روائع مختارة | قطوف إيمانية | الرقائق (قوت القلوب) | أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > قطوف إيمانية > الرقائق (قوت القلوب) > أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً


  أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً
     عدد مرات المشاهدة: 7638        عدد مرات الإرسال: 0

اليوم.. كنت مع موعد شيق.. لرحلة إيمانية رائعة في كتاب على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم للأستاذ عمرو خالد جزاه الله خير الجزاء، والذي يعجبني في أسلوبه إستنباطه للفوائد والعبر خصوصاً ما يتعلق بالنهضة الحضارية للأمة..

و لقد إستوقفتني قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنه لما أسلم، جمع أهله وأولاده وأخبرهم بأنه قد أسلم، وقال لهم: كلامكم عليّ حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله، فقال له عبد الله بن عمر: إني مسلم منذ عام، فضربه وقال له: كنت ستضيع أباك..

عندما وصلت لهذه القصة، أغلقت الكتاب وأخذت أتأمل، كيف أن عمر أسلم في نهاية السنة الخامسة للبعثة، ورغم أنه أسلم متأخراً مقارنة بالسابقين من الصحابة، إلا أنه كان ثاني الخلفاء الراشدين، ومن العشرة المبشرين بالجنة، وأن آيات من القرآن نزلت موافقة لآرائه رضوان الله عليه، تأملت.. فإذا هو من أقوى الناس في كلمة الحق، من أخشع الناس قلوباً، ومن أشد الناس إيماناً..

وبينما أنا كذلك.. إذ بي أتذكر جلستنا الإيمانية الرائعة مع أستاذتنا في حلقة حفظ القرآن، وهي تحكي لنا قصة هدايتها، فقالت: بدأت رحلتي مع دراسة القرآن والتجويد في وقت متأخر، فقد بدأت بعد خمس سنوات من تخرجي من المرحلة الثانوية، ومع القرآن بدأت قصة هدايتي، ثم ذكرت لنا موقفاً أثر بها كثيراً، حيث قالت: كنت أدْرس في فصل النون الساكنة والتنوين     -وهو المستوى الأول من ثلاث مستويات في دراسة التجويد- وأثناء فترة الراحة قابلت إحدى الدارسات، فسألتني عن عمري والمستوى الذي أَدرسه، فما أن أخبرتها، حتى علت وجهها علامات الدهشة والإستنكار، وقالت: أنا مضى علي ست سنوات وأنا أدرس التجويد، والآن فقط وصلت للمستوى الثالث! فمتى عساك تصلين!!!. تقول أستاذتي: قلت بحزن: أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي مطلقاً!! ثم إنصرفت.

وبعد سنتان ونصف، أنهيت خلالها مستويات التجويد بتفوق ولله الحمد، قامت الإدارة بتكليفي بتدريس أحد الفصول، تقول: دخلت الفصل، إبتسمت.. وسلمت على الدارسات في حلقتي، لأفاجأ أن تلك الفتاة التي عيرتني بتأخري كانت من بينهم!!!

تنهدت معلمتي ثم نبهتنا إلى خطورة الكلمة التي نتفوه فيها، وأنها ربما تؤثر في مستقبل أحد ما، فبكلمة يمكنك أن تبني، وبكلمة يمكنك أن تهدم!

وبعد قصة معلمتي العزيزة، مر بي طيف قصة شهدت أحداثها يوماً ما.. فقد كنت في فترة مضت أستاذة متعاونة في إحدى الجامعات، وفي أحد الأيام، وبعد أن أنهيت محاضرتي، أقبلتْ إليّ إحدى الطالبات واسمها نورة وأخبرتني أنها حصلت على علامة سيئة في الإختبار، فهل بقي لها أمل في النجاح؟. قلت لها: هلا ذكرتني بدرجتك؟، فحنت رأسها حتى كاد أن يلامس صدرها من شدة الحياء وقالت: 5 من 25.

قلت لها: إرفعي رأسك يا نورة، فأنت طالبة مجتهدة لدي، حتى لو لم تحصلي على درجة مرتفعة! وأنا واثقة أنه بإمكانك تعويض هذه الدرجة في الإختبار القادم، لعله ظرف مر بك وإنجلى!. من الآن فصاعدا إهتمي أكثر بمذاكرتك، ومتى إستصعبت شيئاً فأنا موجودة فاسألي ما بدا لك أنّا شئتِ، ولن يخيب الله أملك، ثم أردفت قائلة: ولا تنسي الدعاء والإستغفار، ولا يزال هناك أمل كبير بأن تعوضي ما فاتك....

ومع الأيام لاحظت تطوراً هائلاً في مستواها أثناء المحاضرات، وعند الرصد النهائي للدرجات، فوجئت بتدني المستوى العام لدرجات الطالبات نظراً لصعوبة الإختبار -فالإختبارات في جامعتنا المصون يضعها قسم الرجال هداهم الله- فكان متوسط الدرجات في الإختبار النهائي 20 من 40 درجة!

ومن بين هذه الأوراق أجد ورقة حصلت صاحبتها على 30 من 40 ، ولكم أن تخمنوا من هي صاحبة هذه الورقة!

نعم.. لقد كانت نورة.. نورة التي كانت تخشى الرسوب.. حصلت على درجة مرتفعة مقارنة ببقية زميلاتها!

أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي مطلقاً..

تأخر إسلام عمر رضي الله عنه إلى نهاية السنة الخامسة.. لكنه صار ثاني الخلفاء الراشدين! تأخرت معلمتي في دراستها.. لكنها صارت أستاذة لمن عيرتها بتأخرها!

حصلت نورة على 5 من 25 في الإختبار الأول، لكنها تألقت وأبدعت في اختبار نهاية العام! إنها حكمة صالحة في كل العصور، وفي كل مواقف الحياة..

أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي مطلقاً..

قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الزمر:53].

فمهما بلغت ذنوبك.. فالله يتقبل توبتك..

ومهما كثرت عيوبك.. فبإمكانك أن تعالجها..

مهما تأخرت.. فتذكر.. أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي مطلقاً..

الكاتب: ريم الصلاحي.

المصدر: موقع رسالة المرأة.