روائع مختارة | قطوف إيمانية | الرقائق (قوت القلوب) | ماتوا في لحظة واحدة ولكن شتان بينهم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > قطوف إيمانية > الرقائق (قوت القلوب) > ماتوا في لحظة واحدة ولكن شتان بينهم


  ماتوا في لحظة واحدة ولكن شتان بينهم
     عدد مرات المشاهدة: 633        عدد مرات الإرسال: 0

..إن الله عظيم..من بين آهات المرضى وحنين الأجهزة، حثثت الخطى نحو الباب الخارجي لغرفة العناية المركزة، وقبل آخر خطوة نحو الباب، ألقيت نظرة أخيرة على المرضى، وقد غطت كمامات الأكسجين أفواههم، أما صدورهم فقد غدت مسرحاً للأجهزة المختلفة، وأياديهم تحولت إلى شبكة من الأنابيب التي تصل غذاءهم بدمائهم، أما أصوات الأجهزة فتارة تعلو وتارة تخبو، وأمام كل مريض يجلس أحد الممرضين، وقد ركز إنتباهه مع الأجهزة....قد غادروا الحياة جسداً أما أرواحهم فلا زلت معهم لم تغادر بعد، البعض قد يئس منه الطبيب والحبيب ولم يبق إلا الدعاء يصل بينهم وبين الأمل، والبعض الأمل في شفائهم كبير، ويحتاجون إلى عناية مركزة حتى يمن الله عليهم بالشفاء....تأملتهم وهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا يدفعون عنها ضراً، أياديهم ساكنة وإذا تحركت سارع الممرضون لإخماد ثورتها حتى لا تعبث بالأجهزة، غذاؤهم ما يكتب لهم من قبل الأطباء لا ما يشتهون، وشرابهم لا يروي ظمأهم، تغير كل شيء...سكن كل شيء فيهم...هم للموت أقرب منهم إلى الحياة ...مررت بيدي على جسدي...عيناي تبصران، أذناي تسمعان، وشفتاي تنطقان...شعرت بأنفاسي المتلاحقة تنطلق من أنفي...وضعت يدي على قلبي، إنه ينبض...ويداي تتحركان كما أريد...حركت قدميّ فتحركت...لك الحمد يا ربي فقد عافيتني...لك الحمد يا ربي فقد رزقتني...لك الحمد يا ربي فقد وهبتني نعماً لا تعد ولا تحصى...وحينها تذكرت أن أقول: الحمدلله الذي عافاني مما ابتلاهم به، وفضلني على كثير من خلقه تفضيلا...

