روائع مختارة | قطوف إيمانية | الرقائق (قوت القلوب) | فول ســـوداني

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > قطوف إيمانية > الرقائق (قوت القلوب) > فول ســـوداني


  فول ســـوداني
     عدد مرات المشاهدة: 736        عدد مرات الإرسال: 0

= مذكرات معلم:

الحصة الخامسة أوشكت على الإنتهاء..وقفت أقلب نظري بين الساعة وبين التلاميذ.. رغم أن المتبقي لايتجاوز الدقيقة إلا أنني شعرت بأنها ساعات.. وساعات مملة..شعرت بالإختناق الشديد.. فمعظم الطلاب في هذه المدرسة يصيبونك بالضغط.. ليسوا أغبياء.. لكنهم لايريدون أن يكونوا أذكياء..فقدوا لذة التفكير.. كلمة -أحسنت- لاتعني لهم شيئاً.. بل درجة في المشاركة يضيفها المعلم لهم لن تجعل الإبتسامة تتسلل إلى شفاههم.. خصم الدرجة أمر عادي وطبيعي فهو الأصل..لست أدري ما السبب في حالتهم هذه؟!..لماذا هم محبطون؟..ما الذي أوصلهم إلى هذه الحالة من التبلد؟!..إنهم جبناء يخشون المشاركة.. هذا ما جعلني أحنُّ إلى مدرستي السابقة.. وأحزن لفراقي إياها..انطلق جرس الفسحة يعلن اطلاق سراحي من هذا السجن..حملت حقيبتي وعند الباب كان رجلان أحدهما يحمل حقيبة، والآخر يحمل صندوقاً من البلاستيك في يد وحقيبة في اليد الأخرى..رد الأول السلام ومد يده ليصافحني..ظننته أحد المشرفين من مركز الإشراف.. جاء لزيارة المدرسة.. لكن إبتسامته ومد يده لي، جعلتني أشعر بطمأنينة أيقنت من خلالها.. أنه لا يمت لوزارة التربية والتعليم بصلة..فقد تعودنا من المشرفين النظرة الحادة، والوجه العبوس، وكأنه محقق جاء ليجمع الأدلة والبراهين على فشل المعلم في تأدية المهمة والتي كُلف بها، وحمل شرفها، همه النظر إلى كراريس التلاميذ، دفتر التحضير، ودفتر المتابعة.. ويزداد عبوسه وحنقه تزايداً طردياً مع غضب المدير أو الوكيل على المعلم، أما إذا كانا في رضىً تام عن المعلم، تسللت إليه الهواجس والشكوك بأن الجميع يخفي الحقيقة، أو أن الإدارة تتواطئ مع المعلم..وعليه أن يكون ذكياً وفطناً، ولاينخدع بكلمات المدير وثنائه على المعلم..

