روائع مختارة | قطوف إيمانية | الرقائق (قوت القلوب) | منحة القلب الكبير

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > قطوف إيمانية > الرقائق (قوت القلوب) > منحة القلب الكبير


  منحة القلب الكبير
     عدد مرات المشاهدة: 1334        عدد مرات الإرسال: 0

كنت قد بدأت أشعر بالشفقة على نفسي وبدأت هواجس الخوف من شبح الشيخوخة تراودني عندما فتحت جارتي باب منزلها لتبدو لي وكأنها إستيقظت توا من النوم، وكنت قد إستيقظت قبل الفجر لأقوم بتأدية فروضي وبعض العبادات قبل أن أنطلق في مشوار لا ينتهي من العمل المنزلي، ومن ثم الدوام المدرسي، وقد إضطررت لطرق بابها لأمر مهم عند عودتي من الدوام، وكنت وقتها مرهقة ذابلة وينتظرني عمل آخر في منزلي بالطبع.

في صِبايّ كنت مولعة بالقراءة، وقد قرأت يوما مقالة تتحدث عن ضرورة تحديد أهدافنا المستقبلية وكتابتها على الورق، وعشت مع نفسي وخططي الصغيرة أياما، وقررت لمستقبلي صورته آنذاك.

لم تكن فكرة التخلي عن إمتلاك أسرة تراودني مطلقا، فقد كان أمر الزواج وتكوين عائلة تخصني أمرا محببا لا يقبل الجدال، ولم تكن تغادر مخيلتي أحلام جميلة أراني بها أمتلك ناصية الحرف وأقدم للدنيا أدبا نافعا ممتعا، وقد كنت أشعر بالإمتعاض لو خطر لي أن إحدى أمنياتي قد تطيح بالأخرى، وأن المشاغل اليومية قد تقتل في نفسي حماستها لتحقيق هدفها الجميل في الكتابة، وقد قادني الله تعالى بقدرته نحو مهنة التدريس، وكانت مادة الرسم التي أقوم بتدريسها للصغار تمنحني السعادة والهمة والقرب من هوايتي في مرافقة الريشة والألوان، وكنت من خلال وجودي مع الأولاد أجد مادة رائعة لقلمي ونوعا من الترويض لنفسي في معاشرة قوم يجسدون لنا كل معاني الصفاء والبراءة، فكنت سعيدة بكل تلك المهام حتى رأيت ما رأيت، وشعرت أن الشيخوخة سوف تسارع الخطى نحو جسدي الذي قمت بإستهلاك طاقاته بقوة.

وصعدت بعض الدرجات متثاقلة وقد أنهكني الشعور بالتعب وزادت رؤية جارتي التي إستيقظت في هذا الوقت من أوجاعي، وكان أن قابلت من جديد -نعمت- جارتنا التي تقترب من الثمانين عاما من عمرها، وتعيش مع أختيها الأكبر منها وأخ كبير أعزب كنت قد توقعت أن له من العمر ما يقارب التسعين، وقد كانت -نعمت- هي الأصغر بين إخوتها وقد تقاعدت من مهنتها كمديرة لمدرسة ثانوية للبنات منذ زمن طويل، وتقوم برعاية إخوتها وتؤدي واجباتها على أكمل وجه دون مساعدة من أحد أبدا، وقد بقيت جارتنا العجوز ذات الأنف الروماني والملامح الدقيقة الجميلة تعتني بنفسها وتعزز من شكلها الأنيق بما يشير إلى ذوق راق ويؤكد نشأتها في بيت عريق.

قابلتها وهي تنزل من السطح بعد أن نثرت للحمامات والعصافير بعض الخبز اليابس وربما بقية من حبوب تأتي بها خصيصا لتطعمهم منها كل يوم بعد أن تنتهي من تنظيف منزلها وإعداد الطعام للمسنين، وكان يحلو لي في بعض الأحيان مراقبة تلك العصافير وهي تنتظر جارتي قبل موعدها، وكأنها متأكدة من وفاء صاحبة القلب الكبير، وكانت في العيد تجمع أطفال العمارة وتقوم بتوزيع أكياس ملونة عليهم جميعا وقد ملأتها بأنواع فاخرة من الحلوى وربطتها بشرائط من السولفان الجميل.

وكم كنت أحب إهتماماتها الراقية وتنبهها لهؤلاء الضعفاء المنسيين، وكم قررت بيني وبين نفسي أنني سوف أفعل كما تفعل ولكنها تبقى صاحبة الإبتكار.

إنتعشت روحي لرؤية صاحبة الهمة، والتي تكاد تبلغ الثمانين من العمر، وتقوم بواجباتها نحو إخوتها ونفسها وتفكر في عصافير الحي وحمامات السماء ولا تنسى مع كثرة مشاغلها كل الصغار من أولاد الجيران، ورأيت أن المعادلة قد بدت واضحة، فالإيثار وخدمة الآخرين قد حفظت لجارتنا همتها ونسيت أن تفكر في ألامها وأوجاعها، بل وربما نسيتها الآلام، وربما ستنساني ألام الشيخوخة وملامحها القاسية عندما سأعيش لأسرتي وأمتي وربما ستنسيني سعادة الإنجاز ما ستغيره في شكلي ساعات الزمان.

الكاتب: عبير النحاس.

المصدر: موقع رسالة المرأة.