انطلقت بالسيارة، كان الطريق خالياً من السيارات، نسائم الليل الذي أوشك على الرحيل تسللت إلى جسدي، شعرت معها براحة عجيبة، رفعت بصري إلى السماء...إنها الساعة التي ينزل فيها الجبار إلى السماء الدنيا...فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ عدت ببصري إلى الأرض، كم من نائم يغط في نومه في هذه اللحظات؟ وكم من غافل يخوض في المعاصي والآثام؟ وكم من قائم يناجي ربه ويتضرع بين يديه؟ قال الله تعالى: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون*وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: 17-18] أرجعتني ذاكرتي إلى المرضى الذين ينامون في غرفة العناية المركزة، همست: مساكين قد حرموا من هذه الساعة...لا... لم يحرموا من هذه الساعة، فأعمالهم التي كانوا يعملون بها في هذه اللحظات، تُكتب لهم، فإن كانوا من أهل القيام فإن أجورهم تُكتب لهم كما كانوا من قبل، وإن لم يكونوا منهم، فهم مساكين حقاً...مساكين أهل الدنيا خرجوا منها ولم يذوقوا أطيب ما فيها، قيام الليل ومناجاة الخالق عز وجل، انطلق لساني يردد هذه العبارة، شعرت أن لها طعماً يختلف عن طعم الكلمات التي نسمعها هذه الأيام، ربما لأنها انطلقت من القلب.... وفجأة شعرت بأنني قد توقفت، بل رجعت بالسيارة إلى الوراء، فقد تجاوزتني سيارتان كأنهما البرق، نظرت إلى عداد السرعة في سيارتي، يا الله إنني أسير بسرعة مائة وعشرين كيلاً في الساعة، لا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا يعرضون أنفسهم للخطر؟ لماذا يلقون بأنفسهم إلى التهلكة؟...وأنا في تساؤلاتي وحيرتي، أبصرت كأن الشمس قد أشرقت من ورائي، وكأن صخب الطرق في مدينتي قد أفاق من رقدته، دققت النظر، فإذا بالسيارات من ورائي تشير إليّ بالأنوار العالية، لم أعرف ماذا أفعل؟....تجاوزتني جميع السيارات إلا واحدة أقبلت نحوي بسرعة جنونية، أيقنت بالخطر فأغمضت عيني، وأنا أنطق بالشهادتين، ولكنني استطعت أن أفتحهما فيما بعد...الحمدلله كانت أول كلمة نطقت بها بعد تلك اللحظات الرهيبة....إبتعدت السيارات وعاد السكون مرة أخرى، لكن مشاعر الحزن والألم بدأت تسيطر على مشاعري....إنبعثت زفرة من صدري، تبعتها زفرات، كل واحدة ترثي حال هؤلاء الشباب الغافل عما يراد بهم، ترثي حال الأمة التي تتجرع العذاب والهوان في كل مكان وزمان تنتظر من الشباب أن يعيد لها مجدها....توالت الزفرات من صدري، تبكي الأم الثكلى، والطفل اليتيم، تبكي الزوجة المكلومة، والشيخ الكبير، تبكي الأقصى دنسته أيدي اليهود، تبكي الإسلام في بقاع الأرض....تبكي الماضي، يوم كانت هذه اللحظات لا تسمع فيها إلا دوياً كدوي النحل، من قراءة القرآن، والوقوف بين يديّ جبار السماوات والأرض ... وتتحرق أسى وحسرة على شباب أضاعوا أوقاتهم فيما لا ينفعهم ولا ينفع أمتهم، بل فيما يضرهم...اغرورقت عيناي بالدموع وأنا أتذكر قول المولى عز وجل: {أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} [الزمر:9]، وتذكرت الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يقول: لو طهرت قلوبنا ما شبعت من القرآن...نعم... لم تطهر قلوب هؤلاء الشباب ولم تتعلق بخالقها، قلوب فارغة من محبة الله، أجلب عليهم الشيطان بالضيق والنكد، فراحوا يبحثون عن السعادة في السهر والغناء، والسرعة والتفحيط، وربما المخدرات والمعاصي بأنواعها....إشتد بي الكرب فتوجهت للمولى عز وجل أدعوه وأرجوه ورحت أردد: اللهم اهدي شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً....

