكان بيت صفية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مر رجلان من الأنصار‏)‏ لم أقف على تسميتهما في شيء من كتب الحديث، إلا أن ابن العطار في ‏"‏ شرح العمدة ‏"‏ زعم أنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر ولم يذكر لذلك مستندا، ووقع في رواية‏.‏

سفيان الآتية بعد ثلاثة أبواب ‏"‏ فأبصره رجل من الأنصار ‏"‏ بالإفراد‏.‏

وقال ابن التين إنه وهم ثم قال‏:‏ يحتمل تعدد القصة، قلت‏:‏ والأصل عدمه بل هو محمول على أن أحدهما كان تبعا للآخر أو خص أحدهما بخطاب المشافهة دون الآخر، ويحتمل أن يكون الزهري كان يشك فيه فيقول تارة رجل وتارة رجلان، فقد رواه سعيد بن منصور عن هشيم عن الزهري ‏"‏ لقيه رجل أو رجلان ‏"‏ بالشك، وليس لقوله رجل مفهوم، نعم رواه مسلم من وجه آخر من حديث أنس بالإفراد، ووجهه ما قدمته من أن أحدهما كان تبعا للآخر فحيث أفرد ذكر الأصل وحيث ثنى ذكر الصورة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ في رواية معمر ‏"‏ فنظرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجازا ‏"‏ أي مضيا يقال جاز وأجاز بمعنى ‏"‏ ويقال جاز الموضع إذا سار فيه وأجازه إذا قطعه وخلفه‏.‏

وفي رواية ابن أبي عتيق ‏"‏ ثم نفذا ‏"‏ وهو بالفاء والمعجمة أي خلفاه‏.‏

وفي رواية معمر ‏"‏ فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا ‏"‏ أي في المشي‏.‏

وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند ابن حبان ‏"‏ فلما رأياه استحييا فرجعا ‏"‏ فأفاد سبب رجوعهما وكأنهما لو استمرا ذاهبين إلى مقصدهما ما ردهما بل لما رأى أنهما تركا مقصدهما ورجعا ردهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏على رسلكما‏)‏ بكسر الراء ويجوز فتحها أي على هينتكما في المشي فليس هنا شيء تكرهانه، وفيه شيء محذوف تقديره امشيا على هينتكما‏.‏

وفي رواية معمر ‏"‏ فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم تعاليا ‏"‏ وهو بفتح اللام قال الداودي أي قفا، وأنكره ابن التين وقد أخرجه عن معناه بغير دليل‏.‏

وفي رواية سفيان، فلما أبصره دعاه فقال تعال‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنما هي صفية بنت حيي‏)‏ في رواية سفيان ‏"‏ هذه صفية‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقالا سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما‏)‏ زاد النسائي من طريق بشر بن شعيب عن أبيه ذلك، مثله في رواية ابن مسافر الآتية في الخمس، وكذا للإسماعيلي من وجه آخر عن أبي اليمان شيخ البخاري وفيه‏.‏

وفي رواية ابن أبي عتيق عند المصنف في الأدب ‏"‏ وكبر عليهما ما قال ‏"‏ وله من طريق عبد الأعلى عن معمر ‏"‏ فكبر ذلك عليهما ‏"‏ وفي رواية هشيم ‏"‏ فقال يا رسول الله هل نظن بك إلا خيرا‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ القدم‏)‏ كذا في رواية ابن مسافر وابن أبي عتيق؛ وفي رواية معمر ‏"‏ يجري من الإنسان مجرى الدم ‏"‏ وكذا لابن ماجة من طريق عثمان بن عمر التيمي عن الزهري، زاد عبد الأعلى فقال ‏"‏ إني خفت أن تظنا ظنا، أن الشيطان يجري، الخ ‏"‏ وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق ‏"‏ ما أقول لكما هذا أن تكونا تظنان شرا، ولكن قد علمت أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ابن آدم‏)‏ المراد جنس أولاد آدم فيدخل فيه الرجال والنساء كقوله‏:‏ ‏(‏يا بني آدم‏)‏ وقوله ‏(‏يا بني إسرائيل‏)‏ بلفظ المذكر إلا أن العرف عممه فأدخل فيه النساء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا‏)‏ كذا في رواية ابن مسافر‏.‏

وفي رواية معمر ‏"‏ سوءا أو قال شيئا ‏"‏ وعند مسلم وأبي داود وأحمد من حديث معمر ‏"‏ شرا ‏"‏ بمعجمه وراء بدل سوءا‏.‏

وفي رواية هشيم ‏"‏ إني خفت أن يدخل عليكما شيئا ‏"‏ والمحصل من هذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينسبهما إلى أنهما يظنان به سوءا لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشى عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك لأنهما غير معصومين فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك فبادر إلى إعلامهما حسما للمادة وتعليما لمن بعدهما إذا وقع له مثل ذلك كما قاله الشافعي رحمه الله تعالى، فقد روى الحاكم أن الشافعي كان في مجلس ابن عيينة فسأله عن هذا الحديث فقال الشافعي‏:‏ إنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنا به التهمة فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئا يهلكان به‏.‏

قلت‏:‏ وهو بين من الطرق التي أسلفتها، وغفل البزار فطعن في حديث صفية هذا واستبعد وقوعه ولم يأت بطائل، والله الموفق‏.‏

وقوله ‏"‏يبلغ ‏"‏ أو ‏"‏ يجري ‏"‏ قيل هو على ظاهره وأن الله تعالى أقدره على ذلك، وقيل هو على سبيل الاستعارة من كثرة إغوائه، وكأنه لا يفارق كالدم فاشتركا في شدة الاتصال وعدم المفارقة‏.‏

وفي الحديث من الفوائد جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائره والقيام معه والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة، وزيارة المرأة للمعتكف، وبيان شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم‏.‏

وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار، قال ابن دقيق العيد‏:‏ وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدي به فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مخلص لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثم قال بعض العلماء‏:‏ ينبغي للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافيا نفيا للتهمة‏.‏

ومن هنا يظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السوء ويعتذر بأنه يجرب بذلك على نفسه، وقد عظم البلاء بهذا الصنف والله أعلم‏.‏

وفيه إضافة بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليهن، وفيه جواز خروج المرأة ليلا، وفيه قول ‏"‏ سبحان الله ‏"‏ عند التعجب، قد وقعت في الحديث لتعظيم الأمر وتهويله وللحياء من ذكره كما في حديث أم سليم، واستدل به لأبي يوسف ومحمد في جواز تمادي المعتكف إذا خرج من مكان اعتكافه لحاجته وأقام زمنا يسيرا زائدا عن الحاجة ما لم يستغرق أكثر اليوم، ولا دلالة فيه لأنه لم يثبت أن منزل صفية كان بينه وبين المسجد فاصل زائد، وقد حد بعضهم اليسير بنصف يوم وليس في الخبر ما يدل عليه‏.‏