يبدو أنني إستطردت مع المشرفين.. والآن دعونا نعود إلى الرجلين..همس لي أحدهما: جئنا لتطعيم التلاميذ ضد الحصبة..توجه نحو إحدى الطاولات ليضع حقيبته.. وتبعه الآخر فوضع صندوقه البلاستيكي، وحقيبته الصغيرة..وقعت عيني على الصندوق البلاستيكي.. إنها المحاقن التي سوف يستخدمها الطبيب لحقن التلاميذ بالجرعة الخاصة بمرض الحصبة.. يا ألهي إنها صغيرة جداً.. كدت أن أرفع صوتي بهذه الكلمات الأخيرة..خرجت من الفصل وأنا أضحك ضحكة لاتتجاوز صدري..عادت بي الذاكرة إلى الوراء.. قبل خمسة وثلاثين عاماً تقريباً..حينها كنت صغيراً.. لم ألتحق بالمدرسة بعد..إستيقظت صباحاً على صوت أمي الحنون.. يحمل الكثير من الشفقة والحنان، والقليل من الترهيب تنقله على لسان أبي.. الذي يقف في إنتظاري..لم تكن هنالك حاجة لإيقاظي.. فاليوم بالنسبة لي أجمل أيامي..فبالأمس حصلت على صوري الشمسية من إستديو الوادي.. وصورت أوراقي الخاصة بالتسجيل في المدرسة..ملفي الأزرق بات معي في أحلامي..اليوم سأذهب لإكمال التطعيمات الخاصة بالمدرسة..قفزت من على السرير، وبسرعة كنت أمسك بيد أبي نسير في طرقات مدينتي..كان الطريق طويلاً، لكنني لا أدري كيف قطعته مع أبي الذي كان يمسك بيدي كلما إقتربت منا السيارات، ويتركني عندما نكون في الأزقة الضيقة، وفي جميع الحالات كنت أجري لألحق به.. وملفي الأزرق مفتاح الدخول إلى المدرسة يتنقل بين يديّ..إقتربنا من مبنى مستشفى باب شريف.. كان مبنى ضخماً يحيط به سوراً عالياً.. وفي وسطه مبنى كبير.. كان بالنسبة لي أكبر مبنى رأته عيني في ذلك الوقت..وصلنا إلى بوابة المستشفى الرئيسية.. كانت كبيرة جداً.. أمامها ممر طويل.. تقف السيارات على جانبيه.. تحفه الأشجار.. منظر رائع ومهيب..لفت نظري مجموعة من النسوة اللاتي يبعن الفول السوداني والفصفص وبعض المأكولات التي إنقرضت، كدت أن أصطدم بأبي وأنا أنظر إليهن، وأمنّي نفسي بالحصول على شيء منها..سرنا في ذلك الممر.. ومن أمامنا ومن خلفنا وعن اليمين وعن الشمال.. آباء وأمهات.. مرضى وأصحاء.. أطباء وممرضون.. الكل يمشي..تجاوزنا البوابة بعدة أمتار ثم تغير كل شيء..الشوق واللهفة ذهبت.. وحل الخوف محل الفرح..منظر الأطفال أثناء خروجهم من المبنى الداخلي للمستشفى كان كفيلاً بأن يجعلني أفقد القدرة على المشي والكلام..فهذا يبكي، وآخر يحمله أبوه لم يعد قادراً على المشي، وآخر تجره أمه غير القادرة على حمله..صوت البكاء يرتفع كلما تقدمنا..أبي حازم وشديد.. خوفي منه جعلني أمشي رغم الخوف الذي جعل ضربات قلبي تتسارع..إقتربنا من المبنى المقصود..رائحة نفاذة إخترقت أنفي، رائحة أعرفها، ولازالت آثارها على يدي لم تذهب..إنها رائحة المحاقن أثناء تعقيمها..دخلت مع أبي إلى صالة الإنتظار.. مشاهد مؤلمة..الصالة تبدو كأنها إحدى غرف الطوارئ والتي إستقبلت مجموعة من الأطفال تعرضوا لحادث سير، أو حريق.. فلاترى إلا باكياً في حضن أمه تمسح دمعته.. أو شاكياً يحمله والده ليصبره.. أو فاراً من طبيبٍ يريد أن يستأصل جزءا من جلده، أو صارخاً من ألم أصابه..وهناك في الغرفة يتصاعد بخار الماء من قدرٍ كبير.. ومع البخار تنبعث رائحة المعقمات..وخلف القدر رجل ضخم الجثة يلبس قميصاً أبيض مثل الأطباء.. عرفت حينها أنه التمرجي..