وكأن المفاجأت في هذه الليلة تتوالى، أبصرت أمامي فوج السيارات وقد توقف كليةً، ضغطت على كوابح السيارة، بحثت عن منفذ حتى أتجاوزهم، سرت في المسار الأيسر تجاوزت الصف الأخير، لكنني توقفت فالطريق قد أغلق تماماً، أوقفت السيارة، يبدو أنني أحتاج لوقت حتى أواصل السير....أخرج الشباب أجسادهم من النوافذ وبدأت أصوات الغناء ترتفع، والبعض منهم يردد ويصفق، والبعض يرقص...إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا أفعل الآن؟...إنتظرت لحظات أنصت فيها، ربما يقوم بعضهم بالقيام بحركات مثيرة بالسيارة، لكنني لم أسمع أصوات التشجيع وأصوات كوابح السيارات كما هو الحال في تجمعات الشباب..... شعرت بإنقباض، قلت في نفسي: لعله حادث؟....زاد قلقي عندما رأيت الشباب يتوقفون عن الغناء والرقص والتصفيق، ثم يخرجون من نوافذ السيارات، ويركضون إلى الأمام.....هممت أن أنزل لأرى، لكنني خشيت أن يأتي أحدهم ويأخذ السيارة، أو يصطدم بها أحد العابثين...إنتظرت في مكاني لحظات، الوضع لم يتغير، أغلقت السيارة، وقبل أن أخرج منها، أقبل شاب يجري على قدميه، يضرب السيارات بيديه ويركلها بقدميه، وهو في حالة إنهيار عصبي، لم تسلم سيارتي من ضرباته المتتالية، حاولت أن أوقفه لكنه ركض بعيداً عني...وقبل أن يبتعد كثيراً، أقبل شابٌ أخر يجري على قدميه يبكي ويصرخ بصوتٍ عالٍ: إللي ما راح لا يروح، إللي ما راح لا يروح، مواقف شنيعة، مواقف شنيعة، أوقفته وسألته: ماذا حدث؟....يا أخي أقول لك مواقف شنيعة، الأن يلقنونهم الشهادة، اللي ما راح لا يروح...تركته وإنطلقت إلى المكان الذي جاء منه...تجاوزت الجميع، أشلاء متناثرة، وأجساد ملقاة على الأرض، وأخرى لازالت محجوزة في السيارة، لا تسمع إلا الأنين، ولا ترى إلا باكياً حزيناً، قد أصابه الموقف بالدهشة والحيرة فانعجم لسانه...شاب في العشرين من عمره ارتفع صوته، قد إنكب على رجل تجاوز الأربعين مُلقى على الأرض قد فقد ساقيه ونزف الدم من جميع أنحاء جسمه، يعالج سكرات الموت...أخذ الشاب يهزه ويصرخ قل: لا إله إلا الله، قل: لاإله إلا الله، سبحان الله، الله أكبر...أخذ يردد أذكاراً متنوعة، ويهزه هزاً عنيفاً يكاد يقتلعه من الأرض... رفع الرجل رأسه، انطلقت من شفتيه كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ثم سكت، وعيناه تتوسلان للشاب أن يتركه....أسرعت نحوهما، جذبت الشاب نحوي، أقبل عليّ، فإنبعثت من فمه رائحة الخمر، أذهلني الموقف، تركته وإبتعدت عنه قليلاً، صاح بي أحد أصدقائه: إنه مخمور... عدت إليه، حاولت أن أبعده، فصاح بي: لازم يقول: لا إله إلا الله، أنت عارف، لازم يقول لا إله إلا الله...محاولاتي لم تنجح، والرجل يوشك أن يفارق الحياة، تركتهما وإنطلقت نحو مصاب آخر قد تجمع رفقاؤه من حوله...اقتربت منه، وجدتهم ينادونه ويسألونه: كيف حالك؟ لكنه لا يجيب، قد إنثنت رقبته على كتفه، والدماء تغطي جسده...وضعت يدي على صدره، ضربات القلب ضعيفة جداً، دنوت منه وهمست بصوت خاشع، قل: لا إله إلا الله، قال لي أحد الواقفين: إنه في غيبوبة ولن يجيب....لكن الشاب فتح عينيه، وعض على شفتيه، فإنطلقت زفرة مكتومة من صدره، تبعتها آهات وحشرجة إفزعت الجميع، ثم قال: ما أدري إيش فيني...قلت له: هل تشعر بغشيان...قال: أحس بدوخة...قلت له: قل لا إله إلا الله....فزفر وعض على شفتيه مرة أخرى، وقال: أقولك ما أدري إيش فيني...قلت له: هل تؤلمك قدماك...قال: نعم...كررت عليه الأسئلة، وفي كل مرة يجيب بنعم...إنتهزت الفرصة مرة أخرى، قلت له: قل لا إله إلا الله...التفت نحوي وقد عض على شفتيه وأطلقها زفرة قوية، وقال: أقولك ما أدري إيش فيني...لحظة رهيبة، لم أعد أرى إلا الدموع، ولم أعد أسمع إلا البكاء، انهار رفقاء الشاب وهم يشاهدون صديقهم لا يستطيع أن ينطق بلا إله إلا الله....تركته على الأرض، وإتجهت نحو المصاب الأخير...سبقني إليه الضابط ومعه مجموعة من الشباب، يحاولون إخراجه من السيارة، حاولت مساعدتهم، وكلما حاولنا رفع الباب يرتفع جسد الشاب، قررنا سحب الباب أوخلعه، فلم نستطع، فقد أخترقت أجزاء من الباب جسد الشاب، التفت الضابط نحوي وقال: نحتاج إلى الدفاع المدني، وأجهش بالبكاء....إقتربت من المصاب، أدخلت رأسي من النافذة، إقتربت بفمي من أذنه، وهتفت: لا إله إلا الله، قل لا إله إلا الله، التفت نحوي، وأطبق بأسنانه على شفتيه، وانبعثت زفرة مكتومة، راح يحمحم بعدها، ويصدر أصواتاً غريبة، جثى الحاضرون على الركب وإرتفع البكاء، أما الضابط فقد أجهش بالبكاء وكأنه فقد والده أو ابنه....مال الشاب على جنبه الأيسر، وبقي جسده معلقاً....لحظات من الإنتظار حضر خلالها رجال الدفاع المدني وتم تخليصه، وأثناء نقله إلى سيارة الإسعاف تابعته، وفي آخر لحظة وضعت يدي على صدره، أتحسس ضربات قلبه التي توقفت، ليفارق الحياة...إنطلقت سيارات الإسعاف، تحمل جثث الموتى، وبقي الجميع في حالة ذهول.... تحولت ساحة الحدث إلى تجمع كبير من الناس الذين خرجوا لأداء صلاة الفجر، إختلط البكاء بالتساؤلات التي انطلقت من أفواه الناس....فهذا يصف الحادثة، وذاك يهدئ الباكي، وآخر شارك الباكين بكاءهم، ومن بين الجميع، إنطلق الشاب ذو العشرين عاماً يجري قد فقد صوابه، يجري في إتجاهات شتى ذهاباً وإياباً، يضرب بيديه وجهه وصدره، ثم يلقي بجسده على الأرض، توجهت الأنظار نحوه، إبتعد عن الجميع ثم وقف ليطلقها صرخة مدوية إهتزت لها أرجاء المكان، وتزلزلت لها قلوب الحاضرين....إن الله عظيم، إن الله عظيم، ليه هو قال لا إله إلا الله، وهم ما قالوا، أشار نحو رفقائه وقال: أنتم مجانين، أنتم مجانين، ثم صرخ لا... أنا مجنون، أنا مجنون لأني مشيت معكم، إنخرط في بكاء شديد ثم قال: ليه هم ماتوا وأنا ما مت ليه هم ماتوا وأنا ما مت، ليتني مت معهم...أمسكت به، هززته، احمد الله الذي أمد في عمرك لتتوب، التفت نحوي بدأ يضربني بيديه على صدري، ثم يحتضنني، ألقى برأسه على كتفي وأخذ يبكي مثل الطفل الصغير، حاولت تهدئته، نظر إليّ، وقال: إن الله عظيم، أنت عارف أن الله عظيم، خنقتني العبرة وأنا أهز رأسي مؤكداً له أن الله عظيم، نعم إن الله عظيم، بكى الحاضرون من هذا الموقف....

عاشت هذه الحادثة في ذاكرتي، تهزني هزاً، وتتقطع نياط قلبي كلما إسترجعت صورها وأحداثها....وجاء يوم الجمعة، شعرت لحظتها بالرغبة في أن أصرخ، أن أسمع العالم هذه القصة، فأبشر المؤمن، وأوقظ النائم، وأيقظ الغافل.... صعدت المنبر، فخنقتني العبرات، وتوالت المشاهد أمام عيني، إنطلقت أتحدث وأتحدث، لم أشعر بشيء، لم أتبين ملامح الحاضرين...نزلت من المنبر، إنتهت الصلاة، أقبل رجل في العقد الرابع من عمره، ملامح الحزن تكسو وجهه...قال لي: أنا أخو الرجل الذي نطق بالشهادتين...كاد قلبي أن يخرج من مكانه، واصل الحديث، لقد كان رجلاً صالحاً، وكان متوجهاً لشراء بضائع لمحله التجاري، الحمدلله، الحمدلله على كل حال...قمت أنا ومن كان معي بتعزيته ....وقف ولم يتحرك، تردد قليلاً ثم قال: أنت الوحيد الذي حضر الحادث ....قلت له: نعم ...قال: لقد استدعت الشرطة الشباب الذين حضروا الحادث وشهدوا بأن الخطأ يتحمله أخي...إنا لله وإنا إليه راجعون، أي قلوب يملك هؤلاء الشباب؟، أين البكاء... أين الدموع التي ذرفت؟ ألم يشاهدوا أصدقاءهم كيف خذلتهم ذنوبهم وآثامهم من أن ينطقوا: بلا إله إلا الله؟‍...رفعت رأسي إلى السماء وسألت الله أن يهبهم قلوباً فإنه لاقلوب لهم....وفي صباح يوم السبت توجهت نحو الشرطة وأخبرتهم بما رأيت....وبقي السؤال: ماذا فعل الشاب ذو العشرين عاماً؟! يتلجلج في صدري ويبحث عن الإجابة...

قصة من الواقع ذكرها لي عبدالمحسن الأحمد

الكاتب: عبدالله الهندي.

المصدر: موقع طريق التوبة.