كان مخيفاً جداً.. يحمل بين يديه محقنة كبيرة جداً.. ربما تصل إلى عشرة أضعاف المحقنة التي رأيتها اليوم في الفصل.. تتصل بها إبرة قطرها سميك وطويلة.. تشبه الإبر المستخدمة في سحب الدم من المتبرعين .. لم يكن يوجد منها إلا ثلاث أو أربع، يضطر إلى غمسها بالقدر ليعقمها بعد كل ضحية من ضحاياه، والذين ينتظرون بالعشرات خلف هذه الغرفة المرعبة.. وياليتهم أغلقوا الباب رحمة بنا وتخفيفاً لحالة الرعب التي نعيشها مع كل طفل يدخل باكياً ويخرج صارخاً..التصقت بأبي.. ربَّت على رأسي برفق.. رفعت بصري نظرت إلى عينيه..كانت تحمل تهديداً..لا أملك أمامه إلا الصبر..وعدني بأن يشتري لي فولاً سودانياً محمصاً من بائعة اللوز والفصفص عندما نخرج..جلست أراقب الأطفال وهم يدخلون واحداً بعد الآخر..تمنيت أن ينقضي النهار.. ولايأتي دوري في التطعيم..خوف شديد.. أطرافي ترتعش.. رجفة تعاودني من حين لآخر.... عيناي تدور كالذي يخشى على نفسه الموت..فجأة.. قام أبي من جانبي.. أردت أن أمسك بثيابه.. خفت منه.. جلست في مكاني..دخل إلى الغرفة ثم عاد.. أمسكني من يدي.. قمت معه.. سار بي إلى الغرفة..- هيا.. أعطني يدك.. قالها التمرجي بصوتٍ مرتفع، ووجه مكفهر، تحولت بعدها إلى هاتف نقال وضع على الهزاز....أمسك أبي بيدي.. رفع ثوبي عن ذراعي.. أغمدت رأسي في صدره.. وأغمضت عيني.. أمسك أبي بيد وترك يدي الأخرى للتمرجي..والذي أمسكها بقوة.. مرر عليها شاش ملفوف وبه مادة التعقيم.. أخرجه للتو من قدرٍ أوقدت تحته النار منذ الصباح الباكر.. كانت ساخنة جعلتني اهتز بين يديّ أبي الذي أحاط بي من جميع الجهات.. وكأنه مصارع يطبق حركة التنويم، أو ملاكم يحتضن خصماً كال له اللكمات ويريد أن يوقفه..مرت تلك اللحظة وجاءت اللحظة الحاسمة.. فتحت عيناي ومن خلال يدي أبي أبصرت التمرجي وهو يتحرك في الغرفة وكأنه جزار يستعد للفتك بالذبيحة ..أخرج الإبرة من القدر وهو يغلي.. وضع بها الجرعة ثم توجه نحوي.. منظره مرعب.. لاتعرف الابتسامة طريقاً إلى شفتيه.. يمارس عمله.. مستمتعاً بعذابنا وآلامنا..اقترب مني أمسك بيدي.. اقتربت الإبرة مني.. أغمضت عيني.. شعرت بحرارتها.. تألمت من سخونتها.. أغمدها في جلدي.. إشتعلت النيران في جسدي.. جرت مع دمي.. صرخت بقوة.. ضاعت صرختي في حضن أبي.. جرت دمعتي.. بكيت في صمت.. كرهت المدرسة.. وخرجت من المستشفى.. لم أعد أرغب في حمل ملفي..مضى ذلك اليوم.. الفول السوداني أمامي.. لكنني لا أرغب فيه.. فدرجة الحرارة مرتفعة.. العرق يتصبب مني.. أغفو فأرى الكوابيس والأشباح.. غرفة التطعيم.. التمرجي.. صورته.. صوته.. فأقوم فزعاً.. لأجد أمي تمسح عرقي.. وتربّت على رأسي..أفقت من الذكرى.. وأنا أقف أمام مدرسة ابني..

ركب ابني بجانبي.. وقال: أبي لقد جاء الطبيب.. انظر لقد حصلت على التطعيم ضد الحصبه.. إنها لا تؤلم..ربّتُ على رأسه، وتحسست مكان التطعيم في يده.. ثم وضعت يدي على الآثار التي تركها التطعيم في ذراعي وقلت:- الحمدلله الذي نجاكم مما أصابنا.. ونجاني من أن أعيش تلك اللحظات التي عاشها أبي وأمي يوماً ما..ثم دعوت لأبي وأمي:- اللهم اغفر لهما وارحمهما كما ربياني صغيراً..انطلقت بالسيارة نحو بائع البقالة.. لأشتري فولاً سودانياً لأبني.. حتى يأكله بالهناء والعافية..

الكاتب: عبدالله الهندي.

المصدر: موقع طريق التوبة.